السودان

” فورين بولسي”: البيت الأبيض يرغب في السلام مع السودان .. والكونجرس يرغب أن تدفع الخرطوم الثمن”

عرض – محمد هيكل

رأى الكاتب كاميرون هدسون الباحث في مركز إفريقيا التابع للمركز الأطلسي أن الساسة الأمريكيين من الحزبين يبشرون بفرصة قد لا تتكرر بتحويل السودان من بلد منبوذ غير مرض عنه من قبل واشنطن لحليف مهم بالمنطقة.

وذكر هدسون ، في مقال نشرته مجلة ” فورين بولسي ” الأمريكية تقريرا لها بعنوان ” البيت الأبيض يرغب في السلام مع السودان ..الكونجرس يرغب أن تدفع الخرطوم ثمن ذلك” ، أن على المتخصصين وصناع القرار بواشنطن إدراك أنهم يتفاوضون حول نقطة مصيرية لمستقبل السودان، وهي رفعها من لائحة الإرهاب الأمريكية.

وقال إن المفاوضات بين الطرفين قد تؤدي لانهيار التجربة الديمقراطية السودانية، حيث يجب على صناع القرار بواشنطن أن يدركوا أنهم يتناقشون حول أحد أهم العقبات أمام مستقبل السودان الجديد وهو شكل علاقتها بالولايات المتحدة مستقبلا.
وأضاف أن إزالة السودان من على قائمة الإرهاب كان أكبر مطالبها من واشنطن بعد الاحتجاجات  المدنية في العام الماضي والتي أدت لسقوط الرئيس السابق  عمر البشير الذي قاد البلاد ل 27 عاماً والذي تسبب في وضع السودان على قائمة الإرهاب بسبب سوابق معروفة منها إيواء أسامة بن لادن بينما كانت القاعدة تخطط لهجمات على السفارات الأمريكية بشرق إفريقيا، والعملية الإرهابية على السفينة الحربية الأمريكية ” يو أس أس كول ” العام 2000 التي لطالما طلب أهالي ضحاياها العدالة من الحكومة السودانية .

وأوضح أن واشنطن ترى في طلب الخرطوم نقطة قوة ونفوذ لها لضمان أن تسعى السودان للإصلاحات الاقتصادية والسياسية المطلوبة والتي من شأنها أن تعزز مكانتها كواحدة من النجاحات الديمقراطية القليلة التي خرجت من اضطرابات الربيع العربي في العقد الماضي.

وذكر أنه بينما يقترب البلدان من صفقة قد تؤدي إلى شطب السودان من القائمة مرة واحدة وللأبد ، تختبر واشنطن حدود ما بمكنها أن تحصل عليه وما هو أكثر من تحول السودان لبلد حليف مستقر في منطقة غير مستقرة.

وأضاف الكاتب أنه بالنظر لما هو أبعد من موقعها  الاستراتيجي المهم في منطقة القرن الأفريقي الممتد إلى الساحل والبحر الأحمر فالسودان تعد لؤلؤة تسعى الإدارة الأمريكية لإضافتها لعقد السلام بالشرق الأوسط قبيل الانتخابات الرئاسية وهو ما حمل وزارة الخارجية الأمريكية لتطوير رؤية خاصة للسودان.

وأوضح أنه كدليل على أهمية هذا الطرح يقدم موظفو الإدارة الأمريكية الذين يقودون هذه الجهود دليلاً على ذلك حيث رافق مبعوث الخارجية الأمريكية لإيران المنتهية ولايته براين هوك وزير الخارجية مايك بومبيو خلال زيارته الشهر الماضي للخرطوم كما رافقهما في الزيارة كبير مستشاري البيت الأبيض لشؤون المشرق الأوسط ميغيل كوريا الذي ساعد في التقارب الإماراتي الإسرائيلي الأخير.

وتابع قائلا :” ذا الدور عاد مجددا هذا الأسبوع من خلال محادثات سرية مع الإمارات والسودان التي تعي جيداً التاريخ المتقلب للعلاقات بينها وبين الولايات المتحدة وهو ما يجعلها تعي أهمية الطرح الذي تقدمه الإدارة الأمريكية ، التي بدورها تسعى لتوقيع اتفاق سلام عربي أخر مع الحليف الدبلوماسي ذو القيمة الكبيرة للإدارة الأمريكية إسرائيل”.

وأردف قائلا :” ترى الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل أن ما يحدث هو فرصة استثنائية للتقارب وفرض السلام ، فقد عبر القادة المدنيون للسودان أكثر من مرة عن نيتهم بأنهم يرغبون أن يؤسسوا ” علاقات وسياسات خارجية متزنة ” وتعميق علاقاتها بالديمقراطيات الراسخة في المنطقة”.

وذكر أنه بالنسبة للولايات المتحدة فلا يوجد أفضل من التطبيع مع الديمقراطية الحقيقية الوحيدة بالمنطقة، إسرائيل، كدليل على السعي السوداني لتكون بلد حليف يتمتع بعلاقات حميدة في المنطقة ودليل على سعيها للخروج من قائمة الدول الراعية للإرهاب”.

وقال إنه بالنسبة لإسرائيل فإن العلاقات مع السودان تفتح لها مجالاً للتعاون الاستخباراتي وتمنحهم نافذة على العالم الغامض للجهود السودانية في مكافحة الإرهاب.

وأشار إلى أنه منذ أقل من 10 سنوات كان سلاح الجو الإسرائيلي يقصف طرق التهريب عبر المناطق الصحراوية الشاسعة في شمال السودان ، حيث تنقل شبكات منظمة وراسخة السلاح عبر البحر الأحمر إلى غزة لدعم المسلحين الفلسطينيين، ستساعد علاقات بين الخرطوم وتل أبيب في قطع شريان الحياة للمقاتلين كما بناء الجدار الدبلوماسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول الفلسطينيين.

ويرى الكاتب أن التقارب غير المتوقع الذي حدث فبراير الماضي عندما التقى كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع رئيس المجلس الانتقالي السيادي السوداني ورأس الدولة الحالي عبد الفتاح البرهان ، أخذ في التزايد أكثر فأكثر حتى وصل لما شبهه الكاتب بالزواج المرتب بعد سبعة أشهر من هذا اللقاء ، لكن حفل الزواج تعطل بسبب الخلاف على المهر ، ويوضح الكاتب أن الولايات المتحدة قد عرضت هذا الأسبوع 500 مليون دولار في شكل ” مساعدات واستثمارات ” غير محددة ، وتعهدت إسرائيل بتقديم 10 مليون دولار كدعم مباشر لميزانية السودان ، ووعدت الإمارات ب600 مليون دولار من النفط ، كل ذلك لم يكن كافيا للسودان لكسب مباركتها النهائية ، وفقاً لمسؤولين شاركوا بالمحادثات.

وذكر أن السودان الذي يعاني انهيارا اقتصاديا موروثا من النظام الفاسد السابق، والتي زادت حدة انهياره نتيجة جائحة كورونا كما نتيجة للفيضان التاريخي للنيل الذي أضر أكثر بالاقتصاد السوداني، تحتاج حكومة السودان إلى السيولة المالية لتدعم عملتها المنهارة ، وإبطاء وتيرة التضخم المفرط والمتصاعد ، واستيراد السلع الأساسية مثل الغذاء والدواء من أجل بقائها على المدى القصير.

واعتبر هدسون أنه وبرغم من أن السودان في حاجة للسيولة إلا أن تسيل هذه الكمية من الأموال لن يحدث في الوقت المناسب لبيع هذه الصفقة لجمهور سوداني متناقض بالأساس الذي ينظر غالبيته للعرض المادي على أنه عرض جانبي ( فالعرض الرئيسي هو رفع السودان من على قوائم الإرهاب) بالإضافة لمعارضة عدد من سياسي التيار اليساري في السودان كم معارضة الإسلاميين المتشددين للتطبيع مع إسرائيل.

ويقول الكاتب إنه في السودان انخفض مستوى المعيشة للنصف، كما أن الحكومة أعدت برنامج مساعدات بقيمة 5 مليون دولار لمساعدة المحتاجين في البلاد ، في المرحلة الحالية فإن أي جهود للحكومة السودانية لا تؤدي لوضع نقود في البنك المركزي أو وضع طعام على طاولة السودانيين تعتبر جهود مهدرة ، لذا يرى الكاتب كاميرون هودسون أن العرض الذي قدم للسودان هذا الأسبوع كان ليقبل ويؤدي لا نفراجة في تكريس الوعود الدبلوماسية حال ما إذا كان العرض  أكبر وأكثر إلحاحاً وسرعة .

وتابع بالقول :”مع ذلك لم يضع الأمل في الوصول لحل مع السودانيين، على الرغم من المحاولة الأخيرة بالحصول على شيء مقابل لا شيء ، فالكثير مِن مَن في  واشنطن يفهمون أن إبقاء السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب هو كالطوق الذي يخنق البلاد ، حيث يمنع عنها هذا الأمر الاستثمارات الخارجية الذي تحتاجه لكي تتجنب الانزلاق لوضع الدولة الفاشلة ، الأمر الذي لا ترغب واشنطن في أن تلام عليه والذي سيحدث حال ظل السودان على قائمة الإرهاب ، أمر أخر قد يدفع بعملية السلام”.

يجادل الكاتب في الوضع الداخلي بالإدارة الأمريكية بخصوص السودان فهو يرى أن الكونجرس أصبح عالقاً في مواجهة خاصة مع الخارجية بسبب محاولات الوزارة لتعظيم مكاسبها من إخراج السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ، لكن الكونجرس لن يمرر اتفاق السلام مع السودان بهذه السهولة دون شروط لتشريع السلام بشكل قانوني، هذه الشروط للصفقة هي ما ستدعم و ستحدد قدرة السودان على التعافي الاقتصادي الطويل حتى مع خروجه من قائمة الإرهاب.

أما حال لم يكون هناك أتفاق قانوني للسلام مع السودان ، فسيتم قريباً تمكين أسر ضحايا تفجير السفارة الأمريكية في السودان في شرق أفريقيا في التسعينات بأحكام قانونية قابلة للتنفيذ ضد السودان ، وهو ما سيؤدي لمنع السودان من الوصول لأسواق رأس المال الأمريكية، ومتابعة أي أصول للسودان موجوده بالولايات المتحدة ، وإعاقة الصفقات التجارية المحتملة مما يأدي لتثبيط أي استثمار أمريكي بالسودان وبالتالي الإلغاء العديد من الأثار المترتبة على خروجها من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

وأشار الكاتب إلى أنه بالإضافة لذلك فالسودان يمكن إضافته لقائمة المتسببين بالضرر لضحايا الحادي عشر من سبتمبر ، فعلى الرغم من عدم صدور أحكام قانونية بهذا الخصوص على السودان ، ألا أن لجنة أهالي الضحايا كانوا غطوا الكونجرس بسرد قوي ومقنع حول الأمر ، بصفة أن السودان مسؤولة عن عدة حوادث أخرى كان ضحاياها من الأمريكان،  الجهود المبذولة لمنع السودان من الوصول لاتفاق سلام قانوني شامل تجد لها من يتبناها وبقوة ، فكل من السيناتور الديمقراطيان الأقوياء شاك شومر و روبرت مينينديز لن يسمحا بوصول السودان لاتفاق شامل مع الإدارة الأمريكية قبل أن يتأكدا من أن ناخبيهم من ذوي الضحايا قدو يومهم في المحكمة وحصلوا على تسوية عادلة من السودان على قدم المساوة مع مجموعات الضحايا الأخرى.

ادراكا لذلك أوضح الكاتب أن السودان بدأ في أن يرى القليل من المتاعب التي سيوجهها ، فالصفقة ستضع تسوية قانونية لوضع السلام وتزيلها من قوائم الإرهاب كما ستمنحها تسوية مالية حول المبالغ التي من المفترض أن تدفعها لأسر ضحايا الحوادث الإرهابية، لكنها قد تفتح باباً عليها بخصوص مسؤوليتها عن 11/9، لكن إزالة السودان من قائمة الإرهاب سيمكنها من الحصول على قروض من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لتنقذ البلاد وتوفر احتياجاتها ، كما تلاشي الانهيار الاقتصادي.

بنهاية التقرير يسأل الكاتب هدسون ما إذا كان من الممكن بيع هذه  الصفقة للشعب السوداني الذي مات أبناؤه مقابل فرصة للديمقراطية في البلاد ؟ والذي يعاني اليوم من إهمال حلفائه له الذين يدعون أنهم في انتظار نجاح المرحلة الانتقالية بالسودان ؟

أفضل طريقة لتحقيق المطلوب هو تقديم صفقة للسودان تعترف بجهود السودان للتغير وتقدم لشعبه طريقاً إلى الأمام من أجل للازدهار والبقاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى