تركيا

جنود الخلافة وجنون الخليفة!

أصبح المتابع لتطورات الأحداث في المنطقة لا يجد صعوبة في فهم ملامح مشروع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يرمي إلى استعادة هيمنة أجداده على دول وثروات المنطقة وفقًا لرؤية تعتمد على استخدام ما اصطلح عليه “تيار الإسلام السياسي” بعيدًا عن كون بلاده دولة تدعي أنها جمهورية علمانية طبقًا للدستور؛ وقد حاول أردوغان في البدايات أن يروج لفكرة أنه يقدم نموذجًا معتدلًا للحاكم والحكم الرشيد وانخدع العالم في تلك الدعاية لفترة غير قليلة مقارنة ببقية النماذج المتطرفة التي تنتمي فكريًا لهذا التيار.

حيث تمت عملية الترويج لهذا التيار في كل دول المنطقة بالاتفاق مع التنظيم الدولي للإخوان المسلمين ومكتب الإرشاد في القاهرة ليصبح هذا التيار بديلًا شعبيًا وديمقراطيًا لأغلبية دول المنطقة العربية والدول ذات الأغلبية الإسلامية، اتساقا مع رؤية أمريكية ترى في هذا التيار أنه برجماتى وقادر على إيجاد صيغة تخدم مصالح الولايات المتحدة الأمريكية على حد قول “إيميل نخله” مسؤول الحركات الإسلامية في جهاز المخابرات الأمريكية CIA لسنوات.

الإسلام السياسي في مقابل الإرهاب

في سبيل تحقيق ذلك تم الضغط على معظم دول المنطقة من أجل قبول هذا التيار وتمكينه سياسيًا بحجة أن عدم احتوائه وحصاره وتقويض حركته يساهم في تغذية الجماعات المتطرفة وزيادة وتيرة الإرهاب والعنف في المنطقة والعالم، وتمت عملية الضغط والترويج للفكرة حتى أصبحت من كلاسيكيات التحليل السياسي والمرجعية لتفسير ظاهرة انتشار الجماعات المسلحة التي تدعو للخلافة على طريقة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وأبو مصعب الزرقاوي وأبو بكر البغدادي في مقابل “النموذج المعتدل” الذي تم الترويج له على أنه أردوغان وجماعة الإخوان المسلمين وفروعها في العالم، وهو الأمر الذي وجد فيه أردوغان -الذي ينتمي فكريًا وتنظيميًا لهذا التيار- غايته التي تحقق له حلم عودة الخلافة العثمانية وتحقق له السيطرة السياسية والإقتصادية على دول وموارد المنطقة.

تركيا التي كانت لحظة صعود أردوغان “جمهورية علمانية” حاول قادتها منذ كمال أتاتورك محاربة كل ميراث سيطرة الدين ورجال الدين على السلطة لسنوات وحولتها إلى ما أطلق عليه “رجل أوروبا المريض” سعت إلى الحفاظ على دور لها يحفظ لها عدم الانكماش داخل حدودها وقدمت نفسها كدولة يمكنها أن تخدم مصالح الدول الفاعلة استنادًا إلى ثقلها الجيوسياسي وعضويتها في حلف الناتو للحصول على دعم تلك الدول وتوسيع مساحة الحركة في الإقليم والدول المجاورة والتي كانت ذات يوم ولايات تابعة للتاج العثماني، ولكن استمرت حالة التناقض بين النخبة والقوانين العلمانية والثقافة والهوية التي تنتمى لمرحلة الخلافة والسلطنة خاصة في المدن والأقاليم التي تعيش على الأطراف وخارج المدن الكبرى وهو التناقض الذي شكل ثغرة تسلل منها أردوغان ومن قبله نجم الدين إربكان والمنظرين لهذا التيار من أمثال أحمد داود أوغلو.

حرصت تركيا على أن يكون لها دور وظيفي تلعبه لصالح الدول الكبرى وتسعى من خلاله إلى خدمة مشروعها الجديد وراحت بشكل براجماتي بحت تبحث عن نوع الخدمة التي تقدمها والوسائل التي توظفها والفوائد التي تجنيها. وتجسد هذا في العلاقة الاستراتيجية والتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية والعلاقات التي لم تنقطع يومًا مع إسرائيل والتي بدأت برعاية وتخطيط وتنفيذ من قيادة هيئة الأركان التركية واستمرت في فترة حكم أردوغان رئيسًا للوزراء ثم رئيسًا للجمهورية؛ ثم لاحقًا إيجاد صيغة من التفاهمات والعلاقات مع روسيا في بعض الملفات التي تتقاطع معها في سوريا وليبيا وشرق المتوسط؛ في الوقت الذي يعمل فيه على تشكيل محور يكون أساس لمشروعه التوسعي الذي يضم قطر والتنظيم الدولي للإخوان وكل جماعات العنف في مقابل المشروع الإسرائيلي والمشروع والمحور الإيراني ويحدد بشكل براجماتي متى وكيف يتلاقى معهم على مصالح محددة، ومتى ينافس ومتى يدعي الصدام، ذلك في غياب مشروع عربي مضاد وفراغ استراتيجي سمح له بالتمدد بعض الوقت إلى أن ظهرت الخطوط الحمراء المصرية التي حدت من حركته في ليبيا وشرق المتوسط.

توظيف الإرهابيين والمرتزقة

كانت الصدمة الكبرى التي تلقاها أردوغان هى فشل سيطرة تيار الإسلام السياسي على مقاليد الحكم في دول الربيع العربي خاصة بعد ثورة 30 يونيو2013 في مصر التي أطاحت بحكم مكتب الإرشاد ونظام الرئيس المخلوع محمد مرسي الذي كان مخططًا له أن يكون نقطة ارتكاز ترسخ حكم التيار والجماعات التابعة له في فلسطين وسوريا والأردن وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا والسودان، وصولًا للسيطرة التامة على المنطقة لتنتقل مقاليد الحكم بعد ذلك إلى أنقرة؛ لكن انهيار هذا الحلم كان السبب المباشر في الانتقال إلى الخيار البديل الذي كان له وجود سابق وفعال على مسرح عمليات المنطقة وهو الجماعات الإرهابية المسلحة، حين أدرك أردوغان أن جيشه النظامي التركي بكل حالة التحول والقلق التي يعيشها لن يكون في خدمة مشروعه بالشكل الذي يطمح إليه، فضلًا عن أن هناك محددات ومحاذير دولية وإقليمية وقانونية تعرقل تحرك جيشه النظامي على مسارح العمليات المحتملة إلا في حدود العمليات الحدودية في شمال سوريا والعراق تحت راية محاربة الإرهاب الكردي وحماية الأمن القومي التركي.

وجاءت محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016 لتعيد ترتيب المشهد بين المؤسسات التركية وسمحت لأردوغان بإعادة هيكلة هيئة الأركان وكل قيادات الجيش بزعم تبعيتهم لفتح الله جول ومشاركتهم في محاولة الانقلاب، وهو ما أثار تساؤلات عن ماهية الانقلاب ومدبريه الذين منحوا أردوغان فرصة ذهبية ساعدته على إعادة ترتيب البيت وتقويض صلاحيات المؤسسة العسكرية ودورها، إلا أن هذا لم يكن كافيًا لاستخدام الجيش النظامي بشكل مباشر في تحركاته وأوراقه الإقليمية مكتفيًا بالدور السياسي لوزير الدفاع وتصريحاته وجولاته والدور الخفي في الإمداد والتموين والتسليح والتدريب والدعم لجنود الخلافة “جماعات العنف المسلح” المنتشرين في المنطقة.

كان التفكير المبدئي أن تكون سيناء مقرًا لتلك الجماعات المسلحة، ولكن بعد نجاح ثورة 30 يونيو تغير السيناريو لمكان بديل يشهد فراغًا استراتيجيا كبيرًا وهو منطقة شمال العراق وسوريا لقربها من الحدود التركية وسهولة نقل الأفراد والمعدات ومد خطوط إمداد طوال الوقت مع مرونة استراتيجية تسمح بنقل هؤلاء المقاتلين إلى أي مسارح عمليات في المنطقة، ثم عودتهم مجددًا إلى نقطة الإرتكاز الرئيسية أو أي نقطة ارتكاز جديدة تتميز بالفراغ الأمني وغياب الدولة.

استطاع أردوغان وبدعم مباشر ومعلن من قطر استخدام هؤلاء المرتزقة على المسرح السوري والعراقي، ثم باتفاق تم نقل البعض منهم إلى مسرح سيناء والمسرح الليبي بمباركة الدول الكبرى؛ إذ تخضع حركة نقل السلاح والأفراد والمعدات في المنطقة لرقابة تلك الدول على مدار الساعة، وكانت بعض المواقف السلبية أمام مشهد توافد المرتزقة إلى منطقة عمليات غرب ليبيا دعمًا لمجلس فائز السراج كاشفة لحجم التواطؤ والتنسيق والاتفاق على دور يخدم مصالح الجميع. واستطاع أردوغان أن يقنع الأمريكيين بأنه يقف في ليبيا ضد التمدد الروسي الذي يدعم قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر ويقف ضد مخططات تقسيم الثروات والنفوذ في ليبيا بمعزل عن واشنطن وأنقرة، في الوقت الذي حاول إقناع الروس بصفقة تحفظ للطرفين وجودًا عسكريًا دائمًا وتفاهمات تضمن توزيع النفوذ والثروة وتأسيس قواعد دائمة في الشرق لروسيا وفي الغرب لتركيا تضمن لهما توازنًا في اللعبة السياسية ولا تخرج عن القواعد التي تخدم كلا الطرفين.

بالإضافة إلى أن وجود هؤلاء المرتزقة على المسرح الليبي يضمن لأردوغان تصدير أزمات لمصر المهددة شرقًا وغربًا من عمليات تلك الجماعات الإرهابية، كما أن وجودهم يضمن لأردوغان ورقة تفاوض على مائدة المباحثات حول مصير ثروات شرق المتوسط من الغاز الطبيعى بعد أن حرمها ترسيم الحدود البحرية بين دول الإقليم (اليونان وقبرص ومصر وإسرائيل) وفقا لقواعد الترسيم القانونية من أي ثروات أو حقول محتملة.

وفي الكواليس يستخدم أردوغان تلك الجماعات وكل تيار الإسلام السياسي كورقة يلوح بها ضمنيًا من منطلق أنه قادر على تحجيمها أو إطلاق يدها بما قد يضر مصالح دول بعينها أو يحقق من خلالها واقع جديد على الأرض يتسبب في إرباك المشهد؛ لذلك يتحرك في الصومال ومالي ودول الساحل والصحراء واليمن ينسق مع تلك الجماعات استعدادًا للدفع بها على مسارح عمليات أو تهديد مصالح مباشرة لدول تضغط عليه في مناطق أخرى كما حدث من تهديد للمصالح الفرنسية في مالي ومحاولات إرباك المشهد الصومالى المستمرة وإزعاج السعودية والإمارات بورقة إخوان اليمن وغيرها من الأوراق.

ثم يستيقظ العالم على جنود الخلافة يقاتلون على مسرح عمليات ناجورنو كاراباخ المتنازع عليه بين إرمينيا وإذربيجان دعما ل “باكو” التي تمتلك احتياطيات بترولية هائلة على بحر قزوين وإشباعًا للعداء التاريخي مع الأرمن الذين مازالوا يشكلون صداعًا وميراثًا مؤلمًا للأتراك وأجدادهم بسبب المذابح التي ارتكبوها بحق الشعب الأرمني؛ وقد أشارت تصريحات لمسؤولين في أرمينيا وعدد من العواصم المحيطة بالمنطقة بأن أفرادًا وسلاحًا ومستشاريين عسكريين أتراك يتواجدون في الميدان يقدمون الدعم ويقاتلون وسقط في صفوفهم قتلى؛ وتلك منطقة أخرى من مناطق الصراع والنفوذ والتقاطع بين المصالح فيما بين روسيا وإيران وتركيا التي تجر من خلفها الولايات المتحدة، وهى حالة تعد نموذجًا لتعارض المصالح وتلاقيها رغم أن هناك عدد من الاتفاقيات التي تم توقيعها لتوزيع الثروات والنفوذ على البحر المغلق.

قد يرى البعض أن ذلك التحليل هو مبالغة في قراءة التحرك التركي وأطماع أردوغان من زاوية القدرة ولكن العين الخبيرة يمكنها ترى أن الرئيس التركي الطامح للخلافة قد وجد ضالته “الشريرة” في توظيف هؤلاء المرتزقة؛ فهم من جانب يعملون تحت إمرته عن قناعة بمشروع الخلافة أو كمرتزقة في حاجة إلى أموال تدفعها قطر؛ وعلى جانب آخر يوفرون عليه تصريحات الإدانة والاتهامات حال استخدامه لقوات نظامية وانتهاكات تقع تحت طائلة القانون الدولي؛ وكونها دولة عضوًا في حلف الناتو؛ كما تضمن له نسبيا تجنب انتقادات المعارضة المدنية العلمانية داخل تركيا والتي دائما ما تهاجم طموحاته وسياساته المرتبطة بالإسلاميين.

وقد يرى البعض أن من حق تركيا ورئيسها أن يكون لديهم مشروعهم وطموحاتهم الإقليمية وأن أردوغان يتمدد بكافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة في مساحات من الفراغ تسبب فيها العرب أنفسهم وهم مسؤولون مباشرة عن كل ما تحقق من انسحابات وعن غياب المشروع العربى المضاد حتى وقعت المنطقة في شرك 3 مشروعات تركية وإسرائيلية وإيرانية برعاية الفاعلين الدوليين أصحاب المصالح في المنطقة؛ ولكن يظل الواقع أننا أمام جيش خلافة محدد الملامح ومصادر التمويل والتسليح والتدريب والدعم اللوجيستى والقيادة والفكر والمشروع والإيديولوجية وسيستمر في التمدد والحركة حتى يتم بناء مشروع مضاد.

في حين يرى البعض ضرورة البدء في حوار استراتيجي مع تركيا ومحورها الذي يضم قطر والتنظيم الدولى للإخوان المسلمين او على الأقل العمل على شق صف هذا المحور؛ وهو أمر صعب التحقق لأن أردوغان لن يتخلى عن مشروعه الذي يمنحه الشرعية بين تلك الجماعات ولن تأمن أى دولة الاتفاق أو التصالح معه لأنه لا يؤمن بسيادة الدول وحدودها ومفهوم الدولة الوطنية وتشاركه جماعة الإخوان ذات الرؤية؛ بينما قطر ودورها الوظيفي المكمل يرتبط باستمرار العائلة القطرية الحاكمة في الحكم أو حدوث تغيير في سياساتها وهو أمر فشلت كل الدول الخليجية من قبل في الوصول إليه لعدم وجود إرادة دولية وإقليمية في أن تتخلى قطر عن الدور الذي تقوم به.

تجدر الإشارة إلى أنه من الخطأ الاعتقاد بأن “جنود الخلافة” هم فقط من يقاتلون في صفوف أردوغان هنا وهناك؛ ولكنها أيضًا تلك الميليشيات الإلكترونية على السوشيال ميديا بأكثر من لغة والترسانة الإعلامية التي يتوفر لها الدعم المالي الكبير ويرسم لها خبراء محترفون خطط وأسلوب عملها ومساحات الفراغ السياسي والفكري والاجتماعي والإعلامي التي تتحرك فيها مستغلين مناخ غياب الحريات والمهنية والاحترافية في معظم دول المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى