أوروبا

الخيار الثاني للجميع.. الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء

دمرت عدة حرائق مخيم “موريا” للاستقبال في جزيرة “ليسبوس” اليونانية بالكامل خلال يومي 8 و9 سبتمبر. وبالرغم من عدم تسجيل أي وفيات أو إصابات خطيرة، فقد تُرك 12362 رجل وامرأة وطفل بلا مأوى. تلك الحادثة التي تصاعد على إثرها عدد من المظاهرات بالجزيرة بسبب الأوضاع السيئة الذي يعيشها اللاجئون. وكانت الشرارة لتقديم مقترح الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء الذي طال انتظاره يوم الأربعاء 23 سبتمبر 2020 في بروكسل من قبل المفوضية الأوروبية.

يتضمن الميثاق المقترح عديدًا من النقاط محل الخلاف، ونقاط أخرى بدت كخطوة على الطريق الصحيح بالنسبة للعديد من المراقبين. وفى حال ما تم التصديق على الميثاق بعد التفاوض عليه، فإنه سيسري بداية العام المقبل استنادًا إلى تقرير مكوّن من 450 صفحة أعده خبراء وقانونيون ودبلوماسيون في الاتحاد، ليكون الأشمل في تاريخ الهجرة واللجوء منذ “معاهدة جنيف” في عام 1951.  ومتى سرى الميثاق، فسيواجه نحو 4 ملايين مقيم بصفة غير قانونية ممن رُفضت طلبات لجوئهم شبح تهجيرهم لبلدانهم الأصلية، بالإضافة إلى تحول أوروبا لمنطقة أقل جذبًا للهجرة واللجوء.

أبرز بنود الميثاق

إصلاح نظام دبلن

لقد وُضع “نظام دبلن” الخاص بنظام اللجوء عام 1990 وأدخلت عليه إصلاحات في 2013. ينص النظام أن تتولى أول دولة يدخلها المهاجر في الاتحاد الأوروبي، النظر في طلب اللجوء بهدف منع تنقل مهاجرين غير مسجلين في دول الاتحاد الأوروبي. هذا النظام الذي نتج عنه أزمة توزيع الغير المتساوي للاجئين أثناء أزمة 2015، وترتب عليه فتح ألمانيا أبوابها للاجئين واستقبال أكثر من مليون لاجئ، وعدم قبول دول أخرى أبرزها دول مجموعة فيشغراد (المجر-بولندا- التشيك- سلوفاكيا) أضافة للنمسا لأي استقبال للاجئين، الأزمة التي خلفت انقسامات عميقة بالاتحاد للآن.

وعليه ينص الاقتراح الجديد على أن النظام الأساسي سيتم الإبقاء عليه كأحد الخيارات الأساسية، إضافة لإمكانية أن تكون الدولة المسؤولة عن النظر في طلب اللاجئ هي دولة تأوي شقيقًا أو شقيقة له أو دولة عمِل أو درس فيها أو أعطته تأشيرة في الماضي، وإذا لم تتوفر أي من هذه الحالات، فتبقى الدولة الأولى التي وصل إليها المهاجر مكلّفة بالنظر بطلبه.

تضامن إلزامي

 تقترح المفوضية في الميثاق الجديد أن لأي دولة من ال 27 دولة الحق في “طلب آلية التضامن”، عندما تتعرض لموجة هجرة أكبر من استيعابها مثل أزمة الهجرة في 2015. حينها على الدول الأخر – تضامن إلزامي- تجاه تلك الدولة. وعرضت المفوضية طريقتين لمساعدة تلك الدولة؛ الأولى هي التطوع لاستقبال المهاجرين والتخفيف عن تلك الدولة، والثانية أن تتولى مسؤولية إعادة الأشخاص إلى موطنهم الأصلي، ممن رفضت إقامتهم في أوروبا.

آلية جديدة لاستبعاد اللاجئين

وتنصّ الخطة أيضا على آلية سريعة لاستبعاد المهاجرين الذين من غير المُرجح أن يحصلوا على حماية دولية، وهم بحسب المفوضية، أولئك القادمون من دول تسجّل معدل استجابة لطلبات اللجوء أقلّ من 20 في المئة مثل تونس والمغرب، حيث يتوقع أن ينظر في طلبات الهجرة على الحدود التي وصلوها في غضون ثلاثة أشهر على أقصى تقدير.

تحسين إدارة الحدود الخارجية

تقترح المفوضية تقديم إجراء حدودي متكامل، والذي يتضمن لأول مرة فحصًا قبل الدخول يغطي تحديد هوية جميع الأشخاص الذين يعبرون الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي دون إذن أو الذي تم إنزالهم بعد عملية بحث وإنقاذ. وسيتطلب ذلك أيضًا فحصًا صحيًا وأمنيًا، وأخذ البصمات والتسجيل في قاعدة بيانات” Eurodac” بعد الفحص، في مدة أقصاها خمسة أيام. لذا خطط الاتحاد الأوروبي لتسريع عملية المعالجة على الحدود الخارجية، من خلال نشر فيلق دائم تابع لخفر السواحل على الحدود الأوروبية اعتبارًا من يناير 2021.

تعزيز التعاون الخارجي

شددت المفوضية على إن التعاون مع الخارج، أحد أهم السبل للسيطرة على ملف الهجرة وإعادة النازحين. لذا أكدت المفوضية في اقتراحاتها سعيها لدعم شراكاتها على كافة المستويات سواء بشكل ثنائي أو إقليمي أو دولي، من خلال مجموعة واسعة من السياسات وأدوات التمويل: من التعاون الإنمائي والاستثمار والتجارة إلى التوظيف وسياسة التأشيرات والتعليم والبحث. 

وللاتحاد حالياً 24 اتفاقية إعادة مع دول خارج الاتحاد، لكن كلها “لا تصلح”، بحسب مفوضة الشؤون الداخلية الأوروبية “إيلفا يوهانسون”. وعليه فإن وإحدى وسائل الضغط التي اقترحها الميثاق ستكون نشر تقارير سنوية تقيّم قدرة دولة ما على إعادة استقبال مواطنيها وفى حال تخاذلها فسيتم تقييد منح تأشيرات لمواطني الدول التي ترفض استعادة مواطنيها، بالإضافة لدعم الدول في كبح الهجرة قبل وصول اللاجئين إلى أوروبا. وبهدف زيادة عدد العائدين إلى دولهم الأصلية، ستعيّن المفوضية منسقاً سيتعاون مع شبكة “خبراء” في الدول الأعضاء” وسيكثّف المفاوضات” مع الدول الأصلية.

أضاف الميثاق كذلك بندين مهمين، أولهما إلزام جميع الدول الأعضاء باستضافة حصص من اللاجئين مقابل تمويل من ميزانية الاتحاد الأوروبي. وثانيهما يتبنى الميثاق آلية تتعلق بعمليات الإنقاذ في البحر، تقترح حماية المنظمات غير الحكومية التي تقوم بعمليات الإغاثة من الملاحقات القانونية.

تفاعلات متباينة

يمكن القول بشكل عام أن هناك اختلافًا في التعاطي من قبل الجهات المعنية في الساحة الأوروبية، حيث أكد المسؤولون التنفيذيون للاتحاد أهمية هذا الميثاق المقترح في حل أزمة الهجرة. فصرّحت رئيسة المفوضية الأوروبية “أورسولا فون دير لاين”، أن هذا الإصلاح أمّن “توازنا عادلا ومنطقيا” بين الدول الـ 27 الأعضاء في الاتحاد. كما أنه كرس مفهوم “المسؤولية والتضامن” بين هذه الدول فيما يتعلق بملف الهجرة. وأضافت “علينا أن نجد حلولا دائمة لمسألة الهجرة”، مشيرة إلى أن حريق مخيم “موريا” في اليونان الذي كان “تذكيراً قاسياً” بذلك..

وأكد نائب رئيس المفوضية “ماغاريتس شيناس” الذي عرض الميثاق في مؤتمر صحفي في بروكسل: “أن الميثاق يقدم رؤية جديدة للهجرة تأخذ بعين الاعتبار مخاوف الدول الأعضاء، خياراتها السياسية، موقعها الجغرافي، فالكل دولة عضو نظرة، مخاوف ومقاربة مختلفة لملف الهجرة”. وقالت مفوضة الشؤون الداخلية “إيلفا جوهانسون”: “لطالما كانت الهجرة وستظل دائمًا جزءًا من مجتمعاتنا. وإن ما نقترحه سيبني سياسة هجرة طويلة الأمد يمكنها ترجمة القيم الأوروبية إلى إدارة عملية”، هذا على صعيد.

أما على الصعيد الأخر، فأعلن زعماء المجر وبولندا والتشيك رفضهم لمشروع المفوضية الأوروبية الجديد بخصوص اللجوء والهجرة، إثر محادثات أجروها مع كبار مسؤولي الاتحاد الأوروبي. فصرّح رئيس الوزراء المجري “فيكتور أوربان” للصحفيين بعد محادثات مع رئيسة المفوضية “أورسولا فون دير لاين” في بروكسل بأن “لهجة الاقتراح أفضل، ولكن لا يوجد اختراق “.  وأعلن إن هذه الإجراءات غير كافية، وأصر على ضرورة فرز اللاجئين في مخيمات خارج أوروبا.

وأوضح “أوربان” المعروف بمواقفه المعادية للاجئين أنّ “الاختراق يعني نقاط تجميع خارجية، أي لا يمكن لأحد أن يخطو على أرض الاتحاد الأوروبي دون الحصول على إذن بذلك”، في إشارة إلى فكرة مراكز الفحص الموجودة خارج أوروبا وأضاف قائًلا: ” إن النهج الأساسي لم يتغير، لأنهم يرغبون في إدارة الهجرة وليس وقف المهاجرين”. ووافقه رئيس الوزراء التشيكي “بابيش” في الطلب على النقاط الساخنة خارج أوروبا.

أما النمسا، التي اتجهت نحو سياسة معادية للهجرة في ظل الحكومات الأخيرة برئاسة المحافظ “سيباستيان كورتز”، فقد جاء موقفها حذراً ومطمئناً في الوقت نفسه من المشروع الجديد. وأعلن وزير الداخلية النمساوي “كارل نيهامر” إن المفوضية في مقترحها، تقدمت كثيراً باتجاهنا، لا سيما فيما يتعلق بعملية التوزيع وحماية الحدود الخارجية والتعاون مع دول من خارج الاتحاد”.

فيما ناهضت عديد من المنظمات غير الحكومية بنود الميثاق، فاعتبرت منظمة “أوكسفام” غير الحكومية أن المفوضية الأوروبية “تنازلت للحكومات المناهضة للهجرة”. ونددت منظمة “سي ووتش” الألمانية التي تنفذ عمليات إنقاذ للمهاجرين في المتوسط، ما وصفته بالتصريحات “الصادمة”، مذكرةً بأن “الحاجة إلى الحماية الفردية لا يمكن تقييمها عبر إجراء سريع على الحدود”، وكذلك انتقد المرصد الأور ومتوسطي لحقوق الإنسان ميثاق الاتحاد الأوروبي الجديد للهجرة، مؤكدًا أنه يقوم على الردع والترحيل القسري ويفتقد لمعايير حقوق الإنسان المكفولة في المواثيق والاتفاقيات الدولية ذات العلاقة.

وقالت “ميشيلا بولييز”، الباحثة في شؤون اللاجئين والمهاجرين لدى المرصد الأورومتوسطي، إن الميثاق الذي اقترحته المفوضية الأوروبية يظهر مرة أخرى أن النهج الأوروبي لمواجهة الهجرة غير مجدٍ، ففيما ستتم مقايضة مسؤولية الدول الأعضاء في استقبال طالبي اللجوء مقابل المال، بحيث تظل دول المواجهة دون دعم يُذكر، فيما تُمنح الحكومات المناهضة للهجرة مزيدًا من السلطة لرفض المهاجرين وطالبي اللجوء وإساءة معاملتهم.

تحديات رئيسة

في ضوء ما تقدم، يمكن القول إن الميثاق يواجه عددًا من التحديات الرئيسة التي يمكن إجمالها على النحو التالي:

أولًا، صعوبة تحقيق الإجماع: فمن المعروف أن أي تغيير في النظم المعمول بها يتطلّب موافقة الدول الأعضاء والبرلمان الأوروبي. إلا إن المواقف المتصلبة لعدد من دول شرق ووسط أوروبا على رأسهم دول مجموعة فيشغراد بالإضافة للنمسا، يُنذر باستمرار مواقفهم المعادية للاجئين وصعوبة تمرير الميثاق.

ثانيًا، إن الضغط سيستمر على دول الواجهة: فمن المعروف أن أغلب تلك الدول تواجه أزمات مالية، لذا فإن الدول الغنية ستسعى للتخلي عن مسؤولياتها في استقبال اللاجئين بتقديم الأموال لتلك الدول لتنوب عنها في استقبال أو نقل اللاجئين، وهو ما سيؤدي لاستمرار الضغط على تلك الدول.

ثالثًا، ضغط الوقت؛ إن الأوقات المقترحة في الميثاق لفحص طلبات اللاجئين في مدة أقصاها خمسة أيام، سيؤدي إلى عدم الجدية في الفحص وتفنيد الطلبات، وسيوفر ذريعة للدول المعادية للاجئين للإسراع في التخلص منهم وترحيلهم.

رابعًا: التملص من المسئولية: إن الميثاق المقترح بالرغم من إنه سعى لمعالجة مشكلات حقيقة كمراقبة الحدود وتقديم المعونة للدول لحماية حدودها، ومحاولة التأكيد على التضامن الإلزام بين دول الاتحاد. إلا أنه أعلى من قيمة الأمن على الإنسانية، بالإضافة لمحاولته تحميل المسئولية لأطراف ثالثة والضغط عليها للاضطلاع بمشاكله.

ختامًا، يبدو إن هذا الميثاق الذي سعي لحل مشكلة سببت انقسامات عميقة ببنية الاتحاد، سيضاف لعدد من القضايا الخلافية الأخرى الأخذة في التزايد بين دول الاتحاد. ولا يبدو في الأفق سبيل واضح لتحقيق الالتفاف الأوروبي حيال قضايا محورية في تحقيق أمنه، بما ينذر بالمزيد من المواقف المتذبذبة والمتباينة داخل الاتحاد والمنعكسة على إضعاف تحركاته الخارجية. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى