تركيا

كاتب روسي ‏يرصد التحول التركي من مشروع “الإسلاموية العثماني الجديد” إلى مشروع “القومية التركي”

عرض- داليا يسري

رصد الكاتب الروسي أندريه إيساييف، التحول التركي من مشروع “الإسلاموية العثماني الجديد” إلى مشروع “القومية التركي”.

وقال إيساييف، في مقال له تحت عنوان “تركيا والصراع في “ناغورني قره باغ” نشره في مجلة الحياة الدولية السياسية الروسية، إن موقف تركيا من النزاع الجاري في “ناغورني قره باغ”  يتعارض مع العديد من الدعاوى الدولية التي تطالب الطرفين بوقف الأعمال العدائية.

وذكر أن أنقرة لم تُكتف بتقديم الدعم الدبلوماسي لباكو فحسب، بل بدأت بنقل المرتزقة من سوريا وليبيا الى منطقة الصراع المتأجج الجديدة، وفقا لما نقله عدد من المصادر الإعلامية بالإضافة إلى سياسيي عدد من الدول كذلك.

واستشهد الكاتب الروسي بما ذكرته صحيفة الـ”جارديان” البريطانية خلال منتصف شهر سبتمبر الماضي، عندما أكدت أنه يجري في ذلك الوقت عملية إعداد مقاتلين موالين لتركيا بأياد ضباط أتراك في مدينة “عفرين” السورية بغرض ارسالهم للقتال على الجبهة في “ناغورني قره باغ”، فيما علقت أنقرة من ناحيتها، على هذه التقارير بوصفها بكلمة تلميحات، وترد بتقارير مماثلة تؤكد وجود مقاتلين أجانب على الجبهة الأرمنية ولاسيما مقاتلون منتمون إلى حزب العمال الكردستاني.

ولفت الكاتب إلى ما يظهر بوضوح عبر خطابات أنقرة الرسمية، والتي تواصل إعلانها الدعم التركي المطلق للجانب الأذري، بالإضافة الى تصريحات الرئيس التركي رجب الطيب إردوغان، والذي يواصل دائما إعلان “أن تركيا من كل قلبها وبكل ما تملك من إمكانيات سوف تظل دائما إلى جانب دولة أذربيجان الصديقة والشقيقة.. وصولا إلى لحظة تحرير الأراضي الأذرية المُحتلة من قِبَل أرمينيا.. وعندها فقط سوف يعم السلام والهدوء المنطقة”.

وسلط الكاتب الضوء على تفاعل وزارة الخارجية التركية مع النزاع، قائلاً بأنه حتى هذه المؤسسة السيادية تتابع ترديد العبارات الرنانة للرئيس التركي، على غرار؛ تصريح وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو “تركيا تقف إلى جانب أذربيجان في ساحات المعارك وعلى طاولات المفاوضات”، أو المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية، حامي أكسوي، “سوف نقدم لأذربيجان كل المساعدات التي تطلبها”.

وتابع الكاتب الروسي قائلا:” الرأي العام التركي يؤيد بشكل رئيسي تقديم الدعم لأذربيجان، إلا أنه توجد هناك وجهات نظر بديلة، منها على سبيل المثال؛ ما تعتقده صحيفة “إيفيرنسيل”، بأن إدارة إردوغان تُعد أول اللاعبين الإقليميين الذين يتوقون للتدخل في شؤون دول أخرى بشكل ينبع من روح طموحاتهم التوسعية”. لكن هذه الأصوات لا تخرج عن إطار كونها مجرد تحذيرات ليس أكثر.

ووصف “مسالك” السياسة التركية الحديثة، بأنها سياسة خارجية متعددة الأطوار تسود عليها طابع العثمانية الجديدة، أو بمعنى آخر مصطلح “الإسلاموية”، أو التضامن التركي، كما حدث منذ أوائل التسعينيات ولايزال يحدث حتى الوقت الراهن.

وأضاف أن هذه التدخلات عادة ما تكون بفعل انتكاسات وسقطات تعرضت لها تركية على جبهات أخرى، ولاسيما الاقتصادية منها. على سبيل المثال، ما لاقاه الجيش التركي من فشل فيما يخص انشاء ممر آمن مستمر على طول خط الحدود في شمال سوريا، وعلى طول المقاطعات الجنوبية الشرقية من تركيا، حيث ينشط المسلحون الأكراد بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية ومن يديرون أراضي الجوار في سوريا والعراق. وبالإضافة الى ذلك يُذكر أن موسكو ودمشق قد أعلنتا لأنقرة أكثر من مرة أن معقل الإسلاميين في إدلب هي منطقة تقع تحت مسؤولية تركيا بشكل مؤقت.

وفي ليبيا، أعلنت الأطراف المتحاربة -21 أغسطس الماضي- وقف إطلاق النار، ثم بدأت عملية المفاوضات فيما بعد. وهي الخطوة التي علقت عليها صحيفة “إيفيرسنيل”، بأن قالت إن الغياب الطويل لرد الفعل التركي على هذه الخطوة، تشهد على أن الاتفاقيات التي تم توقيعها بين طرابلس وطبرق أصبحت بالفعل خلف ظهر أنقرة. خاصة وأن أنقرة نفسها كانت من أصرت على أن حكومة الوفاق الوطني الحليفة لها لن توافق أبدًا على هدنة إلا في حال تسليم مدينتي سرت والجفرة. وفي الوقت نفسه، ترفض قيادة الجيش الوطني الليبي لخليفة حفتر بشكل قاطع أي تواصل يربطها مع الأتراك. وتلى ذلك أن أعلن رئيس الوزراء الليبي فايز السراج والمعروف بولائه الشديد لأنقرة عن قرار استقالته من الحكومة.

وعلى ساحات أخرى، يرى الكاتب أن عمليات تسارع توقيع اتفاقيات سلام عربي مع إسرائيل تعكس بوضوح الطريقة التي تغيرت بها أولويات المواجهة لدى العرب. إذ أنه يمكن أن نفهم من ذلك أن العرب لم يعد يُقلقهم المواجهة مع “الدولة اليهودية”، وأنهم أصبحوا الآن أكثر قلقًا من أنشطة السياسة الخارجية لدولتي تركيا وإيران. حيث رفضت جامعة الدول العربية، التي تلعب فيها السعودية وحلفاؤها أدوارا قيادية، إدانة تصرف البحرين والإمارات.

وذكر أن الأوضاع في مياه حوض شرق البحر الأبيض المتوسط آخذة في التغير. وهنا يجب علينا أن نتذكر كيف تم الإعلان في يناير 2019، عن انشاء منتدى الغاز لدول شرق المتوسط، بالاشتراك بين مصر وإسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا والأردن وفلسطين. ويقوم المنتدى على التنسيق بين الدول المشاركة في عمليات بيع وإنتاج الغاز. ولم تتلق أنقرة دعوة للانضمام إلى المنظمة.

ويقول الكاتب، أن هذه الخطوات –إلى جانب تحركات تركيا في ليبيا- أثارت التوترات في علاقاتها مع عدد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، لاسيما مع قبرص وفرنسا واليونان. كما منحت هذه التصرفات المبررات اللازمة للمثل الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، جوزيب بوريل، والرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، لتوجيه اتهامات للقيادة التركية بأنها ذات طموحات إمبريالية.

وبعد أن هددت أوروبا تركيا بسلاح العقوبات، وأصدر حلف الناتو عددا من التحذيرات لأنقرة، أجرى وزير الخارجية الأمريكي، “مايك بومبيو” زيارة مهمة إلى اليونان وقبرص، حاملاً معه رسالة من “إردوغان” مفادها أن تركيا مستعدة للحوار المفتوح مع اليونان من دون شروط مسبقة. تلى ذلك أن انعقدت جولة مفاوضات في أوائل أكتوبر الجاري، نتج عنها أن توصل الجيشان التركي واليوناني الى تفاهم حول المبادئ العامة للعلاقات، وأنشأ الطرفان خطً ساخنً لأجل حل الصراع في شرق البحر المتوسط، وعادت السفن التركية إلى موانئها.

وعلق الكاتب قائلاً إن كل هذه الأحداث تُجبر تركيا على إعادة تركيز جهودها على المحور العثماني، الذي بدأ الاهتمام به اعتبارا من عام 1990، ولم يقل اهتمام أنقرة به.

ويرى الكاتب أنه وفقًا لما نشرته صحيفة “الرأي اليوم” البريطانية الصادرة باللغة العربية، أن السلطات التركية لا تعترف بالحقيقة الواضحة وبأن لا واشنطن ولا جميع أعضاء حلف “ناتو” سيسمحون لها بإعادة احياء الإمبراطورية العثمانية القديمة في أي حال من الأحوال. مما يعني أن كل هذه التحركات لا تستحق هذا العناء.

ويسرد الكاتب كيف تواصل تركيا –بالتدرج- العمل على تعزيز علاقاتها الشاملة مع أذربيجان ودول آسيا الوسطي، بالشكل الذي يشتمل على محاور عدة؛ منها العلاقات الثقافية والعسكرية والتقنية، فضلاً عن العلاقات ذات الصلة لدى بلدان أخرى مثل أفغانستان. إذ أن أنقرة قررت أن تحذو حذو طهران، المعروفة برعايتها للشيعة الأفغان، وتقوم هي الأخرى برعاية الأتراك هناك. وفي عام 2006، حازت أنقرة على حق تشكيل فريق إعادة إعمار “فارداك”، وبعد مرور أربع سنوات انضمت إليه مقاطعتا “دجاوزدان وساري بول”. كما يُحافظ الدبلوماسيون الأتراك على علاقات وثيقة مع رشيد دوستوم، والذي يُعد شخصية مؤثرة وطموحة ويتلقى دعما رئيسيا من المجتمعين الأوزبكي والتركمان.

كما بقيت رابطة هيئات إنفاذ القانون الأوروآسيوية في حالة سكون على مدار عدد من السنوات الماضية. ومن المتوقع أن يعمل الصراع الأذربيجاني الحالي على تنشيط التفاعل بين الدول الأعضاء، ومن ضمنهم أذربيجان وتركيا وقيزغستان ومنغوليا. ومؤخرًا، أعلن الخبير العسكري التركي، “كان ساريآيدن”، أن من المقرر أن يتم الإعلان عن جيش موحد للدول التركية في 29 أكتوبر القادم. ولو صح هذا الحديث، فإنه من المتوقع أن تكون أنقرة هي اللاعب الأهم في هذا المشروع.

وفي الوقت الراهن، تُعد العلاقات التركية الأذربيجانية من أقرب العلاقات الدولية التي نجحت أنقرة في تطويرها، بحيث تُطلق أنقرة على هذه العلاقات صيغة “دولتان وأمة واحدة”. بغض النظر من أن الأيديولوجية الرسمية لتركيا لا تزال قائمة على مبدأ السيادة الوطنية، وأنه ليس من السهل أن يتم رسم الخطوط الفاصلة بين القومية التركية الأصلية في شكلها الرسمي والظاهرة التركية الطامحة لعبور الحدود، والتي قد تأسيسها على يد الأب الروحي للدولة التركية الحديثة، مصطفى كمال أتاتورك، الذي أصر مرارًا وتكرارًا على أن كلمة “تورك- تركي” يتم استخدامها للإشارة الى اثنية جميع سكان البلاد، ويتم استخدامها في الوقت نفسه لأجل الإشارة الى ممثلي كل الشعوب التركية. 

وبالعودة إلى “ناغورني قره باغ” تجدر ملاحظة كيف يؤتي العمل الدبلوماسي الروسي الدؤوب بثماره، وأثر ذلك على أنقرة بالشكل الذي دفعها تُطلق تلميحات تعكس إمكانيات التوصل إلى حلول وسط. والدليل على ذلك أن أشار الكاتب الى المكالمة الهاتفية، التي جرت بين وزراء خارجية البلدين لصالح الوقف الفوري للأعمال العدائية، وأن أكد الطرفان استعدادهما للتنسيق الوثيق لكل الإجراءات التي تتخذها روسيا وتركيا لصالح استقرار الأوضاع وعمل إعادة تسوية جديدة للنزاع في “ناغورني قره باغ” في أقرب وقت ممكن من خلال قناة مخصصة للمفاوضات.

ربما لهذا السبب يكون من الصعب أحيانًا فهم طبيعة التفاوت بين مساحات السياسة الخارجية التركية الحديثة، ويمكن القول إن تركيا على الرغم من كل شيء تظل دولة قابلة للجلوس على طاولة المفاوضات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى