دول الخليج العربيتركيا

بعد أيام من تطبيقها.. المقاطعة الشعبية السعودية تضرب قطاعات الاقتصاد التركي

تحصد تركيا يومًا بعد يوم نتائج سياسة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الكارثية ومغامراته الخارجية غير المحسوبة وعدائه المتنامي لكل أصدقاء وحلفاء بلده السابقين. وعلى الرغم من التراجع غير المسبوق الذي يشهده الاقتصاد التركي منذ عدة سنوات من جراء مغامراته الداخلية والخارجية، والذي عززته جائحة فيروس كورونا مؤخرًا، إلا أنه لا يكف عن انتهاج السياسات التي تجلب المزيد من التداعي على الاقتصاد والشعب التركيين، إذ أقحم بلاده مؤخرًا في الحرب الدائرة بين أرمينيا وأذربيجان، بما أدى إلى تأزيم الوضع الاقتصادي.  

وفي سياق عدائه المحموم وغير المبرر لحلفائه، واندفاعه نحو مواقف عدائية مع الدول التي يرتبط معها بعلاقات اقتصادية وطيدة، دون مراعاة للانعكاسات السلبية لتلك السياسة على شعبه، يدفع الاقتصاد التركي الآن فاتورة جديدة من فواتير سياسة أردوغان المتهورة، بعدما دخل القرار السعودي غير الرسمي بحظر استيراد المنتجات التركية، حيز النفاذ، إذ امتنع المستوردون والتجار في المملكة عن جلب البضائع التركية. 

وقد دعا رئيس مجلس الغرف السعودية، عجلان العجلان، في تغريدات له على تويتر، الشركات ورجال الأعمال والمواطنين إلى مقاطعة المنتجات والسياحة والاستثمار التركي، كما دعا إلى عدم التعامل مع الشركات التركية بالمملكة، معتبرًا أن هذا أقل رد على سياسات الحكومة التركية العدائية تجاه الرياض.

انعكاسات سلبية

https://www.ft.com/__origami/service/image/v2/images/raw/https%3A%2F%2Fd1e00ek4ebabms.cloudfront.net%2Fproduction%2F938be30a-e4c2-4cbe-8db2-af8ae776bb51.jpg?fit=scale-down&source=next&width=700

لم يكد يمر 11 يومًا على قرار الحظر المذكور سلفًا، حتى بدأت تبعاته الاقتصادية تظهر على الاقتصاد التركي، خاصة قطاع الملابس الجاهزة، إذ تعتزم بعض الماركات العالمية، التي تمتلك مرافق تصنيع في تركيا وتصدر إلى السعودية البحث عن مدن بديلة لنقل صناعاتها لها خشية أن يؤثر قرار الحظر السعودي على حجم مبيعاتها في المنطقة.

وفي هذا الإطار، قالت شركة “H&M” السويدية إنه من السابق لأوانه التعليق على القيود المفروضة على التجارة بين أنقرة والرياض ومدى تأثيرها على معاملات الشركة. ولم تعلق شركتا Marks & Spencer البريطانية وInditex الإسبانية، اللتان تمتلكان متاجر في السعودية وتنتجان بعض سلعهما في تركيا، على القيود. بينما تحاول شركة Boohoo، وهي شركة بيع بالتجزئة عبر الإنترنت مقرها بريطانيا وتسعى للتوسع في الشرق الأوسط، معرفة ما إذا كانت منتجاتها المصنوعة في تركيا ستتأثر.

فيما أفادت الشركة الإسبانية “مانجو”، التي لها 50 فرعًا في المملكة، بأنها تبحث عن بدائل لتجاوز الحظر السعودي على دخول منتجاتها المصنعة في تركيا، وفي الوقت ذاته قللت من أهمية الحظر قائلة: “هذه ليست مشكلة كبيرة للعلامة التجارية لأن الإنتاج متنوع ومرن. نحن على ثقة من مواصلة التداول في ظل الظروف العادية في المملكة”. 

ويشهد قطاع الملابس الجاهزة رواجًا كبيرًا في تركيا، التي تعد واحدة من أكبر منتجي المنسوجات في أوروبا والشرق الأوسط، حيث صدرت ما قيمته 17.7 مليار دولار من الملابس الجاهزة في عام 2019، كما بلغ إجمالي عائدات صادرات الملابس خلال النصف الأول من العام الحالي 6 مليارات و987 مليونًا و196 ألف دولار. 

وقد بلغت الصادرات التركية من الملابس الجاهزة، خلال أغسطس الماضي مليارًا و545 مليونًا و731 ألف دولار، بزيادة 10.87% مقارنة بأغسطس 2019، من أكثر من 160 دولة، وقد جاءت ألمانيا في المرتبة الأولى بـ 271 مليون دولار، ثم إسبانيا بـ 250 مليون دولار، وبريطانيا بـ 183 مليون دولار، وهولندا بـ 125 مليون دولار، وفرنسا بـ 78 مليون دولار، والولايات المتحدة بـ 71 مليون دولار، والدانمارك بـ 38 مليون و758 ألف دولار، وإيطاليا بـ 38 مليون و656 ألف دولار. وقبلها في يونيو الماضي، بلغت صادرات تركيا من القطاع ذاته مليارًا و357 مليونًا و624 ألف دولار، بارتفاع نسبته 25% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي. ويوضح ذلك حجم الخسارة الممكنة إذا ما خرجت تلك الصناعة من تركيا، بالنظر إلى كونها أحد مصادر العملة الصعبة.

ويمكن سماع دوى الصفعة السعودية لتركيا في تصريحات لرئيس اتحاد مصدري الملابس في إسطنبول، مصطفى غولتيبي، لصحيفة فايننشال تايمز، حيث أفاد بأن العلامات التجارية العالمية التي تنتج في تركيا ولها متاجر في السعودية تأثرت جميعها. كما تتجلى في تأكيد نائب حزب الشعب الجمهوري المعارض أن المقاطعة تسببت في خسائر مادية جسيمة للمزارعين والمصدرين في مدينة هاتاي والمناطق المحيطة بها. 

وفي بيان نشرته ثماني جمعيات أعمال تركية بارزة، بما في ذلك جمعية الصناعة والأعمال التركية ومكتب العلاقات الاقتصادية الخارجية وجمعية المصدرين واتحاد غرف وبورصات السلع، يوم السبت الماضي، أعربت فيه عن استيائها من الموقف السلبي المتزايد ضد تركيا، ودعت إلى الحوار، معتبرة أن الممارسات الرسمية أو غير الرسمية التي تهدف إلى منع التجارة بين البلدين ستؤثر سلبًا على العلاقات التجارية بينهما وتضر بالاقتصاد والشعب في كليهما. أيضًا، اشتكى المصدرون الأتراك من أن منتجاتهم واجهت تأخيرات طويلة في الجمارك السعودية خلال الشهر الماضي.

وعلى أي حال سيضاعف هذا الأمر من وضع اقتصاد أنقرة المذري إذ؛ سجلت الليرة التركية أدنى مستوى لها على الإطلاق يوم الجمعة الماضية عند 7.9591 بانخفاض 0.4% من يوم الأربعاء السابق له، ويبلغ إجمالي التراجع في قيمة العملة خلال العام الحالي 25.1%، وهو ما ينعكس على مؤشرات الاقتصاد الأخرى، كارتفاع معدلات التضخم التي بلغت نسبتها خلال العام الجاري 11.77%، وانخفاض معدل النمو، ومستويات مرتفعة من عجز الموازنة، وارتفاع معدل البطالة وتدهور المستوى المعيشي للمواطنين. ويتوقع كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في بنك كومرتس الألماني، تاثا جوس، أن تنخفض الليرة إلى 8.5

العلاقات الاقتصادية بين البلدين

وللوقوف بشكل واضح على حجم الضرر الناتج عن تطبيق اللاءات الثلاث الواردة في تغريدة عجلان، (لا استثمار – لا سياحة – لا استيراد)، يجب إلقاء نظرة على طبيعة العلاقات الاقتصادية بين البلدين: تحتل السعودية المرتبة الـ 15 ضمن قائمة الدول التي تصدر إليها تركيا، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بينهما 1.27مليار دولار عام 2019، بواقع 3.2 مليارات دولار صادرات تركية إلى المملكة، مقابل 1.9 مليارات دولار من الواردات. وتأتي منتجات الأثاث المنزلي والفواكه الطازجة والخضروات والمواد الغذائية والمنسوجات على رأس قائمة الصادرات التركية إلى السعودية. وتمثل المملكة رابع أكبر وجهة تصدر إليها مدينة غازي عنتاب التركية منتجاتها، حيث بلغ حجم صادرات المدينة إلى السعودية 255 مليون و743 ألف دولار في الفترة من يناير إلى أغسطس عام 2019، انخفض إلى 209 ملايين و623 ألف دولار، في الفترة ذاتها من العام الحالي.

وقد شهدت السنوات الخمس الأخيرة تراجعًا مستمرًا في واردات السعودية من تركيا، من 12.74 مليار دولار عام 2015، إلى 12.06 مليار في 2016، و11.31 مليار عام 2017، و10.04 مليار في 2018، فـ9.47 مليار عام 2019. 

ويبلغ عدد الشركات السعودية المستثمرة في تركيا 1040 شركة، يعمل منها 250 في مجال الاستثمار العقاري فيما تعمل باقي الشركات في قطاعات أخري أهمها صناعة الغزل والنسيج والملابس، والسيارات، والصناعات المعدنية والصناعات الغذائية والاستهلاكية، وساهم المستثمرون السعوديون في دعم نشاط الاستثمار العقاري التركي حيث احتلوا المرتبة الثانية عام 2017 في شراء المنازل التي تم بيعها للأجانب.

وفي شأن السياحة، انخفاض عدد السياح السعوديين الوافدين إلى تركيا بنسبة 40٪ خلال العام 2019 مقارنة بالعام السابق له 2018، حيث تراجعت أعدادهم إلى المرتبة 11 بعد أن كانوا في المرتبة الرابعة في 2018، وذلك بحسب وزارة الثقافة والسياحة التركية، على إثر حملة سعودية تحت شعار “تركيا ليست آمنة”، نتيجة لوقوع عدد من حوادث الاعتداءات على مواطنين سعوديين وممتلكاتهم في تركيا، فقد شهدت السنوات الخمس الماضية الاعتداء على أكثر من 55 سائحًا سعوديًا وسرقة نحو 165 جواز سفر وهاتف ذكي. وخلفت تلك الحملة أثرًا سلبيًا على اقتصاد أنقرة بالنظر إلى أن السعودية من أكبر الدول التي ترسل سياح إلى تركيا، إذ يمثل السائحين السعوديين ما نسبته 2% من حجم السياحة التركية بواقع 639 ألف سائح، وينفق السائح السعودي نحو 500 دولار يوميًا، وفقًا لدراسة أجراها مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية في الرياض عام 2018.وعلى كلٍ، يبدو أن البدائل أمام تركيا لحل تلك المسألة محصورة في “الحوار”، انطلاقًا من عدم وجود قرار رسمي سعودي بحظر دخول المنتجات التركية يُمكن لأنقرة الاستناد إليه في توجيه شكوى إلى منظمة التجارة العالمية، في حين أكدت الحكومة السعودية أنه لا يوجد قيود على البضائع التركية، وأنها ملتزمة بالتجارة الحرة بموجب الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، مشيرة إلى أن التراجع في حجم التبادل التجاري بين البلدين يأتي كأحد تداعيات جائحة فيروس كورونا التي أثرت على حركة التجارة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى