آسيا

الحرب الأرمينية الأذرية.. ساحة مواجهة روسية تركية جديد

خلال الآونة الأخيرة، تناولت الأخبار أنباء وعناوين تفيد بتجدد الاشتباكات بين القوات العسكرية الأرمينية والأذربيجانية في إقليم نارجوني كاراباخ المتنازع عليه. والحقيقة أن العناوين من هذا النوع لم تكن أبدًا جديدة على الأسماع، نظرًا للخلفية التاريخية للنزاع وما يتخلله من مناوشات مستمرة ومتكررة بين الطرفين كانت دائما تتجدد وتخمد بين الفينة والأخرى. لكن في صبيحة الأحد 27 سبتمبر، تجددت الاشتباكات التي اتخذت شكل أكثر تطورًا من مجرد كونها تقتصر على اشتباكات فقط. فقد وقع صدام عسكري بين أذربيجان وأرمينيا في منطقة “نارجوني كاراباخ” المتنازع عليها. وهذه المرة لم يكن الأمر مجرد صراع حدودي، كما كان الحال منذ يوليو في العام الجاري. ولم يكن أيضًا صراع محلي أو مجرد استفزاز عسكري. لكنها كانت حرب حقيقية بكل ما تحمله الكلمة من معاني. ووفقًا للبيانات الرسمية، فإن هذه الحرب تشتمل على مواجهات بين البلدين تضم فرق الطيران والمدفعية والدبابات. كما أن عددً ليس قليل من الإصابات بين المدنيين قد وقع لدى الجانبين.

أطراف عدة ومساحات متفاوتة من الحرب


من أجل الحصول على صورة واضحة لطبيعة الجولة الجارية من نزاع بين البلدان. لابد أولاً أن ننظر في هوية الطرف الذي يُحقق أكبر استفادة من وراء هذه الحرب. إن أرمينيا لم تكن هي الطرف الأكثر اهتمامًا بإثارة الحرب منذ البداية، نظرًا لأن كل شيء يجري في نارجوني كاراباخ بما يناسبها. إن الإقليم مستقل بحكم الأمر الواقع منذ قرابة الـ 30 عامًا، ومن وجهة نظرها فإن هذا الوضع يضمن ألا يخضع هذا الإقليم لسيطرة باكو. أما بالنسبة لأمن الإقليم فهو أمر مضمون –بشكل غير رسمي- من قبل طرف إقليمي أكثر قوة ونفوذ وهو بالطبع روسيا، التي تتشارك مع أرمينيا في منظمة معاهدة الأمن الجماعي. إذا الأمر الوحيد الذي لم تحققه أرمينيا بعد فيما يتعلق بهذا الإقليم، هو حصول الجمهورية المستقلة على الاعتراف الدولي، ولكن الأرجح أن هذا الاعتراف لن يتحقق من خلال هجوم أذربيجان على الإقليم كذلك.
بالنسبة لأذربيجان، فإن باكو تُقدس قضية نارجوني كاراباخ لدرجة أن السُكان باتوا يطالبون بحل هذه المشكلة. كما أن باكو تُعاني الآن من مشكلات اقتصادية بفعل ما شهدته أسعار الطاقة من تقلبات بفعل جائحة كورونا، مما ترتب عليه أزمة في الميزانية، قد تنعكس بشكل خطير على السلطات الأذربيجانية. إذا من المرجح أن باكو تحتاج الآن الى شن هذه الحرب حتى تُطعم سكانها بمشاعر القومية المتأججة تتلازم مع احتفالات بالنصر على الأرمن واسترداد أراضي الأجداد، التي لا ينفك الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف في ترديد عبارات تؤكد على حاجة شعبه الى العودة لأراضيهم القديمة، وحاجته هو نفسه الى تحقيق هذا الحلم. لهذا السبب تضخ أذربيجان أموال واستثمارات في قواتها العسكرية بشكل يفوق ما هو متاح من أموال لدى الميزانية الكاملة لأرمينيا.

وفيما يتعلق بالموقف الروسي من النزاع، فهذا أمر لا يمكن النظر إليه من دون الوقوف أولاً على أهمية منطقة القوقاز بالكامل بالنسبة لموسكو. إذ أن هذه المنطقة برمتها تقع في نطاق النفوذ الجيوسياسي الروسي الخالص. مما يعني أن أي زعزعة للاستقرار أو أي حروب واشتباكات عسكرية سوف تقع في هذه المنطقة، سوف تنظر اليها موسكو باعتبارها عنصر تهديد هي في غنى عنه. كما أنه على الرغم من الشراكات التي تجمع بين روسيا وأرمينيا من جهة، والتوترات التي شابت العلاقات الروسية التركية من جهة أخرى. فهذا لا يعني أن موقف روسيا منذ لحظة تجدد الاشتباكات في يوليو بالعام الجاري كان منافيًا لسياساتها التي تقضي بضرورة الحفاظ على علاقات متزنة مع كلاً من باكو ويريفيان على حد سواء، مع العمل على ضرورة خفض التصعيد وفرض التهدئة في الإقليم في الوقت نفسه.

من هو الرابح الأكبر من وراء الحرب الأرمينية الأذرية؟!


نعرف أن أنقرة تُشجع الحرب وتقوم بتقديم وتهيئة الوقود اللازم لإشعالها منذ اليوم الأول لبداية الاشتباكات بين الطرفين. ولكن التساؤلات هنا تدور حول الأسباب التي قد تدفع أنقرة الى اتخاذ مثل هذه الخطوات الاستفزازية. أو بمعنى آخر، ما الذي يدفع أنقرة لأن تكون هي الطرف العالمي الوحيد تقريبًا الذي يشجع تأجج هذه التوترات؟!

وعن هذه الأسئلة، يوجد تفسيرات عدة. أولها لن يكون في منأى عن ساحة المواجهة التي تجمع بينها وبين موسكو على جبهات أخرى. يأتي على رأسها المواجهة في الملف السوري، الذي وعلى الرغم من كل ما بدا من توافقات بينها وبين موسكو –الطرف الأكثر تأثيرًا ونفوذًا في سوريا- إلا أنها حتى هذه اللحظة لازالت مستضعفة هناك. ولايزال التأثير التركي المرجو أو المأمول هناك لم يُنفذ بعد بالشكل الذي ترتضيه أنقرة. أنظر مثلاً إلى آخر التطورات على الجبهة السورية. روسيا لا ترغب في قطع الغارات الجوية إلا عندما تخضع الجماعات الإرهابية التابعة للقيادة التركية لإجمالي مخرجات اتفاقيتي الأستانة وسوتشي. ولا أنقرة ترغب في التراجع وفض الالتحام بين جبهتي النصرة وسائر الميليشات ومدى ارتباطهم بقواتها العسكرية. وبهذه الطريقة يبقى الأمر على ما هو عليه، وتقع أنقرة دائما وما يتبعها من ميليشيات على الأراضي السورية دائما تحت طائلة النيران الروسية في سوريا.
إذا تُفكر أنقرة؟! ما العمل؟! ودائما ما يتلخص الرد في استخدام ما هو متاح لأجل إثارة حفيظة وغيظ موسكو في إحدى بقاع نفوذها الجيوسياسي. وهذه الطريقة ليست جديدة على أنقرة، وأسبابها ايضًا ليست مستجدة. وفي الماضي الغير بعيد رأينا الرئيس التركي رجب الطيب إردوغان يخطو بقدم الواثق أمام الكاميرات في كييف، ويقوم بتوقيع عقود تعاون عسكري مع كييف. وكان المحرك وراء هذا التحرك أيضًا لا يخرج عن نطاق الأراضي السورية، التي يعتبرها إردوغان إرث خالص له، وخزان ممتلئ ومتدفق من المقاتلين، اللذين لا غنى لأردوغان عنهم في حروبه الخارجية لاسترداد نفوذه العثمانلي القديم.
وفيما يتعلق بالنفوذ والامتداد العثماني القديم. فهذا أمر ليس جديد أبدًا على الأتراك، نظرًا لأنهم متحدرون من دولة كانت في يوم من الأيام امبراطورية ممتدة الأطراف ومترامية الحدود. وهذه ثقافة شرب منها إردوغان حتى أصبحت رأسه تمتلئ على آخرها بأحلام التمدد واعتلاء العثمانيين لعرش العالم مجددًا. بغض النظر عن الظروف العالمية الحالية ومخالفتها تمامًا لما كانت عليه الأوضاع حال وجود الدولة العثمانية في التاريخ القديم.
وتتصل تلك الطموحات العثمانية التي ورثها إردوغان جنبًا الى جنب مع ما يعتنقه الجيل الحالي من مسؤولي تركيا، ومع رغبته في إثارة أي تحركات لإغاظة موسكو والضغط عليها، وتجتمع كلاهما جنبًا الى جنب مع مشاركته في الحرب الأذرية الأرمينية لصالح أذربيجان. مما يعني أن تأجيج الحرب سوف يكون بمثابة ورقة ثلاثية الأهداف في يد أنقرة، تحصل من خلالها على المزيد من النفط والغاز الأذربيجاني بالإضافة إلى النفوذ الديني والسياسي في القوقاز من جهة. وتضغط أنقرة على موسكو بغرض التصرف كما لو كأنها ند لها وتمتلك ما يكفي من قوة لإثارة المتاعب في ظهر موسكو، ولا ننسى كذلك أن أنقرة كانت قد خفضت في الفترة الأخيرة من حجم مشترياتها من الغاز والطاقة من موسكو على حساب باكو. بالإضافة الى كل ما سبق، تتطابق المضايقات ضد الأرمن مع العداء التاريخي الذي يجمعهم بالأتراك. وعلاوة على كل ما سبق، سوف يكون هذا الصراع المشتعل كفيلاً بأن يضمن لتركيا صرف أنظار المجتمع الدولي عن استفزازاتها في حوض شرق البحر المتوسط والتحول نحو القوقاز بدلاً عن ذلك.

أرمينيا.. علاقات ودية أم محاولات لجر روسيا الى الحرب؟!


في خلال فصل الصيف، أجريت مناورات روسية أرمينية مشتركة على الأراضي الأرمينية. وعلى الجانب الآخر، نشر إردوغان عدد إحدى عشر ألف من قواته في أذربيجان. وفي نهاية يوليو، أجريت مناورات تركية أذربيجانية مشتركة. إذا من منطلق ما يبدو على السطح من صورة عامة، قد يهيئ للمجتمع الدولي أن موسكو تقدم ليريفيان ذات الدرجة من الدعم الذي تحصل عليه باكو من أنقرة. لكن هذه صورة تشوبها عدة أخطاء. يأتي على رأسها كما ذكرنا آنفًا، أن موسكو ترى أنه ليس من مصلحتها اندلاع الأعمال العدائية على هيئة حرب شاملة بين البلدين.

كما أن موسكو لا يسعها سوى أن تلعب دور الوسيط. نظرًا لأنه إذا اعتبرنا أن موسكو يحق لها التدخل باعتبارها هي ويريفيان أعضاء في منظمة معاهدة الامن الجماعي، فهي في هذه الحالة لن تتدخل إلا في حالة وجود عدوان مباشر بحق أرمينيا. ولكن في حالتنا هنا، نجد أن موسكو غير ملزمة تمامًا باتخاذ أي خطوات تجاه هذه الجمهورية الغير معترف بها. وعليه، يكون ليس غريبًا أن يتمتع الرئيس الأذربيجاني إلهام عليف بعلاقات أفضل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. فإذا قلنا إن موسكو تهتم بعلاقاتها العسكرية مع أرمينيا، فهي في نفس الوقت تهتم بما يربطها مع أذربيجان من علاقات اقتصادية بشكل أكبر. وبالإضافة إلى ذلك، يوجد هناك جاليتان داخل روسيا، أحدهما أرمنية والأخرى اذربيجانية. ومن ناحية حجم الضغط والتأثير، فإن الجالية الأذربيجانية تكون هي الطرف الرابح. ويضاف الى إجمالي ما سبق، وجود توترات في روسيا البيضاء وانشغال موسكو بحل أسباب هذه التوترات وتقديم الدعم لحليفها لرئيس البيلاروسي ألكنسدر لوكاشينكو الذي يشهد هذه الأيام ورطة سياسية تُعد كبيرة في تاريخ حياته المهنية. إذًا أرمينيا تدرك بوضوح أن روسيا بكل المقاييس لا ترغب في اندلاع حرب بين البلدان. ويظهر رئيس الوزراء الأرميني نيكول بايشينيان في عدد من المناسبات ليوضح أن بلاده لا ترغب في إقحام موسكو في صراعها مع أذربيجان، وأن بلاده تسعد بالدور المتوازن الذي تلعبه روسيا إزاء الصراع. لكن وفقًا لما تُمليه قواعد ممارسة السياسة العامة، يجب أن تتفق الخطوط العريضة لكلمات السياسي مع الخطوط العريضة لتحركاته الفعلية، وإلا تم قراءة المشهد برمته بشكل مختلف.
وفي هذه الحالة، قد لا تكون أرمينيا هي الطرف الذي أهتم أولاً بإشعال فتيل النزاع. لكن لا مانع في حال اندلاعه من الحصول على أكبر استفادة ممكنة. ففي حالة نيكول باشينيان، يظهر بوضوح أنه يُعاني من مشكلات داخلية كثيرة خلال الآونة الأخيرة. كان من أبرزها ظهور عدد من الشخصيات القيادية الجديدة داخل أرمينيا، والمعروفة بتوجهاتها المؤيدة للغرب والمعادية لروسيا. كما أن باشينيان قد أبدى فشلاً ليس هينًا فيما يتعلق بمواجهة تداعيات تفشي فيروس كورونا. ولهذه الأسباب نجح باشينيان خلال الآونة الأخيرة في تأجيج بيئة المعارضة ضده. مما يعني أنه مثل باكو، يفضل دائما أن يتجه لاستخدام ورقة التهديدات الخارجية لأجل كسب شعبية كبيرة على المستوى الداخلي. مما يعني أن الانخراط في عملية مفاوضات قد لا تكون مفيدة ليريفيان، التي ترغب في نشر الشعور بالخطر لأجل توحيد الأمة على قلب رجل واحد إزاء أمر آخر شديد البعد عن أسباب الاستياء الداخلي الحقيقي. ولهذا السبب ايضًا ترغب أرمينيا في جر روسيا الى الصراع ودفعها للتصرف بشكل داعم وعلني لها، والتوقف عن لعب دور المحايد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى