إيران

العقوبات الأمريكية على النظام المصرفي الإيراني.. الدوافع والخيارات

قبل أقل من شهر على الانتخابات الرئاسية الأمريكية فرضت إدارة الرئيس دونالد ترامب (8 أكتوبر) عقوبات اقتصادية تستهدف 18 مصرفًا إيرانيًا في أحدث حلقة من سياسة الضغط الأقصى التي تتبعها الإدارة الأمريكية في مواجهة طهران منذ انسحابها من خطة العمل الشاملة المشتركة “الاتفاق النووي مع إيران” في 2018، وبعد نحو شهرين من فشلها في تمرير مشروع قرار في مجلس الأمن الدولي يقضي بتمديد حظر توريد الأسلحة المفروض على إيران إلى أجل غير مسمى (14 أغسطس).

  • الضغط الأقصى الأمريكي

أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية بيانًا أعلنت فيه تصنيف القطاع المالي بالاقتصاد الإيراني باعتباره خاضعًا للأمر التنفيذي 13902 الذي يتيح للوزارة معاقبة أي مؤسسة مالية إيرانية وبوصفه وسيلة إضافية لتمويل الأنشطة الخبيثة للحكومة الإيرانية، وكجزء من هذا الإجراء، فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية بوزارة الخزانة عقوبات على 16 مصرفًا إيرانيًا للعمل في القطاع المالي الإيراني وبنك واحد لكونه تابعًا لبنك إيراني خاضع للعقوبات، وتصنيف بنك إيراني مرتبط بالجيش وفقًا للأمر التنفيذي 13382 المتعلّق بسلطة مكافحة انتشار الأسلحة.

وأضافت الوزارة أنها ستصدر ترخيصا عاما للسماح بعمليات معينة ترتبط بمؤسسات مالية إيرانية محظورة بموجب الأمر التنفيذي 13902، وأن إجراءات الحظر لا تنطبق على عمليات السلع الأساسية.. الزراعية والأغذية والأدوية أو الأجهزة الطبية”. وفي الوقت ذاته فإن المؤسسات المالية والأشخاص الآخرين الذين ينخرطون في معاملات أو أنشطة معينة مع الكيانات الخاضعة للعقوبات بعد فترة الـ45 يومًا قد يعرضون أنفسهم لعقوبات ثانوية أو يخضعون لإجراءات إنفاذ.

وقال وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوتشين إنّ هذه العقوبات “تظهر التزامنا بوقف الحصول غير القانوني على الدولار الأمريكي”، “عقوباتنا ستستمر إلى أن تتوقف إيران عن دعم النشاطات الإرهابية وتضع حدًا لبرامجها النووية”، “إجراءات اليوم ستظل تسمح بالعمليات الإنسانية لدعم الشعب الإيراني”.

وأصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بيانًا أكدت فيه أن هذه العقوبات تحرم إيران من الأموال اللازمة لتنفيذ دعمها للأنشطة الإرهابية والابتزاز النووي الذي يهدد العالم، موضحة أن هذه العقوبات ستدخل حيز التنفيذ بعد 45 يومًا، مشددة على استمرار حملة الضغط الاقتصادي الأمريكية القصوى ضد إيران حتى تكون طهران مستعدة لإتمام مفاوضات شاملة تعالج سلوكها الخبيث.

  • الرد الإيراني

وصف الرئيس الإيراني حسن روحاني العقوبات بأنها غير إنسانية، وقال إن هذه الممارسات لإيجاد مشكلات بتحويل العملات لتأمين الأدوية والأغذية عمل إرهابي وجائر وغير إنساني، مشيرًا إلى أن هذه العقوبات تهدف تحقيق أهداف إعلامية سياسية داخل الولايات المتحدة، ولكن لا يمكن لواشنطن “كسر مقاومة الشعب الإيراني” عبر إعاقة تأمين المواد الغذائية والأدوية، مشددًا على أن هذه الإجراءات الأمريكية غير إنسانية في ظل أزمة كورونا، وتتعارض مع القانون والمقررات الدولية.

وعلّق وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف على هذه العقوبات قائلًا “في ظل جائحة كوفيد-19، يريد النظام الأميركي نسف ما تبقى لنا من قنوات للدفع مقابل الغذاء والدواء، لكن التآمر لتجويع شعب جريمة ضد الإنسانية”. فيما أكد محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي أنه لن يتم السماح بحصول شح في الدواء والغذاء للمواطنين من خلال بعض المسارات والأساليب.

الأهداف الأمريكية

  • التحايل على فشل “سناب باك”

حاولت الولايات المتحدة تمديد حظر توريد الأسلحة المفروض على إيران من قبل الأمم المتحدة والذي من المفترض أن ينتهي (18 أكتوبر) وفقًا لقرار مجلس الأمن رقم 2231 لعام 2015، ولكن جاء تصويت مجلس الأمن الدولي (14 أغسطس) رافضًا لهذا المسعى، ومن ثم أكدت واشنطن عزمها إعادة فرض العقوبات على إيران من طرف واحد بفعل آلية “سناب باك” التي نصت عليها خطة العمل الشاملة المشتركة التي وقعتها دول مجموعة (1+5) مع إيران، إلا أن انسحابها عام 2018 من الخطة قد عرقل هذا المسعى؛ إذ أكدت الدول الأعضاء في مجلس الأمن وفي مقدمتها روسيا والصين والثلاثي الأوروبي (ألمانيا – فرنسا – بريطانيا) عدم أحقية واشنطن في تفعيل هذه الآلية لانسحابها من الاتفاق.

المسار البديل الذي كان متوقعًا اتخاذه من قبل واشنطن لاستمرار الضغط الأقصى على طهران ومنعها من إبرام صفقات أسلحة ضخمة بعد انتهاء حظر توريد الأسلحة هو فرض العقوبات الأُحادية على طهران. ومن ثم تأتي العقوبات الأمريكية الأخيرة التي استهدفت النظام المالي الإيراني في هذا الإطار، نحو تقويض قدرات الاقتصاد الإيراني وعزله عن النظام المالي الدولي.

  • رسائل انتخابية

اتبع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ توليه الحكم عام 2017 سياسة مناوئة لإيران بانسحابه من الاتفاق النووي وفرض العقوبات الاقتصادية على النظام الإيراني بشكل موسع مستهدفًا كافة قطاعات الاقتصاد الإيراني الذي بات يرزح تحت أزمات صعبة. 

وتهدف إدارة ترامب من العقوبات الأخيرة إيصال عدة رسائل للناخبين الأمريكيين قبيل التوجه إلى صناديق الاقتراع (3 نوفمبر) مفادها أن سياسة الضغط الأقصى ضد إيران التي أفقدت نظام طهران كثيرًا من قوته وقدرته على زعزعة الأمن والسلم الإقليمي والدولي –حسب رأي الجمهوريين- مستمرة إذا ما أُعيد انتخاب ترامب لفترة رئاسية جديدة، وأنها هي التي ستُجبر النظام الإيراني على التراجع واللجوء إلى طاولة المفاوضات مع واشنطن، وأن ذلك ما سيتحقق في ولايته الجديدة.

  • تقويض توجهات الديمقراطيين

بينما يدفع الديمقراطيون ومرشحهم للرئاسة جو بايدن بأن السياسة التي اتبعها ترامب حيال طهران كانت فاشلة ولم تؤدِ إلى وقف النشاط الإيراني المزعزع للاستقرار أو وقف النشاط النووي الإيراني الذي ازداد حسب تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بات متوقعًا أن يتبع بايدن حال فوزه في الانتخابات سياسة مغايرة لسياسة ترامب، ويلجأ إلى التحاور مع النظام الإيراني والعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران بدلًا من سياسة فرض العقوبات. 

ويهدف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من خلال هذه العقوبات إلى تعقيد أي مساعٍ ديمقراطية لإنهاء سياسة الضغط الأقصى التي انتهجها ضد إيران أو العودة للاتفاق النووي الذي انسحب منه.

  • معاقبة أوروبا

كانت الدول الأوروبية وخاصة الثلاثي ألمانيا وفرنسا وبريطانيا معارضة بشكل كبير لتوجهات واشنطن بشأن تمديد العقوبات الأممية وحظر توريد الأسلحة على إيران، رغم تأكيدها أن المخاوف الأمريكية من انقضاء أمد هذه العقوبات واقعية. وهو ما أصاب واشنطن بخيبة أمل من حلفائها الأوروبيين.

ولذلك تشير العقوبات الأخيرة التي تنص على فرض عقوبات ثانوية أو إجراءات نفاذ على المؤسسات المالية والأشخاص الذين ينخرطون في معاملات أو أنشطة معينة مع الكيانات الخاضعة للعقوبات بعد فترة الـ45 يومًا إلى أنها موجهة أيضًا إلى أوروبا. إذ تمنع العقوبات الأمريكية المؤسسات الأوروبية من التعاون مع إيران وفق آلية “انستكس” للتبادل التجاري، في الوقت الذي تمثل فيه القارة الأوروبية وجهة نحو 64% من إجمالي الصادرات الإيرانية.

خيارات إيران

ربما تهدف الإدارة الأمريكية من وراء العقوبات تضييق الخناق على النظام الإيراني واقتصاده المُنهار وغلق أي منفذ يمكن لطهران الحصول على إيرادات ومن ثم خفض الإيرادات المالية إلى وكلاء طهران في المنطقة عبر الحرس الثوري الإيراني الذي ذكرت وزارة الخارجية الأمريكية أن تمويله ارتفع بمقدار الثلث خلال العامين الماضيين، وصولًا إلى تحجيم عملياتها المزعزعة للاستقرار. بيد أن الوضع الراهن قد يدفع طهران إلى سيناريو آخر.

ففي ضوء المواجهة المندلعة على الأراضي العراقية مع الميلشيات المسلحة التابعة لإيران التي تستهدف المصالح الأمريكية في العراق بصورة دورية مما أدى إلى تلويح وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بسحب البعثة الدبلوماسية الأمريكية من بغداد وغلق السفارة، يمكن أن تزيد هذه العقوبات الأخيرة من نشاط هذه الميلشيات الإيرانية في العراق لاستهداف المصالح الأمريكية والدولية، وزعزعة تصورات الإدارة الأمريكية الجمهورية أمام الناخبين الأمريكيين والعالم حول الاستقرار وأمن المصالح الأمريكية في المنطقة.

وبينما تنجح واشنطن من خلال العقوبات التي استهدفت البنوك الإيرانية في تعميق الأزمة الاقتصادية وزيادة معاناة الإيرانيين المعيشية والاقتصادية ومن ثم زيادة الغضب الشعبي ضد النظام الإيراني، وإعاقة تنفيذ مخططاته في إبرام صفقات أسلحة ضخمة مع كل من روسيا والصين، فإن هذه العقوبات تدفع نظام طهران إلى تعميق تحالفه مع موسكو وبكين على الصعيدين الاقتصادي والأمني وبصورة أكثر عمقًا من صفقات التسليح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى