سياسة

بعد انتهاء الجولة الأولى..”العدالة التنافسية” و”التنوع” يرسمان ملامح جديدة لمجلس نواب ٢٠٢٠

اتسمت معارك الجولة الأولى من انتخابات مجلس النواب 2020، بالتنافسية الشديدة سواء على مستوى التنافس بين القوائم الانتخابية أو بين المرشحين على المقاعد الفردية.
ولم تقتصر المنافسة على الأحزاب بل ظهر مرشحون مستقلون تمكنوا من تغيير المشهد السياسي لصالحهم وتراجع قوة بعض النواب السابقين وهو ما يشير إلى هندسة جديدة للمشهد السياسي قد تفرزها انتخابات النواب عقب انتهائها.
وارتفعت معدلات الثقة في العملية الانتخابية المصرية بعدما تخلصت مصر إلى الأبد من الممارسات السلبية التي التصقت بعهود سابقة تلاعبت بإرادة الناخبين وتزوير إرادتهم بالصناديق “المسودة” لمرشحي الحزب الحاكم وانحياز أجهزة الدولة لهم وقصر المشاركة على من يحملون بطاقة الانتخابات الوردية التي كان يحتكرها أعضاء الحزب الحاكم أيضا وهو ما أدى إلى عزوف الناخبين لسنوات عديدة.
تخلصت “دولة 30 يونيو” من آثار ذلك العهد تماما وسعت لتحصين مؤسسات الحكم بالإرادة الشعبية الحقيقة التي تعبر عن نفسها دون تدخل من أحد في صناديق شفافة تعلن نتائجها أمام كاميرات الإعلام وهو ما شهدت عليه كل مؤسسات المجتمع المدني التي راقبت كل الاستحقاقات الانتخابية بعد ثورة 30 يونيو.
انعكس ذلك في مؤشرات التصويت المصاحبة للمرحلة الأولى لانتخابات مجلس النواب 2020 وتراوحت ما بين كبيرة ومتوسطة رغم الإجراءات الاحترازية لمنع انتشار فيروس “كورونا”.
وانطلقت الجولة في 14 محافظة وهي (الجيزة، الفيوم، بنى سويف، المنيا، أسيوط، الوادي الجديد، سوهاج، قنا، الأقصر، أسوان، البحر الأحمر، الإسكندرية، البحيرة، مطروح)، ومخصص لها 284 مقعدا، 142 بنظام فردي، و142 بنظام قائمة ويتنافس فيها 2163 مرشحا بينهم 1879 مرشحا فرديا و284 بالقائمة بينهم 1416 مرشحا مستقلا و747 مرشحا حزبيا بينهم 348 امرأة.


ويمكن تحليل مشهد الإقبال الكبير على المشاركة والتنافسية الشديدة التي شهدتها الجولة الأولى وفق عدة عوامل وهي:


التكافؤ وتوفر شرط النزاهة وحياد مؤسسات الدولة:


حرص مجلس النواب عبر تعديل بعض أحكام قانون تنظيم مباشرة الحقوق السياسية الصادر بالقانون رقم 45 لسنة 2014، وقانون مجلس النواب الصادر بالقانون رقم 46 لسنة 2014، والقانون رقم 198 لسنة 2017 في شأن الهيئة الوطنية للانتخابات، على توفير مبدأ تكافؤ الفرص بين كل الأحزاب السياسية و استمرارية التمييز الايجابي للمرأة بتشكيل مجلس النواب وكذا استمرارية مبدأ التمثيل الملائم لكل من العمال والفلاحين والشباب والأقباط والمصريين بالخارج والأشخاص و ذوي الإعاقة بعد أن كانت هذه التشكيلة موقتة بأول فصل تشريعي بعد صدور دستور 2014 قبل تعديله، اعلاء لمبدأ المواطنة .
كما وفر القانون للهيئة الوطنية للانتخابات الحيادية والاستقلالية الكاملة في عملها ومعاملة جميع الأحزاب والمرشحين بالمساواة ودون محاباة أو تمييز ووفرت لها الحماية من التداخلات والتأثيرات السياسية.
وبدورها التزمت الهيئة بالشفافية المطلقة في إعلان كافة الإجراءات المتعلقة بالانتخابات والتحديثات الدورية على قواعد الناخبين من أجل استبعاد أصوات المتوفين أو الممنوعين من مباشرة حقوقهم السياسية بحكم قضائي وأتاحت لكل المواطنين امكانية الوصول إلى كافة المعلومات المتعلقة بالعملية الانتخابية وكذلك معرفة أماكن التصويت الخاصة بكل مواطن بسهولة ويسر كما منع توزيع اللجان الفرعية ظاهرة الزحام أثناء التصويت واصبحت العملية لا تستغرق سوى دقائق ما بين التأكد من شخصية الناخب ووضع صوته الانتخابي في الصندوق.
كما نظمت الدولة عملية تصويت للمصريين في الخارج عبر وزارة الهجرة بالتعاون مع السفارات والقنصليات وبالاعتماد على قوائم متجدده للمصريين المقيمين في الخارج.


استقلالية الهيئة الوطنية للانتخابات:


كان لوجود الهيئة الوطنية للانتخابات كجهة قضائية مستقلة تدير وتراقب العملية الانتخابية اثرا مهما في اعطاء الثقة للناخب والمرشح في نزاهة العملية الانتخابية.
فقد أنشئت الهيئة الوطنية للانتخابات إعمالا لنصوص دستور 2014 والذي نصت المادة 208 منه على إنشاء الهيئة كهيئة مستقلة، تختص دون غيرها بإدارة الاستفتاءات، والانتخابات الرئاسية، والنيابية، والمحلية، بدءا من إعداد قاعدة بيانات الناخبين وتحديثها، واقتراح تقسيم الدوائر، وتحديد ضوابط الدعاية والتمويل، والإنفاق الانتخابي، والإعلان عنه، والرقابة عليها، وتيسير إجراءات تصويت المصريين المقيمين في الخارج، وغير ذلك من الإجراءات حتى إعلان النتيجة. وذلك كله على النحو الذي ينظمه القانون.
ونصت المادة 209 من الدستور على تشكيل مجلس إدارة الهيئة من عشرة أعضاء من القضاء والجهات والهيئات القضائية في مصر، وأن يتم اختيارهم بموجب ندبهم من هذه الجهات والهيئات القضائية (دون تدخل من السلطة التنفيذية)، وأن يترأس هذه الهيئة أقدم أعضائها من محكمة النقض.
وأوجبت المادة 210 من الدستور أن يتم الاقتراع، والفرز في الانتخابات، والاستفتاءات التي تجرى في السنوات العشر التالية لتاريخ العمل بدستور 2014 (أي حتى 2024)، تحت إشراف كامل من أعضاء الجهات والهيئات القضائية.
وتخضع قرارات الهيئة بما في ذلك قرارات إعلان نتائج الانتخابات والاستفتاءات لإمكانية الطعن القضائي عليها، حيث أناطت المادة المذكورة بالمحكمة الإدارية العليا اختصاص الفصل في الطعون على قرارات الهيئة المتعلقة بالاستفتاءات والانتخابات الرئاسية والنيابية ونتائجها، بينما أناطت بمحكمة القضاء الإداري اختصاص الفصل في الطعون على انتخابات المحليات.
وبحسب القانون رقم 198 لسنة 2017 بشأن الهيئة الوطنية للانتخابات تم النص على الاستقلال الفني والمالي والإداري للهيئة والتزام الهيئة بالإشراف على الانتخابات والاستفتاءات باستقلالية وحيادية تامة وإنه لا يجوز التدخل في أعمالها أو اختصاصاتها.
وضمان الهيئة لحق الاقتراع لكل ناخب و التزام الهيئة بالمساواة بين جميع الناخبين والمترشحين خلال الاستفتاءات والانتخابات.
ونص القانون على استقلال وحياد رئيس ونواب وأعضاء الجهاز التنفيذي للهيئة وعدم انتماء أي منهم لأي ائتلاف أو حزب سياسي.
هذه الضمانات كانت كافية للدلالة على نزاهة العملية الانتخابية وارتفاع نسبة الثقة فيها وهو ما انعكس على زيادة نسب الترشح على كل المقاعد الفردية وظهور اكثر من قائمة انتخابية وزيادة نسب المشاركة مع زيادة التنافسية في الانتخابات والتأكد من حياد الدولة تجاه العملية الانتخابية .

عدم وجود حزب حاكم:


كان لتنويه الرئيس عبد الفتاح السيسى أكثر من مرة إلى أنه بلا حزب سياسي يمثله أثر ايجابي على حالة التنافسية بين كل الأحزاب السياسية على عكس عهود سابق كان فيها رئيس الجمهورية يرأس الحزب الحاكم.
وبذلك أعلن الرئيس وهو رأس السلطة التنفيذية حياد كل الأجهزة التنفيذية مع العملية الانتخابية التي لم تفرز في انتخابات مجلس الشيوخ السابقة عن سيطرة حزب واحد على المجلس وهو ما يشير إلى تلاقي ارادات بين رئيس الجمهورية والناخب المصري على الابتعاد عن وجود حزب حاكم حتى لا تحمل التجربة السياسية الجديدة بأرث الماضي وترك التجربة لتفاعلاتها الطبيعية حتى تفرز الشكل السياسي المناسب الذي يدعم مشاركة الناس باستمرار في صنع القرار السياسي والثقة في العلمية الانتخابية.
وتأسيسا على ذلك كانت حركة الشارع وقدرة المرشحين على الحشد هي المحك الرئيسي في الفوز بمقاعد البرلمان ، وهوما أعطى المستقلين الفرصة في المنافسة المقصد هنا، أن الجميع اتفقوا على نزاهة العملية الانتخابية، وأن قدرة المرشح والقائمة على تسويق أنفسهم وحشد الناخبين هو الفيصل في الوصول لمجلس النواب في نسخته الثانية والأهم بعد ثورة الثلاثين من يونيو .


اختفاء دعوات المقاطعة:


كان لحوار الأحزاب المصرية على تنوع خلفياتها سواء ليبرالية أو يسارية والاتفاق على قائمة وطنية موحدة تضمن مقاعد برلمانية لأحزاب تكافح من أجل الاستمرار في المجال السياسي، ومن بينها أحزاب كانت تدعوا للمقاطعة في السابق، وكان لوجودها انعكاس إيجابي لأنها أوجدت التنوع المطلوب فيما هو مطروح من برامج سياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار وهوما يشير إلى وصول الكثير من الاصوات المعارضة وهو مؤشر على عدم اقصاء أي صوت سياسي مهما كان بسيطا من التمثيل في مجلس النواب وفى الحياة السياسية بشكل عام .


تنسيقية “شباب الأحزاب والسياسيين”:


شهدت الانتخابات اقبالا متوسطا من الشباب الذي كسر عزوفه التاريخي عن المشاركة وظهر بكثافة في لجان التصويت في المدن الجديدة وربما يقف وراء ذلك الاقبال ان الشباب وجد مرشحين من نفس فئته العمرية ويحملون نفس الافكار ومتاعب الجيل التي يمر بها الشباب المصري وهو ما توفر بظهور تنسيقية “شباب الاحزاب والسياسيين” ككيان سياسي جديد و قوي يجمع كل شباب الاحزاب السياسية والمستقلين بعدا مهما في الانتخابات سواء على مستوى الترشيح أو التمثيل في القوائم الانتخابية.
وتمثل التنسيقية تحديثا مهما في العمل السياسي حيث انها تمثل الجيل الجديد من التجارب الديمقراطية الحديثة القائمة على الديمقراطية التشاركية التي تعتمد على التفاوض والعمل المشترك بين الاحزاب دون التخلي عن المبادئ و الأفكار والبرامج الخاصة بكل حزب منهم.
فقد أعلن عن وجود نخبة سياسية جديدة ومؤهلة فضلا عن انها تجسيد لوجود ارادة سياسية واضحة لتمكين الشباب من العمل السياسي واعطائه خبره العمل النيابي وهى تجربة تؤسس لجيل جديد من السياسيين الذين يمكنهم التعاون المشترك وتعلق عليهم الآمال لإصلاح العمل السياسي وازالة ما علق ما به من رواسب في الحقب السابقة ونجاحها مرهون بقدرتها على افراز كوادر سياسية محترفة تحظى بمصداقية وقادرة على مجابهة تحديات العمل العام .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى