آسيا

نظرة معمقة على استخدام الطائرات المسيرة في حرب قره باغ

عرض – محمد حسن

قدمت الصراعات والنزاعات في المنطقة الممتدة من آسيا الوسطي وصولاً إلى شمال أفريقيا، ملامح وأبعاد النزاعات المستقبلية على مستوي العتاد العسكري. إذ بات الاعتماد المكثف على الطيران الحربي المسير سمة هذه النزاعات والحروب لعدة اعتبارات منها خفض تكلفة التشغيل، ودقة الاستهداف وقلة المخاطر الناجمة عن الإسقاط مقارنة بالمقاتلات النفاثة من الأجيال الرابعة والرابعة والنصف. 

في هذا السياق نشر موقع (Drone Wars) المتخصص في تغطية تطورات صناعة الطائرات المسيرة وأدائها في الحروب تقريرًا عن الاستخدام المكثف لهذه الطائرات في الاشتباكات العنيفة الجارية بين أرمينيا وأذربيجان. وتقفي آثار تداعيات هذا الاستخدام ولاسيما في تحقيق الأمن والسلام.

وفي البداية أشار التقرير إلى أهمية ملاحظة أنه في التقارير الإخبارية، يتم استخدام مصطلح “طائرة بدون طيار” لتغطية وتضمين مجموعة واسعة من الأنظمة المختلفة الكبيرة والصغيرة المسلحة وغير المسلحة. كما يمكن أحيانًا إساءة تفسير التقارير الإخبارية عن استخدام “الطائرات بدون طيار” على أنها تعني استخدام أنظمة مسلحة أكبر عندما لا يكون الأمر كذلك بالضرورة. بالإضافة إلى أن التقارير الإخبارية تصف أحيانًا “الذخائر الانتحارية” بأنها طائرات بدون طيار ولكنها في الواقع مختلفة بشكل كبير.

ويشير التقرير إلى استخدام أذربيجان للطائرات الحربية من دون طيار منذ العام 2008، وبدء تشغيلها فوق إقليم ناجورنو قره باغ في مهام استطلاعية وعسكرية منذ العام 2014. إذ شهد ذلك العام خروقات كثيرة لاتفاق وقف إطلاق النار على خط التماس، والمنطقة العازلة بين القوات المتصارعة. وفي حرب الأيام الأربعة في العام 2016، كان أول نزاع مسلح بين الدولتين يتم فيه نشر طائرات من دون طيار ضمن مهام محددة كالاستطلاع وتنفيذ ضربات دقيقة ضمن عمليات دعم القوات البرية لكلا الطرفين.

وكانت هذه هي المرة الأولى كذلك التي تُستخدم الذخائر الانتحارية أو ما يعرف بالطائرات المسيرة الانتحارية في القتال في نزاع بين الدول. ولا سيما عندما استخدمت أذربيجان طائرات “هاروب” الإسرائيلية لقتل حافلات تقل متطوعين أرمن في طريقها إلى خط الجبهة.

وفي خلال حرب الأيام الأربعة، زعمت أذربيجان أنها أسقطت طائرة أرمينية بدون طيار واثنتين في الأسابيع التالية، بينما زعمت أرمينيا أنها أسقطت 10 طائرات أذربيجانية خلال الحرب على الرغم من تأكيد حالتين فقط من هذه الحالات.

تجدر الإشارة إلى أن استخدام الطائرات بدون طيار والذخائر الانتحارية يُعد عنصرًا رئيسيًا في تجدد القتال بين أرمينيا وأذربيجان منذ يوليو 2020، حيث وصف بعض المراقبين للحرب بين البلدين بـ “حرب الطائرات المسيرة في جنوب القوقاز”. زعمت أرمينيا أن أذربيجان تستخدم الطائرات من دون طيار والذخائر الانتحارية لمهاجمة أهداف مدنية في بلدة بيرد الحدودية وأسقطت ما لا يقل عن 13 من هذه الطائرات والذخائر الجوالة.

خلال القتال المتجدد، دعمت تركيا أذربيجان علنًا. وفي يوليو بدأت التقارير في تعميم أن المساعدة العسكرية التركية لأذربيجان شملت طائرات بدون طيار من طرازBayraktar    TB-2 قد يكون هذا ناتجًا عن تقارير صحفية عسكرية تحدثت عن احتمال بيع طائرات بدون طيار (Bayraktar TB-2) في وقت سابق من الصيف. هذه التقارير، بدورها قادت أرمينيا وروسيا إلى بدء مناورات عسكرية مشتركة، بما في ذلك اختبار خطط لنظام دفاع جوي مشترك يهدف إلى “التصدي لنشاطات الطائرات المسيرة الهجومية والخاصة بمهام الاستطلاع”. ردًا على ذلك، أعلنت تركيا وأذربيجان عن تدريبات عسكرية مشتركة بينهما. ومع ذلك، لم يتم الإعلان عن أي نتيجة بشأن صفقة Bayraktar المحتملة التي تم طرحها في وقت سابق من العام، ولا يزال الوضع غير واضح. يفترض العديد من المعلقين أن TB-2 قيد الاستخدام ولكن لا يوجد تأكيد من وزارة الدفاع الأذربيجانية.

حتى صرحت أذربيجان مؤخرًا أنها ممتنة لـ “الطائرات بدون طيار التركية المتقدمة التي يملكها الجيش الأذربيجاني” والتي أدت إلى تقلص خسائرها على خط المواجهة. كما أبرمت تركيا وأذربيجان مؤخرًا صفقة ائتمان بقيمة 200 مليون ليرة تركية يمكن لوزارة الدفاع الأذربيجانية إنفاقها على شراء المعدات العسكرية التركية، وأفيد أن هذا سيذهب في المقام الأول نحو الطائرات التركية المسيرة. 

وتتمتع أذربيجان أيضًا بعلاقات صناعية عسكرية وثيقة مع إسرائيل، التي اشترت منها العديد من الطائرات بدون طيار والذخائر الانتحارية. في عام 2008، تم توقيع عقد مع شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية (IAI) من أجل بينع أنظمة صواريخ ودفاع أخرى. استمرت هذه العلاقة على قدم وساق مع بيع أنظمة صواريخ أرض – أرض.

والذخائر الانتحارية وطائرات الاستطلاع الأكبر حجمًا بين عامي 2011 و2017، وامتلأت ترسانة أذربيجان بالمئات من هذه القطع التقنية العسكرية الحديثة. 

من ناحية أخرى، لا تزال أرمينيا تعتمد بالكامل تقريبًا على روسيا في استيراد الأسلحة. لم يتم إدراجها على أنها تمتلك أي موردين مهمين آخرين في قاعدة بيانات SIPRI لنقل الأسلحة، كما أن Drone Databook يسردهم على أنهم يمتلكون طائرات Krunk وBaze أصلية بدون طيار، وPtero-5E من روسيا. أي أن أرمينيا بالفعل تمتلك هي الأخرى ذخائر انتحارية.

واستخدمت أرمينيا هذه الترسانة كذلك في توجيه ضربات مؤلمة للجانب الأذري. كما أعلنت الإذاعة الأرمينية أن البلاد باتت تملك خطوط انتاج محلية للذخائر الانتحارية وستكون جاهزة خلال الأشهر القادمة.

مع انهيار وقف إطلاق النار، لا يزال هناك الكثير لفهمه حول استخدام الطائرات بدون طيار من قبل كلا البلدين، ولكن من الواضح أنها تلعب دورًا مهمًا في زيادة قدرات الاستهداف لأذربيجان على وجه الخصوص. ومع ذلك، فإن ادعاءات أرمينيا بإسقاط الطائرات بدون طيار – الذخائر الانتحارية- تعزز روايتها أيضًا. تهدف اللقطات التي نشرها الجانبان إلى خلق انطباع بوجود ميزة استراتيجية لدي الطرفين. يكمن الخطر بالطبع في أن هذا النوع من الدعاية يمكن أن يدفع الحكومات الشعبية نحو مواقف أكثر عدوانية، مما يجعل التراجع أكثر صعوبة. وهذا ينطبق بشكل خاص على الجهات الفاعلة الخارجية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى