مكافحة الإرهاب

“ماكرون” وتحدي انتفاضة الجمهورية

أثارت عملية الاعتداء الأخيرة في العاصمة الفرنسية باريس حالة من الخوف والجدل حول أسباب الحادث، وآلية تنفيذه؛ حيث فتحت النيابة العامة لمكافحة الإرهاب يوم الجمعة الموافق 16 أكتوبر، تحقيقا في تهمة ارتكاب “جريمة مرتبطة بعمل إرهابي” وتشكيل “مجموعة إجرامية إرهابية” إثر قطع رأس رجل في إحدى ضواحي باريس، نتيجة عرض صور مُسيئة للرسول “محمد” خلال حصة مدرسية لحرية التعبير.

أما المشتبه به الرئيسي -(البالغ 18 عامًا من أصول شيشانية، ولكنه ولد في موسكو، وفقًا لعدة مصادر محلية)- فقد قتل نتيجة تأثره برصاص الشرطة إبان ملاحقته.  فيما كشف مدير المكتب الإعلامي للسفارة الروسية لدى فرنسا يوم 17 أكتوبر، أن المتهم يدعى “عبد الله أنزوروف”، من أصول شيشانية “دخل البلاد مع عائلته عام 2008، كان يبلغ حينها 6 سنوات”، طلبت عائلته من السلطات الفرنسية حق اللجوء السياسي، الذي ينهي سريان الجنسية الروسية، مُشددًا لم تكن له أي اتصالات بالسفارة الروسية”.

وعليه تم اعتقال 9 أشخاص على خلفية التحقيق في الحادث، جميعهم مقربون من المشتبه به. وانتقل الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” إلى وزارة الداخلية مقر خلية الأزمة التي تم تشكيلها عقب الحادث، ثم إلى مكان الحادث مُصرحًا أن المدرس القتيل، كان ضحية “هجوم إرهابي إسلامي”، واستكمل أنه “قُتل لأنه درّس حرية التعبير لطلابه”، مُضيفًا أن “الأمة بأكملها” مستعدة للدفاع عن المدرسين وأن “الظلامية لن تنتصر”.

وغرد رئيس الوزراء “جان كاستكس”، قائلًا إن “معلمينا سيواصلون إيقاظ الروح النقدية لمواطني الجمهورية لتحريرهم من كل شمولية”، وقطع وزير الداخلية زيارته المقررة إلى المغرب، فيما  ذكر “جان ميشيل بلانكر” وزير التعليم في بيان مسجل أن المدرس قُتل على أيدي “أعداء الحرية” وأن فرنسا “لن تتراجع أبدًا عندما تواجه الإرهاب والترهيب”. بالإضافة إلى وقوف أعضاء الجمعية الوطنية تنديدًا بـ “الاعتداء البغيض”، وتحية لـ “ذكرى” المُعتدى عليه، فضلاً عن تغريد صحيفة “شارلي إيبدو” قائلةً: “لقد وصل التعصب للتو إلى مرحلة جديدة ويبدو أنه لم يوقف شيئًا لفرض الإرهاب في بلدنا”.

سياق الحادث

يأتي الحادث استمرارًا للهجمات التي شهدتها فرنسا في 2015، وأسفرت عن مقتل 258 شخصا، سجّلت بعدها عدة اعتداءات بالسلاح الأبيض، خاصة في مقر شرطة باريس في أكتوبر 2019 وفي رومان-سور-ايزير في أبريل. فيما يعد هذا الاعتداء الحادي والعشرين الذي يستهدف فرنسا منذ عام 2017 وكان آخرها الهجوم الذي نفذه الشاب الباكستاني في سبتمبر 2020 أمام المقر السابق لصحيفة “شارل إيبدو”، ونتج عنه إصابة شخصين بجروح خطيرة، وذلك ردًا على إعادة نشر الصحيفة للرسوم الكاريكاتورية، مع بدء محاكمة المتهمين في تنفيذ اعتداء 2015 على الصحيفة ونجم عنه 12 قتيلاً.  

بالتزامن مع إعلان الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” يوم الجمعة 2 أكتوبر عن استراتيجيته لمواجهة ما أسماه بـالمشروع السياسي “الانفصالي الإسلاموي”، الذي يعتبره مشروعًا أيديولوجيًا بديلًا يهدد قيم ومبادئ الجمهورية الفرنسية، في خطاب ألقاه بضواحي باريس بحضور عدد من الوزراء والمسئولين المحليين، تطرق فيه إلى الأزمات التي تواجهها الجمهورية في الآونة الأخيرة، وأصبحت تعرقل مسيرة الاستقرار الاجتماعي الفرنسي التي تتجلى في:

  • تداعيات الإرث الاستعماري للجمهورية الذي نتج عنه عدد من الصدمات لم يتم تسويتها حتى الآن.
  • تراجع الجمهورية عن تقديم جزء من خدماتها وعدم قدرتها على متابعة الأنشطة والمشاريع الاجتماعية والثقافية والتربوية، هو ما ساهم في انتشار الأيديولوجيات المتطرفة داخل بعض الأحياء الفرنسية بشكل ممنهج.
  • علاقة الدين في صورته الأيديولوجية بالمجتمع، ومشكلة الدمج سواء مع المسلمين أو المهاجرين.
  • المشروع البديل، الذي أصبح له منظرون يهاجمون مبادئ الجمهورية، لإنشاء مجتمع يتسم بالانعزالية.

مآلات عملية الاعتداء

من المتوقع أن يُحفز هذا الهجوم الحكومة الفرنسية للإسراع في تنفيذ استراتيجيتها المتعلقة بالدفاع عن قيم الجمهورية ومحاربة محاولات خلق مجتمعات انفصالية داخل البلاد من خلال التزام الحياد داخل مؤسسات الدولة، ورفض أي انتهاك للنظام العام. بالإضافة لتعزيز مراقبة ورصد أموال الجمعيات، مع إمكانية حلها إذا لم تلتزم بميثاق العلمانية، علاوة على إعادة هيكلة النظام التعليمي، ومنع الاستعانة بأئمة من الخارج، وتشديد الرقابة على المساجد.

وفيما يتعلق بالانتخابات الرئاسية 2022؛ سيكون هذا الملف على رأس أجندته الانتخابية، تجنبًا لضغوط القوى اليمينية المُتطرفة، التي ترغب في إزاحة ماكرون من المشهد السياسي، ودائمًا ما تندد بسياساته الإصلاحية فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي والاجتماعي، ونهجه في التعاطي مع باقي القضايا على الصعيد الداخلي والخارجي، لذا سيستمر في تبني خطاب سياسي حاد تجاه هذه الاعتداءات المتكررة التي تندرج الآن تحت محاولته لانتفاض الجمهورية، والدفاع عن قيمها من خلال استكمال محاربة الإرهاب بالتنسيق بين مؤسسات الدولة.

بجانب تأكيده على أن المشكلة لا تتعلق بالمسلمين، لكنها تُكمن في المشروع السياسي الانفصالي، لضمان أصواتهم في الانتخابات المُقبلة، خاصة باريس التي تضم ما يقرب من 5 مليون مسلم لا يمكن تجاهل من لهم حق التصويت بينهم. 

ختامًا: يتضح من التعامل الفرنسي مع الحادثة أن التركيز واقع بالأساس على رد الفعل وهو جريمة القتل التي لا يمكن تقبلها بأي شكل من الأشكال ولا يعترف بها أي دين، لكن دون التطرق إلى الفعل وهو الإساءة إلى رمز ديني تحت مفهوم حرية التعبير. الأمر الذي يُثير تساؤلا حول ماهية حرية التعبير من المنظور الفرنسي؟ وهل تُطبق على فئة دون الأخرى أم إنها قيمة في حد ذاتها تتبناها الحكومة والمجتمع؟ كل هذه التساؤلات تُعبر عن إشكالية حقيقية تعاني منها الجمهورية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى