آسيا

احتفال كوريا الشمالية بالذكرى الـ 75 للشيوعية.. بين دعم الشرعية وتحدي الخارج

لقى زعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون خطابًا يوم 10 أكتوبر الجاري بساحة كيم إيل سونج وسط بيونج يانج للاحتفال بالذكرى الخامسة والسبعين لنشأة الحزب الشيوعي الحاكم في البلاد. شهد الاحتفال إقامة عرض عسكري لم يحدث منذ عامين، أو على وجه التحديد منذ بدء المحادثات النووية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 2018. يدفع هذا لمحاولة معرفة ما الذي يحمله كل من الخطاب والعرض على المستويين الداخلي والخارجي.

دلالات الاحتفال

أولًا: على الصعيد الداخلي

  • التأكيد على قوة الشعب في مواجهة الأزمات: لم يستهدف الاحتفال توجيه رسائل خارجية فقط، فقد عكس اليوم محاولة رفع الروح المعنوية للشعب وتذكيره بقوة نظامه؛ إذ عبّر خطاب كيم عن الثقة في جهود البلاد لمنع تفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) في البلاد أو عدم وجود حالات مصابة، فقد حضر الاحتفال الآلاف دون إجراءات احترازية. كذلك قدم الشكر للقدرة على مواجهة الكوارث الطبيعية الأخرى كان منها الفيضانات التي ضربت مساحات واسعة من المناطق الريفية وزيادة مأساة الأمن الغذائي.
  • الاعتذار عن عدم تحقيق الأهداف الاقتصادية: قدم كيم اعتذاره للشعب عن تأخر تنفيذ الوعد الذي قطعه في 2016 بأن كوريا الشمالية في غضون خمس سنوات فقط ستصبح دولة اشتراكية متحضرة يتمتع شعبها ببيئة غنية. كان هذا وعدًا جريئًا في وقت التقيد بالعقوبات الاقتصادية بسبب البرنامج النووي. كذلك، لم تكن هناك خطة واضحة لتحقيق ذلك، لكنه كان واثقًا من تغيير الأمور بعد استبعاد المسؤولين من عهد والده، وتعيين مجموعة جديدة. سبق أن أعلن في بداية عهده أنه سيتم توجيه كوريا الشمالية لاستراتيجية وطنية جديدة لتطوير برنامج الأسلحة النووية للبلاد مع العمل في نفس الوقت على دفع عجلة الاقتصاد. هذا يعني أن يوم العاشر من أكتوبر كان من المفترض أن يصبح أكثر من مجرد عرضٍ عسكريٍ وفرصة ذهبية للزعيم للاحتفال بالنجاح الاقتصادي وما تم إنجازه خلال السنوات الماضية، لكن يتضح أنه بات من الصعب الجمع بين الجانبين إذ يشهد الوضع الاقتصادي تدهورًا مستمرًا. يبقى هناك الانتظار لخطاب كيم في يناير المقبل لإعلان ما الذي يمكنه القيام به لتحسين الوضع الاقتصادي الذي تقيده العقوبات.
  • استمرار الشرعية: اعتمد كيم على إثارة عاطفة الشعب بالبكاء وإظهار القدرات العسكرية التي تشعره بالفخر لأنها وسيلة النظام الأساسية للاستمرار في السلطة. من الأمور اللافتة للانتباه أيضًا كان القيام بالعرض العسكري ليلًا –للمرة الأولى من نوعها- كي يستطيع النظام عرض اللقطات المعدّلة بعد تسجيلها بدلًا من البث المباشر، مما سمح للمحررين بتسليط الضوء على الجوانب الإنسانية للعرض مثل بكاء الزعيم والحضور من الجماهير والجنود أثناء إلقاء الخطاب.

ثانيًا: على الصعيد الخارجي

  • استعراض القوة العسكرية: كشف العرض العسكري عن صاروخ باليستي عابر للقارات، بعدما أعلن كيم تقديم سلاح استراتيجي جديد انطلاقًا من شعوره بأنه غير ملزم بفرض حظر على الاختبارات الصاروخية بعيدة المدى، وذكرت توقعات أنه ربما يكون صاروخ يتم إطلاقه من الغواصات، وهذا يؤكد استمرار بيونج يانج في نهجها الصارم المتبع قبل الهدوء المؤقت الذي صاحب المحادثات النووية مع إدارة ترامب. ثارت الشكوك حول ما إذا كان تم اختبار هذا الصاروخ أم لا، لكن هذا لا ينفي أنه أكبر حجمًا من سابقه الذي كان يُقدّر أنه يكفي لحمل ثلاثة رؤوس حربية، لكن ذهبت التقديرات حول الصاروخ الأخير بقدرته على حمل خمسة رؤوس حربية. 
  • تحدي جديد للولايات المتحدة؟ وفقًا لآراء تحليلية، يشكل هذا تهديدًا لنظام الدفاع الصاروخي الأمريكي، بما يجعل وجود صاروخ يحمل عدة رؤوس حربية يمثل صعوبة إضافية، كما أن حجمه يمثل وجود خطر كبير على كوريا الجنوبية واليابان والقواعد العسكرية الأمريكية في الإقليم. يأتي العرض العسكري قبل حوالي شهر من الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وتتجه بعض الآراء إلى أن استعراض السلاح الجديد لا يستهدف استفزاز الولايات المتحدة بقدر استغلال الفرصة لإظهار التطورات التي تم إدخالها على الصواريخ. لكنه لا يزال يُبرز أن كوريا الشمالية ستظل أحد أكبر التحديات التي تواجه الولايات المتحدة لأن الاستعراض العسكري قد يستبق اختبارًا هامًا للأسلحة بعد إعلان نتائج الانتخابات لتعزيز نفوذ كيم في المفاوضات القادمة سواء استمر ترامب بإدارة جديدة، أو تولى منافسه جو بايدن رئاسة البلاد. 
  • ردع التهديدات الخارجية: أكد كيم أن تطوير الأسلحة هدفه الردع والدفاع عن النفس وليس استهداف الآخرين؛ إذ لم يوجه الخطاب أي تهديد مباشر للولايات المتحدة أو إدارة ترامب. لكنه في نفس الوقت أشار إلى أنه “إذا انتهكت أي قوات أمن دولتنا، فسوف أحشد كل قوتنا الهجومية”، فقد حذر كيم أن بلاده على استعداد لتعبئة كامل قدراتها النووية في حال التعرض للتهديد، أي إظهار بلاده بأنها قادرة على التعبئة بغض النظر عن العقبات.
  • مهادنة الجنوب: بعث كيم في خطابه بكلمات حول الوحدة بين الكوريتين، أو ما يشبه مهادنة وتهدئة الوضع مع سول، خاصة في ظل الحديث بأن قوات كوريا الشمالية أعدمت مسؤول كوري جنوبي مفقود وتوتر علاقتهما منذ فشل قمة هانوي بين كيم وترامب في 2019 ودخول الأمر في حالة من الجمود الدبلوماسي النووي بينهما، بجانب تفجير مكتب اتصال بين الكوريتين في بلدة كايسونغ في يونيو من العام الجاري. فقد وجه كيم التحية لمواجهة كوريا الجنوبية لفيروس كورونا، معبّرًا عن ذلك حين قال: “إنني أتطلع إلى اليوم الذي سننتصر فيه على الأزمة الصحية ويتكاتف الشمال والجنوب معًا”.

ردود الفعل على رسائل الاحتفال

تلقى كيم التهنئة بمناسبة الذكرى السنوية من كل من الرئيس الصيني شي جين بينج الذي أبدى عزمه الدفاع عن العلاقات مع كوريا الشمالية وتوطيدها وتطويرها، وعبّر عن سعادته بما حققته بيونج يانج من إنجازات ومواجهة التحديات.  كذلك من رئيس اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الروسي.

لكن على جانب آخر، جاء رد الفعل الأمريكي والكوري الجنوبي ناقدًا، فقد وصف متحدث باسم الخارجية الأمريكية العرض العسكري بأنه مخيب للآمال، وأن كوريا الشمالية تعطي أولوية لبرنامجها النووي والصواريخ الباليستية دون العمل على مستقبل أفضل لشعبها، ودعا بيونج يانج لـ”لانخراط مرة أخرى في مفاوضات مستمرة وموضوعية لتحقيق نزع السلاح النووي بشكل كامل”.

أما عن كوريا الجنوبية، فقد عقد مجلس الأمن القومي اجتماعًا طارئًا لمناقشة العرض العسكري وتحليل الأهمية الاستراتيجية لأنظمة الأسلحة الكورية الشمالية، بجانب مراجعة القدرات الدفاعية لكوريا الجنوبية. وطالب بيان وزارة الدفاع بالتزام بيونج يانج بالاتفاقات التي تم عقدها بين الجانبين في 2018 لتخفيف العداء، وحثت وزارة الخارجية على العودة للمحادثات الخاصة بنزع السلاح النووي وإحلال السلام في شبه الجزيرة الكورية. إجمالًا، يبدو أن أكثر ما لفت انتباه ردود الفعل حول الاحتفال كان تعبير بيونج يانج عن عزمها الاستمرار في تطوير برنامجها الصاروخي وأنها لن تتنازل عن برنامجها النووي. لكن من جانب آخر، فإن كيم لم يستفز الإدارة الأمريكية في خطابه أو يوجه لها تهديدًا مباشرًا، وعمل أيضًا على الظهور بمظهر من يمد يد السلام مع كوريا الجنوبية لتجنب التوتر الذي شاب العلاقات بينهما مؤخرًا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى