الانتخابات الأمريكية

ندوة بالجامعة الأمريكية: الانتخابات الأمريكية المقبلة هي الأشرس في تاريخ الولايات المتحدة.. ودور إقليمي أكبر لمصر يعني علاقات أقوى مع واشنطن

عرض – ماري ماهر

أكد عزت إبراهيم، رئيس وحدة الإعلام بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية ورئيس تحرير “الأهرام ويكلي” وبوابة “الأهرام أونلاين”، أن الانتخابات الأمريكية المقبلة هي الأشرس في تاريخ الولايات المتحدة، وتكتسب أهمية خاصة نظرا لأنها سوف تحدد وجهة السياسة الخارجية للقوى العظمى الأولى في العالم، كما أنها ستحدد وجهة الصدام مع الصين وهو موضوع السياسة الخارجية الأبرز الآن في واشنطن والذي يزايد فيه كل الأطراف على بعضهم البعض، فضلًا عما يصاحبها من حالة من الترقب في العواصم المختلفة، خاصة الأوروبية، لكونها ستحدد منهج التعامل مع بعض القضايا الهامة، كمستقبل حلف الناتو.

جاء ذلك خلال ندوة نظمتها الجامعة الأمريكية، اليوم الاثنين، عبر تطبيق Zoom، تحت عنوان “ما تأثير الانتخابات الأمريكية القادمة على مصر والشرق الأوسط؟”، والتي أدارها الأستاذ عزت إبراهيم، وتحدث بها الدكتور بهجت قرني، أستاذ العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، والسفير كريم حجاج، أستاذ ممارس بقسم السياسات العامة والإدارة ومدير مركز الوليد بن طلال للدراسات والأبحاث الأمريكية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة.

وفي شأن انعكاسات نتيجة الانتخابات المقبلة على مصر، أشار إبراهيم إلى أنها ستمثل اختبار لقدرة مصر على التقارب مع إدارة ديمقراطية جديدة، في حالة فوز بايدن، في ظل أن الإدارة الأمريكية الحالية تمتلك علاقات جيدة مع القاهرة.

ولفت إلى أن حلفاء واشنطن الشرق أوسطيين ينظرون نتيجة الانتخابات لأنها سوف تحدد هل هناك المزيد من الضغوط على إيران؟ وهل ستستكمل سلسلة المعاهدات الجديدة مع الدول العربية؟ أم ستؤدي إلى فقد بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، لشريكة على الساحة الأمريكية؟

 ومن جهته، أكد الدكتور بهجت قرني أن الانتخابات الأمريكية كونية لأن نتائجها تؤثر على العالم أجمع، مشيرًا إلى أن الانتخابات المقبلة استثنائية لسببين؛ الأول يتعلق بالاستقطاب الحاد ليس فقط بين المرشحين ولكن داخل المجتمع الأمريكي، أما الثاني فيخص أنها أول انتخابات أمريكية تؤثر فيها الحسابات الشخصية.

أشار قرني إلى خمس ملاحظات يُمكن استخلاصهم من السلوك السياسي لترامب، هم:

• السلوك التصادمي في السياسة الخارجية: حتى مع الحلفاء والنتيجة أن صورة الولايات المتحدة تراجعت في العالم بصورة لم يسبق لها مثيل منذ 20 عامًا.

• السلوك الانعزالي: ويتضح من بعض السياسات بما في ذلك الحرب التجارية مع الصين، ووجود خلافات مع حلفائه الأوروبيين كتخفيض المساهمة في حلف الناتو، فضلًا عن الانسحاب من المنظمات الدولية كمنظمة الصحة العالمية، وهو ما جعل الولايات المتحدة وحيدة في العالم، والدليل على ذلك عدم تأييد حلفائها الأوروبيين في مجلس الأمن لرغبتها في تمديد حظر السلاح على إيران.

• اتباع سيكولوجية رجل الاعمال وتاجر العقارات المهتم بالربح السريع والصفقات: ويستدل على ذلك من أن أول زيارة خارجية لترامب بعد حصوله على الرئاسة كانت للمملكة العربية السعودية، وكان فخورًا بالصفقات التي أبرمها مع دول الخليج خصوصًا في مجال السلاح.

• بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط، شهدت الفترة الأخيرة إحراز ترامب عدد من الإنجازات أهمها عمليات التطبيع بين إسرائيل من جهة والإمارات والبحرين والسودان من جهة أخرى، خاصة أن هناك إدارات سابقة حاولت إحداث اختراق في شأن إقامة علاقات بين إسرائيل ودول المنطقة، لكن هذا تحقق فقط في عهد ترامب، وكانت إعلانات التطبيع تأتي دائمًا من واشنطن في الحالات الثلاثة. لافتًا إلى أن تلك الاتفاقيات تختلف عن معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، كونها تتعدى فكرة إقامة علاقات ثنائية إلى مسألة تشكيل شرق أوسط جديد، تتجسد أبرز ملامحه في وجود شراكة بين اسرائيل ودول الخليج لتوجيه المنطقة، وذلك بالتزامن مع تخلي الولايات المتحدة بعض الشيء عن المنطقة.

وأشار قرني إلى أن مصر عليها أن تلتفت إلى المغزى الإقليمي لتلك الاتفاقيات، وأن تنظر بنظرة متعمقة إلى وضعها في المنطقة، وتعمل على التنسيق مع دول عربية أخرى بشأن أي شرق أوسط نتطلع إليه.

• بالنسبة لمصر، دخلت العلاقات المصرية الأمريكية في عهد ترامب في طور أفضل بكثير من عهد أوباما، ولعل أحدث دليل على ذلك، موقفه القوي بخصوص سد النهضة، حينما أكد ان مصر قد يكون لها مبررًا للدفاع عن حقها الوجودي في مياه النيل عسكريًا، وهو ما اعتبره البعض ضوءً أخضر للقاهرة للإقدام بعمل عسكري. مشيرًا إلى أن هذا أقوى موقف غربي مساند لمصر مقارنة بأوروبا التي تكتفي بالحديث عن ضرورة مواصلة المفاوضات وأنها يجب أن تؤدي إلى نتائج، في حين اتخذت واشنطن قرارًا بقطع المسعدات عن أديس أبابا، ورعت المفاوضات التي جرت في فبراير الماضي وقدمت اتفاقًا لكن لم توقع عليه إثيوبيا. لكن قرني رفض فكرة أن تصريح ترامب بمثابة توريط القاهرة في عمل عسكري، لافتًا إلى تشديد القيادة المصرية دائمًا على رفض الحل العسكري.

وفي شأن طبيعة العلاقات مع مصر حال فوز بايدن، أوضح قرني أنه سوف تظهر مجموعة من الموضوعات الخلافية على أجندة العلاقات بين البلدين، أهمها قضيتي الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهما القضيتان اللتان تراجعتا في عهد ترامب. لكنه شدد على أن الأمر لن يكون كعهد أوباما، ويرجع ذلك إلى أنه في السابق كان هناك رفض أمريكي لفكرة وجود رئيس كبير في السن استمر لثلاثين عام في الحكم (الرئيس الراحل حسني مبارك) وهو الأمر الذي لم يعد موجودًا الآن، وكذلك فشل تيارات الإسلام السياسي في الحكم.

وفي هذا الشأن أوصى قرني بأنه يجب على مصر أن تُعد أجندتها بشأن حقوق الإنسان، وتعريفها، وعلاقتها بالتنمية، ولا تنتظر لتكون مجرد رد فعل على الاتهامات الأمريكية. 

ولفت قرني إلى أن قضايا السياسة الخارجية مهمشة لدى المواطن الأمريكي العادي، وعلى سبيل المثال لم يكن بند السياسة الخارجية من الموضوعات المطروحة على اجندة المناظرة الانتخابية الأخيرة، وتم تسمية هذا البند بالأمن القومي، فيما لم يرد ذكر سوريا أو ليبيا أو اليمن، وهو أمر غريب أن المناظرة الرئاسية للدولة التي تعتبر عاصمة العالم سيطر عيها المناكفات الشخصية، أكثر منها موضوعات العلاقات الدولية.

وأوضح قرني أنه في حالة عدم وضوح نتيجة الانتخابات، فمن الممكن أن تشهد الولايات المتحدة موجة من العنف، خاصة أن مؤيدين ترامب متحمسين بشكل كبير وبعضهم هدد بحرب أهلية إذ لم يفز، مشيرًا إلى أن ترامب من الممكن أن يتخذ قرارات فجائية قبل نهاية فترته، لسحب البساط من تحت أرجل الخصم.

فيما طرح السفير كريم حجاج أوجه التشابه أو الاستمرارية في ظل إدارة جمهورية أو ديمقراطية جيد مشيرًا إلى وجود قدر من الاستمرارية في السياسة الأمريكية بين الإدارات المتعاقبة بداية من أوباما، وهذا الوجه يتمثل في تدني أهمية منطقة الشرق الأوسط في الحسابات الاستراتيجية للولايات المتحدة، مقابل تنامي أهمية مناطق أخرى تراها الولايات المتحدة أكثر تأثيرًا على المصالح الاستراتيجية.

أكد حجاج أن هذا التطور ترتيب عليه إعادة تعريف المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، فالمصالح الأساسية، مثل تأمين النفط، والحفاظ على أمن إسرائيل، وضمان مصالح الحلفاء الخليجيين مازالت مستمرة ولكنها تراجعت بعض الشيء لصالح قضايا مثل مكافحة الإرهاب والحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل، وهذا قاسم مشترك بين أوباما وترامب ويتوقع أن يستمر حال فوز بايدن، فقد نشهد استمرار تقليص التواجد العسكري في المنطقة والذي يقدر حاليًا بـ 60 ألف جندي إلى ما كان عليه قبل حرب الخليج.

كذلك من المقرر أن يستمر معنا تجنب الدخول عسكريًا في صراعات مسلحة طويلة الأمد في المنطقة لتجنب الانتقادات الداخلية، فضلًا عن عدم الاستمرار سياسيًا ودبلوماسيًا في التسوية في الصراعات السياسية في المنطقة (ليبيا – سوريا – اليمن)، والاكتفاء بتحركات دبلوماسية محدودة الأثر.

وتطرق حجاج إلى أوجه الاختلاف التي قد تطرأ على سياسة إدارة بايدن في حالة فوزه في الانتخابات، ومن ذلك القضية الإيرانية، فمن المتوقع أن تعيد إدارة بايدن إحياء مسار المفاوضات مع طهران في محاولة للوصول إلى اتفاق جديد، وقد يتسع ليشمل ملفات إضافية مثل الصواريخ الباليستية والتدخلات الإيرانية في المنطقة، وسوف يقوم بايدن بتوظيف عقوبات ترامب للضغط على إيران للجلوس إلى طاولة المفاوضات.

أما نقطة الاختلاف الثانية فتتعلق بالقضية الفلسطينية، حيث من المرجح أن نشهد مراجعة لسياسة ترامب تجاه الملف الفلسطيني ليس فيما يتعلق بأمن إسرائيل، ولكن فيما يتعلق بتحالف ترامب مع اليمين الإسرائيلي، مع إعادة التركيز على صيغة حل الدولتين لتسوية القضية الفلسطينية، وعودة المساعدات الأمريكية، والتركيز على الحقوق الفلسطينية، لكن من غير المرجح أن نرى تراجعًا في نقل السفارة الأمريكية.

ويتعلق الاختلاف الثالث بالعلاقات مع دول الخليج، حيث من المرجح أن تشهد تراجع بسبب تقليص الوجود العسكري في المنطقة وهو ما سيطرح تساؤلات بشأن الالتزام بأمن الخليج، مع الأخذ في الاعتبار أن هناك ضغوط من الكونجرس تمارس لإعادة النظر في العلاقات مع دول الخليج خاصة فيما يتعلق بصادرات السلاح.

وأشار حجاج أن أغلب المستشارين المحيطين بحملة بايدن ينتمون إلى تيار الوسط الديمقراطي الذي ينطلق من مجموعة من التوجهات أبرزها: الايمان بالعمل الدولي متعدد الاطراف ما يعني أن هناك انخراط متوقع للولايات المتحدة في القضايا المتعلقة بتغير المناخ ونزع السلاح وغيرها من القضايا الدولية، كما أنهم ينتمون إلى توجه برجماتي فيما يتعلق باستخدام القوى العسكرية للحفاظ على المصالح الأمريكية، وكذلك يؤمنون بضرورة تواجد الولايات المتحدة على الساحة السياسية.

ولفت إلى أن هناك تيارا أخر داخل قوعد الحزب الديمقراطي، وهو اليساري التقدمي، هو الذي يعلي مسائل الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو لا يؤمن بالتواجد الامريكي الواسع عسكريًا وخاصة في الشرق الاسط، وله رؤية خاصة فيما يتعلق بقضايا المنطقة، خاصة القضية الفلسطينية، التي ينظر لها بشكل حقوقي أكثر.

وفيما يتعلق بالعلاقة المتوقعة مع مصر حال فوز بايدن، أكد حجاج أنه لا بد من الوضع في الاعتبار أن إعلاء قضايا الديمقراطية وحقوق الانسان أمر طبيعي ومتأصل في السياسة الأمريكية، والاستثناء عن ذلك كان خلال إدارة ترامب، لكن هناك فرق أساسي بين إعلاء حقوق الانسان في الخطاب السياسي، وبين التوجه لدعم هذه القضايا على الارض والذي ظهر بشكل أساسي خلال إدارة بوش الابن وأوباما. أما باين فغير متحمس للتغيير، وتبني نظرة شديدة التحفظ لإدارة الولايات المتحدة سياسة التغير خلال مرحلة الربيع العربي.

وأوضح حجاج أن قضايا السياسة الخارجية بوجه عام لا تحتل أهمية في إطار الانتخابات الأمريكية، ناهيك عن قضايا الشرق الاوسط، إلا في حالة وجود أزمة قوية تواجه السياسة الخارجية الأمريكية، وهي غير موجدة حاليًا، لكن هناك قضايا تكون محل اهتمام لفئات محددة ليس من ضمنها الشرق الأوسط، فعلى سبيل المثال يؤيد الأمريكيين من أصل كوبي ترامب، نظرًا لان سياسته تجاه كوبا تخدم مصالحهم.

واختتم حجاج بالتأكيد على أن أساس العلاقات المصرية الأمريكية كان ولا يزال مبني على أكتر من عنصر منها أنها أهم وأكبر دولة عربية، وأول دولة مدت يدها للسلام مع إسرائيل والانخراط بعد ذلك في مسار التسوية في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، ودورها بالنسبة لقضية الاستقرار الاقليمي (حرب الخلج – حليف أساسي في القيادة المركزية).

ومن هنا نخلص إلى أن العلاقة الامريكية المصرية تكون أكثر متانة في ظل دور إقليمي أكبر لمصر، بعبارة أخرى “دور مصري مؤثر يترجم لعلاقات مصرية أمريكية قوية”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى