سياسة

كيف استفاد الإخوان من التمويل الأجنبي لمنظمات حقوق الإنسان؟

لم تخفِ إدارة باراك أوباما نواياها بخصوص مصر، وكان واضحًا منذ اليوم الأول لوجود تلك الإدارة في البيت الابيض أن الشرق الاوسط مقبل على عاصفة سياسية هدفها نزع الأنظمة القديمة وفتح الطريق أمام تنظيم الإخوان لتولي السلطة، وهو ما أكدته إيميلات هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية والمرشحة الرئاسية السابقة عن الحزب الديمقراطي والتي رفع عنها الرئيس دونالد ترامب السرية.

حددت إدارة أوباما طبيعة وطريقة التغيير وقررت الاعتماد على منظمات حقوق الإنسان ورصدت نحو 150 مليون دولار لدعم النشطاء السياسيين وتقوية مراكزهم السياسية والمؤسسية. وبحسب بيان صادر عن السفارة الأمريكية بالقاهرة وصلت قيمة المبالغ الموجهة لتمويل برامج دعم عملية الانتقال الديمقراطي لنحو 65 مليون دولار استفادت منها منظمات أهلية وأحزاب سياسية.

ثم كان إعلان السفيرة الأمريكية آن باترسون خلال جلسة استماع باللجنة الفرعية للشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ عام2012 أن 600 منظمة مصرية تقدمت بطلبات للحصول على منح مالية أمريكية، وأن بلادها قدمت 40 مليون دولار خلال الخمسة أشهر الأولي لعام 2011 لمنظمات المجتمع المدني لدعم الديمقراطية بمصر.

وكان المعهد الوطني للديمقراطيةNDI ويتبع الحزب الديمقراطي هو الأوسع نشاطًا في مصر، والأكثر تحمسًا لتنفيذ أجندة الديمقراطيين بنشر ثقافة حقوق الإنسان ودعم عمليات التحول الديمقراطي.

وحسب إفادة رئيس المعهد كينيث والك أمام اللجنة الفرعية للشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ فإنه خلال العام 2011 شارك في برامج تدريب المعهد 13 ألف مصري، عبر 700 دورة تدريبية الكثير منها داخل مصر، والآخر بالأردن. وفي إبريل2011 قدم المعهد منحا بقيمة 14 مليون دولار تم تنفيذها على مدار عامين استهدفت برامج الإصلاح السياسي والديمقراطية.

وحصل المعهد أيضًا على تمويل آخر من هيئة المعونة الأمريكية بلغ 18 مليون دولار لتنفيذ برامجه التدريبية داخل مصر في: إدارة عملية الانتقال السياسي وتجارب التحول الديمقراطي وتدريب وتنمية قدرات الأحزاب السياسية على المشاركة في الانتخابات من حيث التنظيم والدعاية جانب برامج دعم منظمات المجتمع المدني للقيام بمراقبة الانتخابات، واستفاد منها أكثر من 200 منظومة وجمعية أهلية. 

ومول المعهد إنشاء المعهد المصري الديمقراطي بنحو 522 ألف دولار عام2012 وهو شركة مدنية، بالإضافة لتمويل أنشطة العديد من المنظمات الأهلية سواء الكبيرة بالتعاون مع شركاء أوروبيين مثل مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان الذي يديره الهارب بهي الدين حسن 245 ألف دولار ومركز ابن خلدون حصل على 1.4 مليون دولار والمنظمة العربية للإصلاح الجنائي حصلت على تمويل بنحو 2.1 مليون دولار.

جماعة الإخوان كانت تتابع المشهد عن كثب وقررت ‎ركوب‎ ‎موجة‎ ‎مبادرات‎ ‎الإصلاح‎ ‎والديمقراطية التي‎ ‎انتشرت‎ ‎في‎ ‎أعقاب‎ ‎سقوط‎ ‎بغداد، ‏والتي‎ ‎أطلقتها‎ ‎مؤسسات‎ ‎بحثية‎ ‎أمريكية،‎ ‎وبحسب‎ ‎دراسة‎ ‎عن‎ ‎مركز‎ ‎الدراسات‎ ‎السياسية‎ ‎والاستراتيجية‎ ‎CSIS ‎بواشنطن‎ ‎للباحثين‎ ‎الأمريكيين‎ ‎‏”حاييم‏‎ ‎مالكا”‏‎ ‎و”جون‎ ‎ألترمان”‏‎ ‎ظهر‎ ‎التنافس‎ ‎الأمريكي‎ ‎الأوروبي‎ ‎على‎ ‎تشجيع‎ ‎تلك‎ ‎المبادرات‎ ‎التي‎ ‎كانت‎ ‎تطالب‎ ‎بنشر‎ ‎الديمقراطية‎ ‎وحقوق‎ ‎الإنسان‎ ‎في‎ ‎الشرق‎ ‎الأوسط‎ ‎وشمال‎ ‎إفريقيا،‎ ‎وكيف‎ ‎تحولت‎ ‎في‎ ‎الولايات‎ ‎المتحدة‎ ‎من‎ ‎قضية‎ ‎تخص‎ ‎أحد‎ ‎مكاتب‎ ‎وزارة‎ ‎الخارجية إلى ‏قضية‎ ‎وزير‎ ‎الخارجية‎ ‎والرئيس‎ ‎الأمريكي،‎ ‎والإدارة‎ ‎الأمريكية‎ ‎ككل‎.‎

طرحت‎ ‎الإدارة‎ ‎الأمريكية‎ ‎إطارين‎ ‎رئيسين‎ ‎لإدارة‎ ‎مسألة‎ ‎نشر‎ ‎الديمقراطية‎ ‎والإصلاح‎ ‎في‎ ‎المنطقة،‎ ‎الإطار‎ ‎الأول‎ ‎هو ‏‎”‎مبادرة‎ ‎الشراكة‎ ‎مع‎ ‎دول‎ ‎الشرق‎ ‎الأوسط”‏MEPI ‎‏ ‏والتي‎ ‎طرحت‎ ‎في‎ ‎ديسمبر ‏‎ ‎‎2002‎،‎ ‎وقد‎ ‎تأثرت‎ ‎المبادرة‎ ‎بتقرير‎ ‎التنمية‎ ‎الإنسانية‎ ‎العربي‎ ‎الصادر‎ ‎عن‎ ‎البرنامج‎ ‎الإنمائي‎ ‎للأمم‎ ‎المتحدة،‎ ‎خاصة‎ ‎التركيز‎ ‎على‎ ‎نشر‎ ‎الإصلاح‎ ‎من‎ ‎أسفل‎ ‎من‎ ‎خلال‎ ‎دعم‎ ‎المجتمع‎ ‎المدني. وشملت‎ ‎مجالات‎ ‎عمل‎ ‎المبادرة‎ ‎الإصلاح ‏الاقتصادي،‎ ‎والإصلاح‎ ‎التعليمي،‎ ‎والإصلاح‎ ‎السياسي،‎ ‎بالإضافة إلى تمكين‎ ‎المرأة. ‏كما‎ ‎ركزت‎ ‎المبادرة‎ ‎على‎ ‎الشركاء‎ ‎المحليين‎ ‎من‎ ‎المنظمات‎ ‎غير‎ ‎الحكومة‎ ‎وقطاع‎ ‎الأعمال‎ ‎والجامعات‎ ‎والمؤسسات‎ ‎الدولية،‎ ‎بالإضافة إلى حكومات‎ ‎المنطقة. ‏ولضمان‎ ‎ربط‎ ‎المبادرة‎ ‎بالأرض‎ ‎تم‎ ‎تأسيس‎ ‎عدد‎ ‎من‎ ‎المكاتب‎ ‎الإقليمية‎ ‎في‎ ‎تونس‎ ‎وأبو‎ ‎ظبي.‎

وبلغت‎ ‎موازنة‎ ‎المبادرة‎ ‎خلال‎ ‎السنوات‎ ‎المالية ‏‎)‎‏2002- 2005) ‏نحو‎ ‎‎300 ‎مليون‎ ‎دولار‎ ‎فقط‎ ‎توزعت‎ ‎على‎ 350 ‎برنامجًا‎ ‎في‎ ‎‎15 ‎دولة،‎ ‎تعاونت‎ ‎هيئة‎ ‎المعونة‎ ‎الأمريكية‎ ‎USAID ‎مع‎ ‎مبادرة‎ ‎الشراكة‎ ‎لتنفيذ‎ ‎المهمة،‎ ‎باعتبارها‎ ‎صاحبة‎ ‎الخبرة‎ ‎طويلة‎ ‎في‎ ‎تقديم‎ ‎مساعدات‎ ‎التنمية‎ ‎في‎ ‎المنطقة،‎ ‎والتي‎ ‎تركز‎ ‎على‎ ‎تحقيق‎ ‎السلام‎ ‎والاستقرار‎ ‎في ‎المنطقة‎ ‎من‎ ‎خلال‎ ‎تشجيع‎ ‎النمو الاقتصادي‎ ‎والمساعدات‎ ‎الإنسانية بالإضافة إلى ‏تشجيع‎ ‎الديمقراطية، ‏واتجهت‎ ‎الهيئة إلى ‏التركيز‎ ‎على‎ ‎قضايا‎ ‎الحكم‎ ‎الرشيد‎ ‎والإصلاح‎ ‎القضائي‎ ‎وزيادة‎ ‎الشفافية‎ ‎ودعم‎ ‎المجتمع‎ ‎المدني. 

على‎ ‎الجانب‎ ‎الأوروبي‎ ‎كان هناك‎ ‎إطاران‎ ‎رئيسان الأول‎ ‎هو‎ ‎‏”الشراكة‏‎ ‎الأوروبية‎-‎‎ ‎المتوسطية”‏EMP ‎‏ ‏والتي‎ ‎انطلقت‎ ‎في ‎عام ‎‎1995 ‎وأسست‎ ‎لما‎ ‎عرف‎ ‎بـ”عملية‎ ‎برشلونة” ‏وتركز‎ ‎الشراكة‎ ‎على‎ ‎ثلاثة‎ ‎مجالات‎ ‎أساسية،‎ ‎هي‎ ‎الشراكة‎ ‎السياسية‎ ‎والأمنية،‎ ‎والشراكة‎ ‎المالية‎ ‎والاقتصادية،‎ ‎وأخيرًا‎ ‎الشراكة‎ ‎الثقافية‎ ‎والاجتماعية. وتستند‎ ‎الشراكة إلى ‏افتراض‎ ‎التنمية ‏الاقتصادية‎ ‎والاجتماعية‎ ‎هي‎ ‎شروط‎ ‎أساسية‎ ‎لبناء‎ ‎السلام‎ ‎والاستقرار‎ ‎في‎ ‎المنطقة.‏

وعُرف‎ ‎الإطار‎ ‎الثاني‎ ‎بـ”سياسة‎ ‎الجوار‎ ‎الأوروبي”‏‎ ‎ENP ‎التي‎ ‎تبناها‎ ‎الاتحاد‎ ‎الأوروبي‎ ‎في‎ ‎عام‎ ‎‎2004 ‎كإطار‎ ‎للتعامل‎ ‎مع‎ ‎دول‎ ‎الجوار‎ ‎بعد‎ ‎التوسع‎ ‎الذي‎ ‎شهده‎ ‎الاتحاد. ‏وتهدف‎ ‎تلك‎ ‎السياسة ‏إلى ‏خلق‎ ‎حوار‎ ‎سياسي‎ ‎واجتماعي‎ ‎مع‎ ‎دول‎ ‎الجوار‎ ‎مع‎ ‎التركيز‎ ‎بشكل‎ ‎خاص‎ ‎على‎ ‎العلاقات‎ ‎التجارية‎ ‎والاقتصادية. ‏وعلى‎ ‎العكس‎ ‎من‎ ‎الطابع‎ ‎الإقليمي‎ ‎الجماعي‎ ‎لـ”عملية‎ ‎برشلونة‎”‎،‎ ‎تقوم‎ ‎سياسة‎ ‎الجوار‎ ‎على‎ ‎العلاقة‎ ‎الثنائية‎ ‎المباشرة‎ ‎بين‎ ‎الاتحاد‎ ‎وكل‎ ‎دولة‎ ‎على‎ ‎حدة،‎ ‎وفقًا‎ ‎لقدرة‎ ‎كل‎ ‎شريك‎ ‎على‎ ‎أقلمة‎ ‎سياساته‎ ‎مع‎ ‎توقعات‎ ‎الاتحاد‎ ‎الأوروبي‎ ‎في‎ ‎مجالات‎ ‎القانون‎ ‎والحكم‎ ‎الرشيد‎ ‎وحقوق‎ ‎الإنسان‎ ‎واقتصاد‎ ‎السوق. ‏والهدف‎ ‎الأساسي‎ ‎من‎ ‎سياسة‎ ‎الجوار‎ ‎هو‎ ‎التمييز‎ ‎بين‎ ‎عملية‎ ‎التكامل‎ ‎الأوروبية‎-‎‎ ‎المتوسطية‎ ‎والصراعات‎ ‎الإقليمية‎ ‎القائمة،‎ ‎وتحييد‎ ‎تأثير‎ ‎هذه‎ ‎الصراعات‎ ‎على‎ ‎عملية‎ ‎التكامل. ‏وركزت‎ ‎على‎ ‎مشكلات ‏الاقتصاد‎ ‎الكلى‎ ‎والإرهاب‎ ‎والهجرة‎ ‎غير‎ ‎الشرعية،‎ ‎ووضعت‎ ‎على‎ ‎أجندة‎ ‎سياسة‎ ‎الجوار‎ ‎تجاه‎ ‎دول‎ ‎جنوب‎ ‎المتوسط‎ ‎موضوعات‎ ‎حقوق‎ ‎الإنسان‎ ‎والديمقراطية‎.‎

وخلال‎ ‎مناقشات‎ ‎منتدى‎ ‎المستقبل‎ ‎الذي‎ ‎انعقد‎ ‎في‎ ‎العاصمة‎ ‎المغربية‎ ‎الرباط‎ ‎عام‎ ‎‎2004 ‎ ‎ظهر‎ ‎اتفاق‎ ‎أمريكي‎ ‎أوروبي‎ ‎على‎ ‎التعاون‎ ‎في‎ ‎ذلك‎ ‎المجال ‏وطرحت ‏‎”‎مبادرة‎ ‎الشرق‎ ‎الأوسط‎ ‎الموسع”‏BMENA‏ ‏واستحدثت‎ ‎المبادرة ‏‎”‎منتدى‎ ‎المستقبل” كمنتدى‎ ‎سنوي‎ ‎يشارك‎ ‎فيه،‎ ‎بالإضافة إلى ‏المسؤولين‎ ‎الحكوميين‎ ‎على‎ ‎المستوى‎ ‎الوزاري،‎ ‎ممثلون‎ ‎عن‎ ‎المجتمع‎ ‎المدني‎ ‎وقطاع‎ ‎الأعمال‎ ‎والمؤسسات‎ ‎الأكاديمية‎.‎

وفى‎ ‎الاجتماع‎ ‎الثاني‎ ‎للمنتدى‎ ‎الذي‎ ‎عُقد‎ ‎في‎ ‎البحرين‎ ‎في‎ ‎نوفمبر‎ ‎‎2005 ‎‏‏رفضت‎ ‎الدول‎ ‎العربية‎ ‎آلية‎ ‎الدعم‎ ‎المالي‎ ‎المباشر‎ ‎لمنظمات‎ ‎المجتمع‎ ‎المدني‎ ‎التي‎ ‎نادت‎ ‎بها‎ ‎المنظمات‎ ‎الحقوقية‎ ‎وبعض‎ ‎الحكومات،‎ ‎واتضح‎ ‎أن‎ ‎هناك‎ ‎إشكاليات‎ ‎تواجه‎ ‎التمويل‎ ‎الأمريكي‎ ‎بعدما‎ ‎ظهر‎ ‎أن‎ ‎تمويل‎ ‎المبادرة‎ ‎لا‎ ‎يأتي‎ ‎عبر‎ ‎التخصيص‎ ‎المباشر‎ ‎من‎ ‎الكونجرس‎ ‎ولكنه‎ ‎يعد‎ ‎تمويلًا‎ ‎فرعيًا‎ ‎من ‏‎”‎مبادرة‎ ‎الشراكة‎ ‎مع‎ ‎الشرق‎ ‎الأوسط”.‏

ربما‎ ‎لم‎ ‎تقدم‎ ‎استراتيجية‎ ‎دعم‎ ‎المنظمات‎ ‎بتلك‎ ‎الطريقة‎ ‎النتيجة‎ ‎السريعة‎ ‎للتغيير‎ ‎المطلوب،‎ ‎فالتغيير‎ ‎يحتاج‎ ‎لوقت،‎ ‎والوقت‎ ‎لم يكن ‎في‎ ‎صالح‎ ‎إدارة‎ ‎جورج‎ ‎بوش‎ الابن، وكان مناسبا لإدارة ‏باراك‎ ‎أوباما‎ الديمقراطية التي وضعت تصورًا ‎‎للتغيير‎ ‎رأيناه‎ ‎في‎ ‎خطاب‎ ‎جامعة‎ ‎القاهرة‎ ‎الذي‎ ‎دعا‎ ‎له‎ ‎قيادات الإخوان‎ ‎وغاب‎ ‎عنه‎ ‎الرئيس‎ ‎الأسبق‎ ‎حسنى‎ ‎مبارك‎.‎

وشهدت مصر مع الأيام الأولى لتولي باراك أوباما ‎أكبر‎ ‎عملية‎ ‎نقل‎ ‎أفكار‎ ‎ودعوات للتغيير السياسي في مصر‎ ‎عبر‎ ‎مؤسسات‎ ‎حقوق‎ ‎الإنسان‎ ‎المصرية‎ ‎والأجنبية‎ ‎العاملة‎ ‎في‎ ‎مصر‎ ‎وانطلقت الحركات‎ ‎الاحتجاجية‎ ‎التي‎ ‎انطلقت‎ ‎في‎ ‎شوارع‎ ‎القاهرة‎ ‎والمحافظات‎ ‎لتبشر‎ ‎بأفكار‎ ‎معلبة‎ ‎عن‎ ‎الحرية‎ ‎والديمقراطية‎ ‎والانتخابات‎ ‎النزيهة وحقوق‎ ‎الإنسان،‎ ‎عبر منظمات‎ ‎حركية‎ ‎مثل ‏‏”كفاية‏‎ ‎و‎6 ‎‏ أبريل” ‏وكان‎ ‎القاسم‎ ‎المشترك‎ ‎بينها جميعًا ‏الانتماء‎ ‎لأفكار‎ ‎الاشتراكيين‎ ‎الثوريين‎ ‎التي‎ ‎تمجد‎ ‎فكرة‎ ‎الثورة إلى ‏ما‎ ‎لا‎ ‎نهاية،‎ ‎ثم‎ ‎عملية‎ ‎غسيل‎ ‎سمعة‎ ‎جماعة‎ ‎إرهابية‎ ‎عتيدة‎ ‎مثل ‏الإخوان‎ ‎المسلمين،‎ ‎وتزامن‎ ‎مع‎ ‎كل‎ ‎ذلك‎ ‎ظهور‎ ‎وسائل‎ ‎التواصل‎ ‎الاجتماعي‎ ‎ليجعل‎ ‎عملية‎ ‎نقل‎ ‎الأفكار‎ ‎تسير‎ ‎أسرع‎ ‎مما‎ ‎كان‎ ‎مأمولًا .

‎في‎ ‎الوقت‎ ‎نفسه‎ ‎خففت‎ ‎الدولة‎ ‎من‎ ‎قبضتها‎ ‎على‎ ‎المنظمات‎ ‎الحقوقية‎ ‎وسمحت‎ ‎بتدفق‎ ‎التمويلات‎ ‎عليها‎ ‎من‎ ‎كل‎ ‎مكان،‎ ‎بل‎ ‎وقامت‎ ‎السفارة‎ ‎الأمريكية‎ ‎لأول‎ ‎مرة‎ ‎في‎ ‎تاريخها‎ ‎بتقديم‎ ‎تمويل‎ ‎مباشر‎ ‎لمنظمات‎ ‎في‎ ‎حفل‎ ‎عام،‎ ‎وكانت‎ ‎الأرقام‎ ‎غير‎ ‎مسبوقة‎ ‎وساهمت‎ ‎في‎ ‎نقلة‎ ‎كبرى‎ ‎لتلك‎ ‎المنظمات‎ ‎التي‎ ‎تحولت‎ ‎من‎ ‎منظمات‎ ‎مطاردة إلى ‏منظمات‎ ‎محظوظة،‎ ‎الحال‎ ‎نفسه ‏مع‎ ‎جماعة الإخوان‎ ‎المسلمين‎ ‎التي‎ ‎حظيت أيضًا ‏بزخم‎ ‎كبير‎ ‎داخل‎ ‎تلك‎ ‎المنظمات،‎ ‎وكانت‎ ‎عناصرها‎ ‎حاضرة‎ ‎في‎ ‎الندوات‎ ‎كمشاركين ‏أو محاضرين أو مستمعين أو ‏متدربين،‎ ‎وظهر‎ ‎للعلن‎ ‎التماس‎ ‎بين‎ ‎عدد‎ ‎من‎ ‎منظمات‎ ‎حقوق‎ ‎الإنسان‎ ‎وجماعة ‏الإخوان‎ ‎المسلمين‎.‎

وتقول‎ ‎الوثيقة‎ ‎رقم‎ cairo 2165 (07) ‎من‎ ‎وثائق‎ ‎ويكليكس ‏أنه كانت‎ ‎لدى ‏الإخوان‎ ‎رغبة‎ ‎ممتدة‎ ‎للحوار‎ ‎مع‎ ‎الأمريكيين‎ ‎قبل‎ ‎‎25 ‎يناير،‎ ‎حيث‎ ‎تحدثت‎ ‎الوثيقة‎ ‎عن‎ ‎غضب‎ ‎الجماعة‎ ‎من‎ ‎عدم‎ ‎دعوة‎ ‎أعضائها‎ ‎البرلمانيين‎ ‎عام‎ 2007‎إلى ‏المشاركة‎ ‎في‎ ‎لقاء‎ ‎عضو‎ ‎الكونجرس‎ ‎‏”بيتى‏‎ ‎ماكولوم”‏‎ ‎أثناء‎ ‎زيارتها‎ ‎لمصر،‎ ‎وهو‎ ‎ما‎ ‎لفت‎ ‎نظر‎ ‎السفارة‎ ‎ووصفته‎ ‎بعد‎ ‎ذلك‎ ‎بالتطور‎ ‎اللافت‎ ‎تجاه‎ ‎السياسيين‎ ‎الأمريكيين،‎ ‎أعقب‎ ‎ذلك‎ ‎خروج‎ ‎العديد‎ ‎من‎ ‎الدراسات‎ ‎من‎ ‎‏”كارنيجى”‏‎ ‎ومجلس‎ ‎العلاقات‎ ‎الخارجية‎ ‎ومؤسسة‎ ‎‏”راند”‏‎ ‎تقترح‎ ‎ضرورة‎ ‎ضغط‎ ‎الولايات‎ ‎المتحدة‎ ‎على‎ ‎الأنظمة‎ ‎العربية‎ ‎من‎ ‎أجل‎ ‎السماح‎ ‎لحركات‎ ‎الإسلام‎ ‎السياسي‎ ‎بالمشاركة‎ ‎في‎ ‎الحكم‎ ‎والسماح‎ ‎لها‎ ‎بتنظيم‎ ‎أحزاب‎ ‎سياسية‎ ‎والمنافسة‎ ‎في‎ ‎الانتخابات‎ ‎المختلفة‎.‎

وطوال‎ ‎تلك‎ ‎الفترة‎ ‎كان الإخوان‎ ‎والإدارة‎ ‎الأمريكية‎ ‎ينفون‎ ‎ ‏أي ‏أنباء‎ ‎عن‎ ‎اتصالات‎ ‎تجرى‎ ‎بينهما،‎ ‎وبعد‎ 25 ‎يناير‎ ‎تحركت‎ ‎الجماعة إلى ‏تهدئة‎ ‎مخاوف‎ ‎بعض‎ ‎الدوائر‎ ‎الغربية، ووصل الأمر ‏إلى ‏قيام‎ ‎المرشد‎ ‎‏”محمد‏‎ ‎بديع”‏‎ ‎بالإدلاء‎ ‎بتصريح‎ ‎لوكالة‎ ‎أنباء‎ ‎آسوشيتد‎ ‎برس‎ ‎أكد‎ ‎فيه‎ ‎أن ‏الإخوان‎ ‎لن‎ ‎يسعوا‎ ‎إذا‎ ‎تسنى‎ ‎لهم‎ ‎الوصول إلى ‏الحكم‎ ‎أن‎ ‎يغيروا‎ ‎سياسة‎ ‎مصر‎ ‎الخارجية،‎ ‎ومن‎ ‎ضمنها‎ ‎احترام‎ ‎معاهدة‎ ‎السلام‎ ‎مع‎ ‎إسرائيل‎.‎

وذكر‎ ‎السفير‎ ‎المصري‎ ‎‏”نبيل‏‎ ‎فهمى”‏‎ ‎‏‎أن‎ ‎القسم‎ ‎السياسي‎ ‎بالسفارة‎ ‎الأمريكية‎ ‎كان على اتصال‎ ‎بالإخوان‎ ‎المسلمين‎ ‎ ‎منذ‎ ‎فترة‎ ‎طويلة‎ ‎جدًا،‎ ‎وكان‎ ‎يقوم‎ ‎بهذه‎ ‎المهمة ‏‏”فرانك‏‎ ‎ريتشارد‎ ‎دوني”‏‎ ‎الذي‎ ‎كان‎ ‎سكرتير‎ ‎أول‎ ‎بالسفارة‎ ‎في‎ ‎الثمانينيات‎ ‎قبل‎ ‎أن‎ ‎يعمل‎ ‎سفيرًا‎ ‎أمريكيًا‎ ‎في‎ ‎مصر‎ ‎عام‎ ‎‎2004 ‎إلا‎ ‎أن‎ ‎الاتصالات‎ ‎الأمريكية‎ ‎ارتفع‎ ‎مستواها‎ ‎بعد‎ ‎انتخابات‎ ‎‎2005 ‎وأصبحت‎ ‎هناك‎ ‎لقاءات‎ ‎في‎ ‎مناسبات‎ ‎مختلفة‎ ‎مع‎ ‎نواب‎ ‎في‎ ‎مجلس‎ ‎الشعب‎ ‎من ‏الإخوان‎ ‎المسلمين‎.‎

وخرجت‎ ‎دراسات‎ ‎مختلفة‎ ‎من‎ ‎مراكز‎ ‎أبحاث‎ ‎امريكية ‎مثل‎ ‎‏”كارنيجى‏‎”‎،‎ ‎وبعد‎ ‎عدة ‏أشهر‎ ‎من‎ ‎‎25 ‎يناير،‎ ‎خرج‎ ‎تقرير‎ ‎لمؤسسة‎ ‎‏”راند”‏‎ ‎يوصي‎ ‎إدارة‎ ‎أوباما‎ ‎بالاستثمار‎ ‎في‎ ‎شباب ‏الإخوان،‎ ‎ويحذرها‎ ‎في‎ ‎الوقت‎ ‎نفسه‎ ‎من‎ ‎التدخل‎ ‎في‎ ‎شؤونها،‎ ‎وأوصى‎ ‎تقرير‎ ‎‏”راند”‏‎ ‎المعروف‎ ‎بقربه‎ ‎من‎ ‎صناع‎ ‎القرار‎ ‎الأمريكي‎ ‎خاصة‎ ‎داخل‎ ‎وزارة‎ ‎الدفاع‎ ‎والبيت‎ ‎الأبيض،‎ ‎إدارة‎ ‎أوباما‎ ‎بالانفتاح‎ ‎على‎ ‎شباب‎ ‎جماعة ‏الإخوان‎ ‎دون‎ ‎التدخل‎ ‎في‎ ‎شؤون‎ ‎الجماعة،‎ ‎وزيادة‎ ‎التواصل‎ ‎بين‎ ‎الإدارة‎ ‎الأمريكية‎ ‎وبين‎ ‎شباب‎ ‎الجماعة،‎ ‎ولفت‎ ‎كاتبو‎ ‎التقرير‎ ‎‏”جيفرى‏‎ ‎مارتينى‎ ‎وداليا‎ ‎كاي‎ ‎وايرين‎ ‎يورك”‏‎ ‎إلى دور‎ ‎هؤلاء‎ ‎الشباب‎ ‎في‎ ‎نجاح‎ ‎‎25 ‎يناير،‎ ‎كانوا‎ ‎على‎ ‎خلاف‎ ‎مع‎ ‎قادتهم‎ ‎في‎ ‎تلك‎ ‎الأثناء،‎ ‎وطالب‎ ‎التقرير‎ ‎بضرورة‎ ‎استغلال‎ ‎كل‎ ‎برامج‎ ‎وآليات‎ ‎التبادل‎ ‎الشبابي‎ ‎والسياسي‎ ‎والدبلوماسي‎ ‎من‎ ‎أجل‎ ‎تفعيل‎ ‎مشاركة‎ ‎شباب ‏الإخوان‎ ‎من‎ ‎مختلف‎ ‎الخلفيات‎ ‎ضمن‎ ‎برامج‎ ‎الدبلوماسية‎ ‎الشعبية‎ ‎التي‎ ‎تشرف‎ ‎عليها‎ ‎وتنظمها‎ ‎وزارة‎ ‎الخارجية‎ ‎الأمريكية‎.‎

‎ ‎وخلال تلك الفترة انفتحت الجماعة ‎على‎ ‎العمل‎ ‎الأهلي‎ ‎والسياسي‎ ‎ومنظمات‎ ‎حقوق‎ ‎الإنسان،‎ودفعت أعضاءها للمشاركة بكثافة في أنشطة منظمات حقوق الإنسان وحضور التدريبات التي تنظمها المؤسسات الأمريكية وشركائها في مصر وجنوا ثمار تلك العلاقات بعد 25 يناير بتأييد تلك المنظمات لتوليهم السلطة وهو ما مهد الطريق أمام ‎هيلاري‎ ‎كلينتون ‎ ‎لكسر الحرص ‎الأمريكي من دعم التنظيمات الدينية المتطرفة بشكل عملي وكانت‎ ‎أول‎ ‎من‎ ‎رحب‎ ‎بشكل‎ ‎مباشر‎ ‎بمشاركة ‏الإخوان‎ ‎في‎ ‎الحياة‎ ‎السياسية‎ ‎ عبر إعلانها الرسمي عن دعمها ودعم ادارة اوباما للتعاون مع أي حكومة إخوانية قادمة في مصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى