السودان

مركز “بيجن السادات”: السودان وإسرائيل..حقبة تشهد التغيير

عرض – نرمين سعيد

ذكر مركز بيجن –السادات للدراسات الاستراتيجية الإسرائيلي، أن السودان قبل أن يحصل على استقلاله في عام 1956 كانت له علاقات وصفت بالجيدة جدًا مع إسرائيل، وطوال الوقت الذي كانت الخرطوم فيه خاضعة للاحتلال البريطاني تمتعت بعلاقات جيدة مع فلسطين التي كانت تحت الانتداب البريطاني أيضًا وبنفس القدر من جودة العلاقات فيما بعد مع إسرائيل وتكفي الإشارة إلى أن السودان كدولة عربية لم تشارك في حرب فلسطين 1948.

وقال المركز الإسرائيلي، في ورقة بحثية نشرت على موقع المركز الاثنين 26 أكتوبر 2020، إنه: “في بداية حقبة الخمسينيات حافظت شخصيات قيادية في السودان على مستوى جيد من العلاقات الثنائية مع تل أبيب حتى وصول عبد الناصر لسدة الرئاسة في مصر وهو المعروف بسياساته القومية والعروبية المتطرفة، وكان من الطبيعي أن يتأثر السودان باتجاه هذه السياسات فكانت الفترة التي شهدت انكماشًا لأبعاد العلاقات السودانية- الإسرائيلية”.

وأضاف:” أما رد الفعل الإسرائيلي على هذا الاتجاه فكان تركيز سياساتها الخارجية على جنوب السودان باعتباره مهيمنا عليه من قبل أغلبية مسيحية أدت إلى اندلاع حرب أهلية حتى إبان فترة الانتداب البريطاني”.

وحسب التقرير فإن العلاقات الودية بدأت بقوة بين إسرائيل وجنوب السودان في عام 1968 وذلك عندما وافقت رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير على إرسال ضباط من الموساد إلى السودان في محاولة للعمل على إضعاف علاقات السودان بمصر وبالتالي انتزاعه من براثن سياسات عبد الناصر القومية المتطرفة. خصوصًا بعد قمة اللاءات الثلاثة سيئة السمعة التي عقدت في الخرطوم عام 1967 وتضمنت إشهار أسلحة لا سلام مع إسرائيل، لا اعتراف بإسرائيل وأخيرًا لا مفاوضات مع إسرائيل. وفي ذلك التوقيت قالت جولدا مائير لزعيم المتمردين في الجنوب ” جوزيف لاغو” (إذا توصلت إلى طريقة لإقرار السلام مع الشمال فإننا لن نقف في طريقك”.

وأضاف التقرير: “تلا ذلك أن صعد جعفر النميري إلى السلطة في عام 1969 بعد انقلاب عسكري وأطلق عملية مصالحة أفضت في نهاية المطاف بتوقيع معاهدة سلام حافظت على وحدة الأراضي السودانية مع الإذعان لمطالب جنوب السودان بالحكم الذاتي”.

وتابع المركز قائلا:” ما حدث بعد ذلك أن السودان انخرط في أوضاع سياسية واقتصادية متردية أنتجت ضغوطات أفرزت نوعًا من سياسة الهروب للأمام التي اتبعها النميري بفرضه الشريعة الإسلامية بما في ذلك جنوب السودان المسيحي وهو ما أسفر في النهاية عن استئناف الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب في عام 1983 وكان الاتجاه الطبيعي للأمور أن ينفصل الجنوب باستفتاء شعبي في 2011″.

ولكن حسب التقرير فإن المثير للدهشة أن النميري ورغم اعتناقه لمبدأ تطبيق الشريعة الإسلامية بالقوة فقد كان له موقف مهادن من اتفاقية السلام التي وقعها الرئيس محمد أنور السادات في 1979، بل أنه حتى ساعد في نقل اليهود الإثيوبيين سرا إلى إسرائيل عبر الأراضي السودانية في الثمانينيات.

وذكر المركز قائلا:” مع صعود البشير للسلطة في انقلاب عسكري عام 1989 أصبح هناك دعما أكبر لتطبيق الشريعة الإسلامية وتحول السودان برمته إلى محور رئيس للإرهاب الإسلامي”.

وأشار معهد بيجن – السادات في موضع آخر إلى أنه في الفترة الواقعة بين عامي 1991-1933 قدم السودان ملاذًا آمنًا وقاعدة انطلاق عمليات للعديد من أعضاء تنظيم القاعدة الذين فروا من المملكة العربية السعودية، كما أصبحت الخرطوم في نفس الفترة حليفًا قويًا لإيران وقدمت السلاح والعتاد لمنظمات إرهابية مثل حماس وحزب الله وجماعات أخرى من نفس التصنيف في الصومال واليمن. وحسب مصادر أجنبية فإن إسرائيل لم تقف مكتوفة الأيدي حيال هذه الممارسات وإنما أوقفت شحنة أسلحة إيرانية لحماس كان من المفترض أن تمر عبر السودان في 2007 كما اعترضت سفينة أخرى محملة بالأسلحة ومتجهة إلى حماس عبر ميناء بورتسودان المطل على البحر الأحمر.

وكانت المرة الأولى التي أثير فيها شأن تطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل عندما أصدرت محكمة العدل الدولية في لاهاي مذكرة توقيف بحق البشير في 2008 متهمة إياه بالتسبب في مقتل بين 350-500 ألف نسمة في الحرب التي دارت في دارفور في الفترة بين 2003-2005، حيث قال مستشار البشير للسفير الأمريكي في الخرطوم إنه إذا سارت الأمور على ما يرام مع الولايات المتحدة فإن السودان قد ينظر بجدية إلى تحسين علاقاته مع إسرائيل. ولكن على الرغم من ذلك فإن دعم نظام البشير للإرهاب لم يتوقف مما أدى إلى تحول السودان إلى ساحة حرب بين إسرائيل وإيران وفي عام 2012 على وجه التحديد استهدف الطيران الإسرائيلي مصنع في السودان كان يتم استخدامه لتصنيع أسلحة وصواريخ ” شهاب” بعيدة المدى وشحنها إلى غزة ولبنان عبر البحر الأحمر.

وذكر المركز الإسرائيلي: “ثم تم تجديد الإشارة إلى إمكانية تطبيع العلاقات بين الخرطوم وتل أبيب في 2016 عندما انضمت السودان للتحالف السني بقيادة السعودية وفي ذلك التوقيت نقل عن وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور قوله ” بإمكان السودان التفكير في تطبيع العلاقات مع إسرائيل حال أبدت الولايات المتحدة نية لرفع العقوبات عن الخرطوم”.

وكمبرر لهذا التصريح الذي أثار موجة من الانتقادات الشديدة للنظام السوداني قال البشير إنه “نصح بتنظيم علاقاته مع إسرائيل لإخراج السودان من مأزقه الاقتصادي”.

وعلى أي حال فإن هذه التصريحات التي كان الهدف منها إظهار مرونة سودانية ناحية العلاقات مع إسرائيل كانت غالبًا ما تخرج من التيار المعارض الذي لم يكن يرى أي مصلحة للسودان في أن تعادي إسرائيل علانية. وأن إظهار العداء لإسرائيل له ثمن باهظ سياسيا فضلا عن كونه اقتصاديا للسودان على وجه الخصوص.

وأوضح التقرير أنه على سبيل المثال لا الحصر فإن رجل الدين المحسوب على التيار المعارض” يوسف كودا” قال إن الشريعة الإسلامية تتيح تطبيع العلاقات مع إسرائيل وأن على الخرطوم أن يفعل ذلك كما قال زعيم حزب الأمة ” مبارك فاضل مهدي” في 2017 أنه لا توجد أية مشكلة في تطبيع العلاقات مع إسرائيل”.

ويعد فاضل مهدي هو أحد أقارب الصادق المهدي والذي كان أول شخصية سودانية على قدر من الزعامة تلتقي بمسؤولين إسرائيليين في خمسينيات القرن الماضي.

ووفقًا للتسلسل الزمني فإنه بعد ثورة ديسمبر 2019 تمت الإطاحة بالبشير وتشكيل حكومة مؤقتة لتدير البلاد حتى الوصول إلى 2022 وإجراء انتخابات شعبية، وقد تم تقاسم السلطة بين المكون العسكري غير المرضي عنه من قطاع شعبي عريض في السودان لأنه يحسبون على رجال البشير الأقوياء ممثلًا في عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة ونائبه محمد دقلو والتيار المدني بقيادة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك ورئيس المحكمة العليا نعمات عبد الله محمد خير.

وذكر المعهد: “بالطبع فإن الحكومة المؤقتة تعاني عددا من الأزمات أبرزها المحاولات المستمرة من القطاع العسكري للسيطرة على زمام الأمور ولكن لم يكن الأمر ليكون أفضل من ذلك فيما يتعلق بتقاسم السلطة بين المكونين المدني والعسكري في الحكومة الانتقالية خصوصًا أنه قد لاقى توافق بل مباركات الحكومات المصرية والسعودية والإثيوبية والإماراتية وكذلك الولايات المتحدة ومعظم دول أوروبا”.

وقد ظهرت الخلافات بين المكونين جلية في مسألة تطبيع العلاقات مع إسرائيل، ففي الوقت الذي دفع فيه المكون العسكري ممثلًا في البرهان ودقلو تجاه التطبيع مع إسرائيل لأجل تحسين مكانة السودان الدولية لاقى الطرح معارضة شديدة من رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وذلك خوفًا من استعداء الرأي العام ضد الحكومة الانتقالية بالدرجة الأولى.

ولكن الأمور بدأت تأخذ منحى آخر في فبراير 2020 عندما التقى رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بدعوة من أوغندا وإشراف من وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، اللقاء كان بمثابة بالون اختبار ورافقه العديد من الكتابات السودانية التي أيدت الاتجاه نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل بإشارات مبدئية.

وبالفعل حدث ما كان متوقعًا وتم التوقيع على اتفاق سلام بين الخرطوم وتل أبيب في الثالث والعشرين من الشهر الجاري وبرعاية البيت الأبيض، وهي الخطوة التي جاءت في أعقاب اتفاقي سلام آخرين، الأول بين الإمارات وإسرائيل والثاني بين البحرين وإسرائيل، وحسب مراقبين فإن الاتفاق السوداني – الإسرائيلي يأتي ليؤكد أن النظرة لإسرائيل كعدو مذموم تغيرت وحل محلها نظرة الحليف كما أن خطوة السودان سيكون لها دور في تحديد ما ستؤول إليه الأمور في الخرطوم خلال 2022.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى