تركيا

تأكيد الشراكة الاستراتيجية بين تركيا وأوكرانيا.. الدلالات والدوافع

تحت شعار “تعزيز الشراكة الاستراتيجية”، أجرى الرئيس الأوكراني “فلاديمير زيلينسكي” زيارة عمل إلى إسطنبول –الجمعة 16 أكتوبر- التقى خلالها الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”. واشتملت الزيارة على لقاء فردي مغلق جمع بين الرئيسين في قصر وحيد الدين بإسطنبول، ثم تلى ذلك انعقاد جلسة مباحثات موسعة بين الجانبين، واختتمت الزيارة بأن عقد الرئيسان مؤتمرًا صحفيًا أدلى خلاله كلاهما ببيان مشترك. 

أبرز محطات الزيارة.. التعاون العسكري

قام البلدان بالتوقيع على عدد من اتفاقيات التعاون ومن أبرزها اتفاق عسكري إطاري للتعاون بين البلدين في مجال الدفاع المشترك. وتهدف هذه الاتفاقية في المقام الأول إلى إيجاد أساس قانوني لتوسيع وتعميق التعاون التركي الأوكراني في مجالات الدفاع. وعلى وجه الخصوص يتعاون البلدان بموجب هذه الاتفاقية فيما يتعلق بالأنظمة الأمنية لإدارة المعلومات السرية، وما يتصل بها من إجراءات تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنظيم طبيعة عمل أنشطة المتخصصين الذين يقوم كل طرف بإرسالهم إلى الآخر.

علاوة على ذلك، وقع الطرفان مذكرة نوايا بين وزارة الدفاع الأوكرانية من جهة والوكالة الحكومية للصناعات الدفاعية التركية من جهة أخرى، وتتعلق هذه المذكرة بعدد من المشروعات الصناعية الدفاعية، التي تصب في مصلحة رغبة أوكرانيا في تطوير برامجها الصناعية الدفاعية وتعزيز قدراتهما الدفاعية. وأقر البلدان بأنه سوف تتم إقامة تعاون طويل الأمد ومُفيد للطرفين على أساس الاحترام المتبادل ومراعاة مصالح كل منهما. ووفقًا لهذه الوثيقة، سوف يتعاون الطرفان في تنفيذ مشروعات مشتركة لبناء السفن الحربية، والطائرات الحربية بدون طيار، وجميع أنواع المحركات التوربينية.

دلالات ومعانٍ

لا يمكن تأويل هذه الزيارة أو المشهد العام المرتبط بها دون العودة مرة أخرى، إلى زيارة أردوغان لأوكرانيا بتاريخ 3 فبراير من العام الجاري 2020. بمعنى، أنه من الأجدر أن يُنظر إلى الزيارتين باعتبارهما شقين يُكمل أحدهما الآخر. وفي المرة الأولى كانت زيارة أردوغان إلى أوكرانيا لا تخرج عن إطار كونها “مناكفة سياسية” يُقصد بها إثارة القلق الروسي، ومحاولة من أردوغان لإثبات قدرته على إثارة المتاعب لموسكو على الجبهة في كييف بنفس الطريقة التي يتعرض بها هو إلى متاعب بسبب مشاركة موسكو في الحرب على الجبهة السورية. 

وفي هذه المرة، يخرج “أردوغان” ليؤكد مرة أخرى في العلن، عدم اعتراف تركيا بشرعية ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا. فيرد محاوره الأوكراني، بأن يقول إن بلاده تدعم حق وحدة الأراضي الأذربيجانية. إذًا المسألة برمتها ترتبط برغبة الطرفين في مناكفة روسيا وإثارة حنقها. مما يعكس بوضوح طبيعة الرغبات التركية الجارفة، بأن تثبت أنقرة نفسها أمام منافس عملاق يفوقها من حيث الضخامة والسيطرة الإقليمية.  والأمر في هذه الزيارة، قد يكون غير مرتبط بما يجري في سوريا فحسب كما كان الحال في سابقتها، ولكنه في الأساس يُعدُّ “ردًا” صادرًا عن أنقرة وموجهًا مباشرة نحو موسكو. والسؤال هنا، تُرى ما هو السِجال حمي الوطيس الذي ترد عليه أنقرة من خلال الدفع بالمزيد من التعاون العسكري مع أحد أعداء موسكو؟!

يُعرف المرء بعاداته، ومن العادات التركية، أنه عندما لا تحصل أنقرة على مُبتغاها في سوريا، تتودد إلى موسكو صاحبة النفوذ الأكثر تأثيرًا هناك. فترد الأخيرة بالقبول أحيانًا، وبالرفض في أحيان كثيرة، وفقًا لمقتضيات ما يراه الكرملين في مصالحه الخاصة. ولقد تزامنت ردود موسكو بالرفض قبيل الزيارة الأولى لأردوغان إلى أوكرانيا، ولهذا السبب انعقدت الزيارة بالشكل الذي تداولته وسائل الإعلام. وفي هذه المرة، لاحظت أنقرة أن مخططاتها في سوريا لا تجري على النحو السليم، وعندما نظرت في محيطها الإقليمي وجدت أن أذربيجان محطة مناسبة لأن تلعب ورقة ضغط جديدة في يدها في وجه موسكو. وبالفعل جربت أنقرة هذه الورقة، وأيقظت النزاع النائم بين أذربيجان وأرمينيا، وهو الأمر الذي تسبب في إثارة حفيظة روسيا، التي يأتي استقرار المنطقة في محيطها الإقليمي على رأس أولوياتها الاستراتيجية. فقد فعلت تركيا كل ذلك من الأساس، أملاً في أن يترتب على هذا الانزعاج أي خضوع روسي أمام أطماع تركيا على الجبهة السورية.

إلا أن الأمور سارت على وتيرة مخالفة، فعندما رغبت موسكو في التهدئة بين أرمينيا وأذربيجان، وأجهت أنقرة في المقابل الصراع بين البلدان. قررت روسيا أن تُلقن تركيا درسًا لن تنساه، وتم ترتيب مناورات “جسر الشراكة المشترك 2020″، والتي تُعد هي المناورات الأولى من نوعها بين البحرية المصرية والروسية. وبناءً عليه، شاهد العالم أجمع البوارج البحرية المصرية وهي تعبر لأول مرة مضيق مرمرة ومضيق البسفور لأجل المشاركة في مناورات البحر الأسود. وعندها وقفت أنقرة عاجزة في صمت وهي تشاهد سُفن المنافس الإقليمي الأكثر إزعاجًا لها في الشرق الأوسط، والصخرة التي حطمت طموحاتها العثمانلية باستعادة الخلافة على يد جماعة “الإخوان المسلمون” الإرهابية التابعة مباشرة لها، وهي تعبر لاستكشاف البيئة العسكرية القتالية في مياه ملاصقة لها.

إذًا، جاءت خطوة التدريبات البحرية المزمعة، باعتبارها صفعة جديدة وغير متوقعة على وجه أردوغان، الذي لم يكد يلبث أن يستفيق من تجريده من طموحات السيطرة على غاز شرق المتوسط على يد مصر، حتى يستفيق ليجد بوارجها الحربية تسبح في المياه القريبة منه وتتشارك في تدريبات عسكرية سوف تضر أول ما تضر مصالحه الشخصية هو أولاً.

فيثور ويغضب، وينظر حوله فلا يجد أمامه حل سوى أوكرانيا، التي يرى أن أي تقرب معها سيُعدُّ –من وجهة نظره- ردًا يوازي في قوته التعاون العسكري الأخير بين مصر وروسيا في البحر الأسود. ويترتب على ذلك أن يحل الرئيس الأوكراني ضيفًا على تركيا، ويقوم أردوغان بالتوقيع على المزيد من الاتفاقيات العسكرية مع أوكرانيا، التي يظن أنها سوف تكون كفيلة بالرد على التحركات الروسية الجديدة. ولكن هنا يطرح سؤال آخر نفسه، هل جنت تركيا بعد ثمار الزيارة الأولى لأردوغان إلى أوكرانيا؟! أو بمعنى آخر، هل حقق أردوغان غرضه من زيارته الأولى إلى كييف؟! حتى نستطيع أن نتكهن بطبيعة التفاعل الروسي المنتظر على هذه الزيارة الجديدة بمشتملاتها كذلك؟! 

ردًا على هذا السؤال، نقول إن من يتابع بعين المُدقق لتفاصيل الزيارتين، سوف يُلاحظ بوضوح أن حجم التعاون العسكري الذي تم الاتفاق عليه في الزيارة الأولى يفوق نظيره في الزيارة الثانية. وفي هذا السياق، نُعيد إلى الأذهان أنه تم وقتها، التوقيع على وثيقة مشتركة يتلقى بموجبها الجيش الأوكراني مساعدات مالية من تركيا تقدر بحوالي 50 مليون دولار، يتم تخصيصها لشراء العناصر العسكرية التركية ذات الاستخدام المزدوج، والتي من شأنها أن تُلبي احتياجات القوات المسلحة الأوكرانية. وبالمقارنة مع ما تقدم، يبدو بوضوح أن الشق الأكبر من التعاون العسكري بين البلدان قد تم الاتفاق عليه بالفعل في فبراير المنصرم، ومع ذلك لم تُحرك روسيا ساكنًا إزاء التنازل نحو منح أردوغان ما يرغب به من تسوية تُرضي اطماعه على الجبهة السورية. 

ونفهم من ذلك، أن أردوغان يتصرف على نحو غير موفق للمرة الثانية، أو بالأحرى للمرة الألف. نظرًا لأن ما قدمه من تعاون عسكري مع أوكرانيا لم يُغير المشهد في المرة الأولى، وهو بالتالي لن يُحرك ساكنًا كذلك في المرة الثانية. كما أن تعاون روسيا مع مصر أمر يختلف تمامًا عن إقدامه على التعاون مع أوكرانيا بغرض إثارة استفزاز موسكو. إذ أن الوضع ليس سيان، ومصر ليست أوكرانيا. وما تملكه مصر من جيش قوي، واستعدادات ضخمة لأجل فرض سيطرتها ونفوذها في نطاقها الإقليمي وما يليه على الساحة العالمية، يكفي لأن يتسبب لأردوغان في متاعب جمة كان هو في غنى عنها، لولا أطماعه العثمانلية العريضة والبائدة في آن واحد. مما يعني أنه لا مثيل للمقارنة فيما يجري من تعاون مكثف بين روسيا ومصر، بما يجري على نطاق موازي بين تركيا وأوكرانيا. 

وعنده هذه النقطة، يوجد سؤال ختامي وأخير، حول الوجِهة التي يتجه نحوها أردوغان؟! ببساطة، هو يتجه نحو الحافة، أي الحافة المُطلقة لكل شيء وبشأن أي شيء. يبدو الأمر لو كأنه يرسم بنفسه الوسيلة، التي سوف تمنح لأصدقائه القدامى قبل أعدائه، القدرة على التخلص منه والإطاحة به وسقوط دولته في ممر مظلم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى