أوروبا

في طريقه للاستمرار ضمن فرنسا .. تعرف على أرخبيل “كاليدونيا الجديدة”

بات أرخبيل “كاليدونيا الجديدة” في طريقه للاستمرار ضمن التبعية لفرنسا ضمن أقاليم ما وراء البحار الفرنسية، بعد أن أظهرت نتائج استفتاء الانفصال عن فرنسا رفض غالبية السكان مسألة الاستقلال.

وشهدت صناديق الاقتراع، التي فتحت أبوابها اليوم الأحد، إقبالًا كثيفًا من قبل الناخبين، الذين ذهبوا لها من أجل تقرير مصير بلادهم، سواءً بالاستمرار ضمن الجمهورية الفرنسية أو بداية عهد جديدٍ للبلد الواقع في منطقة أوقيانوسيا، أقصى مشارق الأرض.

وأسفرت نتائج الاستفتاء عن فوز الأصوات الرافضة للاستقلال بنسبة تقدر بـ 53,26%. ووفقًا لهذه النتائج، يبقى الأرخبيل ضمن السيادة الفرنسية في ثاني استفتاء من نوعه حول الاستقلال.

على الرغم من أن النتيجة تعكس تقاربا شديدا بين الكتلة المعادية للتبعية الفرنسية والكتلة الراغبة في ذلك. مما يشير إلى وجود انقسام عميق داخل مجتمع الأرخبيل سوف ينبغي على فرنسا التعامل معه بالشكل الذي يحول دون وقوع هزات سياسية وأمنية في المستقبل القريب.

ووفقًا للنتائج الرسمية، فإن التصويت قد شهد نسبة مشاركة عالية بلغت قرابة 86%، بالشكل الذي تجاوز الكتلة التصويتية خلال الاستفتاء الماضي عام 2018، والذي لم تتجاوز فيه النسبة معدل الـ 80,63% فقط.  يشار إلى أن فرنسا في هذه الحالة تفوز للمرة الثانية، إذ أن نتائج تصويت 2018 انتهت أيضًا بفوز الرافضين للانفصال عن باريس بنسبة 56,7 بالمائة، مما يسمح لباريس بالاحتفاظ بإحدى قواعدها المهمة في منطقة المحيط الهادئ، في ظرف تحولات جيوسياسية عميقة تجري في العالم على حساب نفوذها الإقليمي والدولي.

بعد إعلان النتائج النهائية للتصويت، عبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بهذه المناسبة عن عرفانه لقرار سكان أرخبيل كاليدونيا الجديدة، البقاء ضمن السيادة الفرنسية، وأكد التزامه بتنظيم استفتاء ثالث بعد عامين في حال تمسك به أهل الأرخبيل.

ما هو أرخبيل “كاليدونيا الجديدة؟”

أرخبيل كاليدونيا الجديدة عبارة عن مجموعة من الجزر تقع في بحر كورال، وتتألف أراضيها من إجمالي هذه الجزر التي تقع في الجزء الجنوبي الغربي من المحيط الهادئ إلى الشرق من استراليا على مسافة تمتد إلى 1780 كيلو مترا، كما تتلامس حدودها مع خط العرض 20 جنوب خط الاستواء، ومن ناحية الجنوب الشرقي منها يمتد بحر فيجي، وتنحصر أراضيها بين خطى الطول 163 و168 شرق جرينتش. وتبلغ المساحة الإجمالية لكاليدونيا الجديدة مساحة 22225 كم.                                                 وتُعد جزر كاليدونيا جزءا من فرنسا، وهي مجموعة من الجزر يفصلها عن باريس مسافة 20 ألف كيلو متر. وعلى الرغم من مساعيها للاستقلال، وتمتعها بدرجة كبيرة من الحكم الذاتي، إلا أنها تعتمد على فرنسا في كثير من الأمور المتعلقة بالدفاع والتعليم. كما يعتمد اقتصادها على دعم سنوي مقدم من فرنسا تقدر قيمته بنحو 1,3 مليار يورو، بالإضافة إلى دخلها القومي من رواسب النيكل التي تقدر بنحو 25% من اجمالي رواسب النيكل على مستوى العالم. كما تحقق أرباحا هائلة من إيرادات السياحة.              ويتألف سكان الأرخبيل الذين يبلغ عددهم 270 ألف نسمة، من حوالي 40% من الكاناك، و27% من الأوروبيين، ويطلق الآخرون على أنفسهم اسم المختلطين، من أصول أخرى أو من دون انتماء.

نظرة تاريخية على أرخبيل كاليدونيا الجديدة

تاريخيًا، بدأت أنظار الدول الأوروبية تتجه نحو هذه الجزر بالتزامن مع بداية الاكتشافات الجغرافية لجزر القارة الأسترالية مطلع القرن السادس عشر. حيث بدأت أفواج من المهاجريين الأوروبيين تتدفق نحوها وتستقر في أراضيها.

وفي عام 1853، وضعت فرنسا يدها على هذه الجزر، وأصبحت تتبعها من ذلك الوقت. ويُعد السبب الرئيسي الذي دفع فرنسا لاتخاذ هذه الخطوة هو موقع الجزر ذو الطابع الاستراتيجي، والذي يُشكل حلقة وصل بين أمريكا الشمالية من جهة، وأستراليا من جهة أخرى. علاوة على ذلك فهي أرض غنية بالثروات المعدنية. إذ أنها تُعد أحد أكبر منتجي النيكل في العالم، بالإضافة الى امتلاكها لثروات معدنية أخرى مثل الكروم والحديد والكوبالت والفضة والذهب والرصاص والنحاس.

وتتمتع هذه الجزر أيضًا بثروات زراعية شديدة الجودة من ضمنها تميزها في مجالات زراعة البن ونخيل جوز الهند وثمرات الموز والأناناس. كما أن تميزها بمناخ مداري فريد من نوعه لم يساعدها على أن تتميز في مجالات زراعة أنواع مختلفة ومطلوبة حول العالم من الخضروات والفاكهة، بل ساعدها كذلك على أن تكون موطنا لعدد من الطيور النادرة التي لا يمكن العثور عليها إلا هناك. وكل هذه العوامل وغيرها جعلت من هذه الجزر تحتل مكانة مهمة على الخريطة العالمية وتتحول لمحط أنظار ومرحلة مهمة للفرنسيين.

وعملت فرنسا منذ توليها شؤون الحكم في الجزيرة على انشاء مطارً ومرفأ يُعد من أهم المرافئ المطلة على المحيط الهادئ وجزره. كما تحتوي كاليدونيا الجديدة على محطات استراتيجية للكابلات البحرية الممتدة في المحيط الهادئ، وفي الوقت نفسه تلعب دورًا مهما باعتبارها محطة توقف للتزود بالوقود على طرق الملاحة البحرية والجوية.   

وفي أعقاب التوترات الحادة الناجمة عن المطالبة بالاستقلال في الثمانينيات، وقعت اتفاقات بين باريس ونوميا لمنح الجزيرة الفرنسية منذ 1853، حكما ذاتيا واسعا. وفي 1998، تم إطلاق اتفاقية نوميا مسيرة تدريجية لإزالة الاستعمار من خلال تنظيم استفتاء حول تقرير المصير. 

وفي الوقت الراهن، تتمتع جزر كاليدونيا بأهمية كبيرة في الجزء الجنوبي الغربي من المحيط الهادي. وتتزايد أهميتها في عالم اليوم بالتزامن مع تغيرات جيوسياسية كبيرة يشهدها العالم أجمع. يأتي من ضمنها رغبات الصين في توسعة نفوذها في المحيط الهادئ.

طبيعة الحكم في كاليدونيا

كاليدونيا الجديدة في الوقت الحالي هي أحد أقاليم فرنسا فيما وراء البحار. يتولى السلطة في الجزيرة “مفوض عام” و”برلمان محلي” مكون من أربعة وخمسين عضواً منتخباً لمدة ست سنوات. ويتم تمثيل هذه الجزر من خلال عضوين في الجمعية الوطنية وبعضوٍ في مجلس الشيوخ الفرنسي.

وبعد أن فازت فرنسا في استفتاء 2020، فإنه من المقرر أن يُجرى استفتاء أخير في تاريخ عام 2022، على أن يتم اعتماد هذه النتيجة باعتبارها نتيجة نهائية سواء كانت في صالح الراغبون في الاستقلال أو في صالح خصومهم.  

وفي حالة خروج النتائج النهائية في تصويت 2022، برفض التبعية الفرنسية، فإن فرنسا سوف تخسر جزء شديد الأهمية من نفوذها في المحيط الهادئ. وستشهد الجزر على الفور فترة انتقالية تمهيدًا لاستعداد الأرخبيل لاستقبال وضعه المستقبلي. واحتمال الاستقلال عن فرنسا سيكون سابقة منذ استقلال جيبوتي في 1977 وفانوتو في 1980، المستعمرة السابقة الفرنسية-البريطانية، المجاورة لكاليدونيا الجديدة. 

 وزار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون جزر كاليدونيا قبيل اجراء استفتاء كاليدونيا لعام 2018، ومن أبرز تصريحاته حول الجزيرة، أن قال إن هذه الزيارة مناسبة “لتكريس لحظات مهمة في تاريخنا المشترك، لحظات كانت مؤلمة في بعض الأحيان”، مشيرا إلى “الذكرى الثلاثين لأحداث أوفيا”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى