شرق المتوسط

ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل: خلافات متجذرة واختراق مُبرر

انتهت الجولة الأولى-14 أكتوبر- من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل بشأن تسوية النزاع البحري بين الطرفين، والتي تأتي استكمالًا للاتفاق الإطاري الذي توصل إليه الطرفان مطلع أكتوبر الجاري، إذ نجحت الوساطة الأمريكية في إقناع الطرفين بالجلوس على طاولة المفاوضات لبحث الخلافات المتشابكة بينهما حول ترسيم الحدود البحرية، ومن المتوقع أن يتم استكمال تلك المفاوضات نهاية الشهر الجاري (28 أكتوبر). وتُعدُّ هذه المفاوضات والتي عٌقدت في مقر قوة الأمم المتحدة “اليونيفيل” _في الناقورة_ الأولى من نوعها بين البلدين منذ أكثر من 30 عامًا، ما يدل على حجم الانفراجة وحدود التحول الذي يمكن أن تنتجه هذه المفاوضات بين الطرفين.

وترتيبًا على ما سبق يمكننا الوقوف على عدد من الملاحظات الأساسية بشأن بدء المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية وطبيعة الخلاف بين الطرفين، وذلك في إطار عدد من الملاحظات المرتبطة بدلالات التوقيت وسياقاته. الأمر الذي يمكن الإشارة إليه فيما يلي:

  • اولًا: خلافات تقنية متجذرة، يدور النزاع البحري بين البلدين على مساحة بحرية يبلغ حجمها نحو 860 كيلوا متر مربع، تم تقسيمها إلى 10 مناطق أو بلوكات، وقد دار الخلاف الأكبر بينهما حول البلوك رقم 9، ويدور النزاع حول نقاط تقنية، إذ يسعى كل طرف لتحقيق أكبر فائدة ممكنة واستغلال أقصى المساحات البحرية في مناطقة الاقتصادية الخالصة. ومن هنا تباينت وجهات نظر الطرفين حول طريقة ترسيم الحدود، إذ ترى إسرائيل أن رسم الحدود يجب أن يكون بزاوية 90 درجة متاخمة للحدود البحرية، في حين يؤكد لبنان أن خط الترسيم يجب أن يتم كاستمرار مباشر للحدود البرية اللبنانية. وقد تم ترجمة الخلاف الحدودي إلى تصعيد وتهديد مباشر من الطرفين في اعقاب توقيع لبنان لأول عقد للتنقيب في مياهها 2018، عبر منح ثلاث شركات- توتال الفرنسية، إيني الإيطالية، نوفاتيك الروسية- تراخيص للتنقيب عن الغاز في البلوك رقم 4 في المياه الإقليمية اللبنانية.
Mapa de las delimitaciones marítimas de Líbano
  • ثانيًا: اختراق مٌبرر، يٌنظر لانعقاد الجولة الأولى من المفاوضات على أنها خطوة إيجابية في مسار حلحلة الخلاف، إذ تُعدُّ موافقة الطرفين على التفاوض بشأن النزاع البحري فيما بينهما تحولًا نوعيًا، في ظل فشل كافة المحاولات السابقة المرتبطة بهذا الشأن. فمنذ عام 2010 فشل الطرفان في الوصول إلى صيغة توافقية بشأن ترسيم الحدود، خاصة تلك المعرفة باسم مبادرة ” خط هوف” عام 2012، والتي اقترحت تقسيم المساحة المتنازع عليها على أساس منح لبنان مساحة تُقدر بنحو 500 كيلوا مقابل 360 كيلوا للجانب الإسرائيلي.

 وفي الوقت الذي رأي فيه المتابعون إمكانية البناء على هذه المبادرة، إلا أن تعاطي لبنان وإسرائيل معها بالرفض ساهم في تجميد المحاولة وعرقلة كافة المحاولات اللاحقة لها، وعليه تدخل هذه الجولة ضمن نمط الاختراق المُبرر، خاصة في ظل قبول لبنان وعدد من القوى السياسية وعلى رأسهم حزب الله لمبدأ التفاوض مع إسرائيل، وما يبرر هذا الموقف تأزم الوضع الاقتصادي، خاصة في أعقاب انفجار مرفأ بيروت، وعليه فقد تساهم المكاسب الاقتصادية المحتملة في دفع عجلة التفاوض بين الطرفين، إذ تشير التقديرات إلى أن لبنان يمكن أن يستخرج غازًا طبيعيًا بقيمة 6 مليار دولار سنويًا في المناطق المتنازع عليه، الأمر الذي قد يساهم في تجاوز حدة الأزمة الاقتصادية للبنان الذي فقد عملته 80% من قيمتها خلال العام الماضي، فضلًا عن ارتفاع الدين العام إلى نحو 170%، ناهيك عن ارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

C:\Users\user\Desktop\c8afef8e-7314-47e5-bfa3-f8593876947e.jpg
  • ثالثًا: قبول ضمني وخلافات شكلية، أثارت عملية بدء المفاوضات قبولًا ضمنيًا من حزب الله وحركة أمل، رغم ما صدر عنهما من اعتراض على تشكيل الفريق اللبناني المفاوض والذي تكون من 4 شخصيات من بينها عسكريين اثنين. وقد دار الاعتراض حول وجود شخصيات مدنية في الوفد اللبناني، إذ زعم حزب الله وحركة أمل أن تشكيل الوفد يتعارض مع الاتفاق الإطاري الذي أقر بمسؤولية الجيش اللبناني عن المفاوضات، علاوة على مخالفته للاجتماعات الثلاثية الدورية التي تعقد بين الطرفين-ضمن تفاهمات 1996- بمشاركة عسكريين فقط. 

ويحاول حزب الله وحليفه من خلال هذا الرفض (أي رفض مشاركة الوفد السياسي اللبناني) الإشارة إلى أن المفاوضات تقنية ولا تأخذ طابعًا سياسيًا، ويدخل رفض حزب الله كمحاولة لحفظ ماء الوجه وفض الاشتباك حول ما إذ كانت المفاوضات مقدمة لسلام وحوار دبلوماسي بين الجانبين. ولا شك أن حزب الله يتعامل مع المفاوضات بدرجة كبيرة من البراجماتية، والمناورة السياسية المزدوجة، حيث يعمل على تجاوز الضغوط الداخلية والخارجية، إذ يُتهم حزب الله بالمسؤولية عما آلت إليه الأوضاع في لبنان، خاصة ما يتعلق بفشل تشكيل الحكومة واتهامه بعرقلة المبادرة الفرنسية، ويهدف كذلك إلى تجاوز ردة الفعل الأمريكية في حال رفضه المفاوضات والتي قد تصل إلى حد فرض مزيد من العقوبات ووضع عناصر الحزب وحلفائه على قوائم العقوبات المحتملة. ولتبرير هذا الموقف، حاول حزب الله وحركة أمل الترويج لفكرة المصلحة اللبنانية، على أساس أن ضمان الحقوق البحرية للبنان وسيادتها على المناطق الاقتصادية الخالصة يدخل ضمن المصلحة العليا والأهداف الحيوية للحزب والحركة.

  • رابعًا: الرهانات الإيرانية، تحتفظ إيران بنفوذ متنامٍ في الداخل اللبناني عبر امتلاك أوراق التأثير وزمام المبادرة في الساحة اللبنانية، خاصة في ظل رعايتها لحزب الله باعتباره الوكيل الإيراني الأكثر تأثيرًا في لبنان، وعليه فقبول حزب الله للمفاوضات ينسحب بشكل مباشر على مباركة طهران لتلك الإجراءات، خاصة في ظل الصمت الإيراني وعدم تعليقها على تلك المفاوضات حتى الآن. ويمكن قراءة الموقف الإيراني في إطار رهانها على أن القبول بالمفاوضات وعدم رفضها قد يؤدي إلى تخفيف الضغط عليها مستقبلًا، حيث تدور الحسابات الإيرانية في فلك الانتخابات الأمريكية المقبلة، فحتى مع استمرار “ترامب” يمكن أن يكون هناك مجالًا للحوار بين واشنطن وطهران، خاصة في ظل إعلان سابق لترامب حول إمكانية التفاوض مع إيران دون شروط، حتى ولو لم يتم الحوار يمكن أن يساهم موقف طهران تجاه المفاوضات في تخفيف حدة التصعيد والتراجع النسبي عن استراتيجية العقوبات القصوى التي تبناها ترامب طيلة ولايته الأولى. من ناحية أخرى وفي حالة تغير الإدارة الأمريكية ووصول “بايدن” للبيت الأبيض فقد تزداد فرص الحوار أكثر من أي وقت سابق، خاصة وأن بايدن كان شريكًا أساسيًا في الاتفاق النووي الإيراني 2015، ومن هنا تعمل إيران على توظيف موقفها الصامت بشأن المفاوضات في تحقيق جملة من المكاسب المستقبلية.
ترامب يهدف إلى إجبار قادة طهران على الإذعان
  • خامسًا: انتزاع نفوذ لصالح واشنطن، تمكنت الولايات المتحدة عبر تحركات دبلوماسية شملت نحو 8 جولات بين الطرفين من خلق نوع من التوافق وإقناع البلدين بجدوى المباحثات بشأن ترسيم الحدود البحرية، ويمكن لترامب أن يوظف هذه التحركات في إطار إنجازاته الخارجية في ظل تزامن هذه المفاوضات مع رعاية الولايات المتحدة للسلام العربي الخليجي، كما يتوقع أن تعمل واشنطن على تحقيق اختراق أكبر خلال جولة المفاوضات القادمة المقرر لها نهاية الشهر الجاري حتى يتمكن ترامب من توظيفه في العبور للببت الأبيض.

 من ناحية أخرى تعمل واشنطن على انتزاع القيادة من باريس والتي ظهرت نواياها مؤخرًا خاصة في أعقاب تفجير مرفأ بيروت، إذ قامت باريس بعدد من التحركات ترمي إلى قيادة المتوسط والعودة إلى منطقة الشرق الأوسط، ولعب دور مؤثر في ساحات الاشتباك سواء في ليبيا، والعراق، ولبنان والشرق الأوسط.

 علاوة على أن واشنطن تسعى لتحقيق عدة مكاسب اقتصادية يأتي في مقدمتها الانخراط في عمليات التنقيب من خلال شركة “شيفرون” الأمريكية خاصة في ظل استحواذها على شركة “نوبل إنيرجي” والتي تمتلك نحو 40 % من حصة التنقيب في حقل ليفياثان ونحو 25%، علاوة على نحو 25% في حقل أفروديت في قبرص، فضلًا عن مشاركتها في عدد من الامتيازات الأخرى المرتبطة بالتنقيب عن النفط والغاز شرق المتوسط، وعليه يمكن أن تؤدي تسوية النزاع البحري بين البلدين إلى مزيد من الحضور الأمريكي عبر شيفرون، من خلال حصولها على مزيد من التراخيص للتنقيب عن الغاز في المناطق محل النزاع، بما يعزز المكاسب الاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية.

Chevron's Purchase of Noble Energy: Accelerating the Eastern  Mediterranean's Gas Revolution? | Moshe Dayan Center for Middle Eastern and  African Studies

في الأخير، تمثل المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل مدخلًا يمكن من خلالها تهدئة التوترات والنزاعات البحرية بين البلدين والعمل على صياغة رؤية توافقيه لتحقيق أكبر قدر من المكاسب الاقتصادية وتأمين حقوق الطرفين في استغلال الموارد في المناطق الخاضعة للخلاف، وعلى الرغم من أن لبنان وإسرائيل في حالة حرب واشتعال دائم، ولا تجمعهم أية علاقات دبلوماسية، إلا أن المفاوضات بشأن الحدود ليست الأولى من نوعها، ومع ذلك يُضفي السياق الراهن والتحولات التي تشهدها المنطقة زخمًا غير مسبوق على المفاوضات البحرية.
رغم ذلك يوجد عدد من العوائق أمام تلك المفاوضات من بينها عدم وجود جدول زمني وخط واضح لتلك المفاوضات، علاوة على الشكوك المثارة فيما يتعلق بما يمكن أن يقدمه الطرفان من تنازلات. وقد يتوقف المُخرَج النهائي لتلك المفاوضات على حدود الصفقة الكبرى التي يمكن أن تعقدها طهران مع الإدارة القادمة للبيت الأبيض. وعلى الرغم من التقديرات الرامية إلى أن ترسيم الحدود البحرية حال نجاحه قد ينسحب إلى ترسيم مماثل للحدود البرية بين الطرفين، إلا أن ذلك قد لا يكون مقبولًا لدى حزب الله، حيث أن هذا الأمر يعني بالضرورة نزع السلاح من عناصر حزب الله ، وهو ما يمثل حال حدوثه نزع شرعية الوجود التي يروج لها حزب الله وقياداته والتي ترتكز بالأساس على ما يصفه الحزب بالمقاومة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى