تركيا

“ناشونال انترست” الأمريكية: الأيديولوجيا هي محرك الاضطرابات التركية في شرق المتوسط

عرض- هبة شكري

نشرت مجلة “ناشونال إنترست” الأمريكية تقريراً، بتاريخ 22 سبتمبر، حذرت فيه من النهج التركي المستند إلى استراتيجية العثمانيين الجدد الإسلامية، والذي قد يفضي إلى إشعال التوترات الإقليمية في المستقبل حال لم يتم ردع تركيا. أشار التقرير إلى الاجتماع المقرر عقده من قبل الاتحاد الأوروبي بغرض فرض عقوبات على تركياً نظراً لانتهاجها سياسات عدوانية تجاه اليونان وقبرص في مجال الطاقة تحديداً، ورجح التقرير أن تحول المصالح المتضاربة لدول الاتحاد دون فرض عقوبات فعلية على تركيا.

وأوضح التقرير أن النزاع بين تركيا واليونان ليس مجرد نزاع على موارد الطاقة فقط، بل يكمن النزاع الحقيقي في النموذج أيديولوجي خطير تتبناه تركيا والمتمثل في العثمانية الجديدة ذات الخلفية الإسلامية، وهي السبب الرئيسي في تأجيج الصراع في منطقة شرق المتوسط.

ورأى كاتبا التقرير، د.جاك سوتيرياديس و د.مروة مازياد، أن الواقع الذي تشهده منطقة المتوسط ليس مفاجئاً، بل هو ناتج عن تجاهل الإشارات التي جاءت على مدى عقد ونصف من الزمان، من قبل وسائل الإعلام الغربية والحكومات؛ والتي كانت تنذر بالاضطرابات الحالية. وأضاف التقرير، أن  تركيا سعت خلال السنوات الماضية إلى إلى إحياء النموذج الحضاري الكلاسيكي لإرث الإمبراطورية العثمانية، مرتكزة في ذلك على الإسلام السياسي من خلال تحالفها مع قطر والإخوان المسلمين، حيث عملت على الترويج لعلامتها التجارية الإسلامية علناً، وقامت بتمويل بناء المساجد في جميع أنحاء العالم ودعم الجهاديين المرتزقة  في سوريا وليبيا والقرن الأفريقي ومنطقة الساحل في غرب إفريقيا، كما تجسد ذلك مؤخراً في تحويلها لآيا صوفيا، الذي كان في يوم من الأيام أكبر كاتدرائية في العالم المسيحي الشرقي وموقعًا تراثيًا لليونسكو، إلى مسجداً.

وحذر التقرير من أن النموذج الأيديولوجي الذي تتبناه تركيا يهدد سلامة حلف الناتو والاستقرار الإقليمي، وذكر في هذا السياق، تشكيك أردوغان في معاهدة لوزان 1923، التي بموجبها تم تحديد حدود تركيا الحديثة، حيث اعتبر الرئيس التركي أن تركيا “تنازلت” عن جزر لليونان التي انتهكت خطة عام 1920 التي كانت تتضمن مطالبات تركية بأراضي شمال سوريا وشمال العراق وأرمينيا وأجزاء من جورجيا وحتى إيران.

كما انتقد التقرير السرد السائد والمفرط في التبسيط، كما وصفه التقرير، في كثير من وسائل الإعلام الغربية فيما يخص استمرار المنافسات التقليدية والتاريخية. وهو ما يعطي انطباعاً للمتلقي يفيد بأن الخلاف بين كل من اليونان وتركيا، يعدا خصمان قديمان استعادا خلافاتهما القديمة. وأشار إلى خبر نشرته صحيفة دي فيلت الألمانية، ورد فيه أن الرئيس أردوغان طلب من جنرالاته إثارة حرب مع اليونان بإغراق سفينة يونانية أو إسقاط طائرة مقاتلة يونانية. وأفاد أن الديناميكيات الجيوسياسية المعقدة تلعب دورها في الأزمة الحالية التي تسلط الضوء على العلاقة بين النموذج الأيديولوجي الخطير لتركيا والتكاليف الحقيقية لإجراءاتها السياسية العدوانية.

وألمح التقرير أنه من المفارقات أن نهج تركيا المتشدد وسياستها الخارجية المتقلبة قد جعل أنقرة تتعارض مع كل لاعب إقليمي رئيسي، ورأى أن ذلك أسفر عن خلق منافسة إقليمية جديدة بين القوى في كل من شرق البحر المتوسط ​​والشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ ويؤكد ذلك تشكيل شبكتا تحالف ناشئتان على هذا التنافس الجديد، يتمثل الأول في التحالف الإسلامي الشامل بين تركيا وقطر، أما الثاني فيتمثل في مصر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والبحرين واللجنة الرباعية الدولية. واشار التقرير إلى أن هناك تقارباً متزايداً بين كل من مصر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والبحرين، يرتكز على المصالح المشتركة مع إسرائيل، وكذلك مع اليونان وقبرص وفرنسا. ودلل على ذلك بعدة أحداث، حيث أجرت خلال الشهر الماضي طائرات مقاتلة إماراتية تدريبات مع القوات الجوية اليونانية في جزيرة كريت.

وفي الوقت ذاته ، أجرت فرنسا وإيطاليا واليونان وقبرص مناورات عسكرية مشتركة في المنطقة في إظهار واضح للتضامن بينهم. كما أبرمت مصر واليونان اتفاقية تحدد حدودهما البحرية ومناطقهما الاقتصادية الخالصة؛ وهو ما أبطل محاولة تركيا إبرام صفقة مماثلة مع ليبيا في وقت سابق من هذا العام. وفي السياق نفسه، صرح سفير الولايات المتحدة في اليونان “جيفري بيات” علنًا بموقف واشنطن بأن جزر اليونان لها تمامًا نفس الجرف القاري وحقوق المنطقة الاقتصادية الخالصة مثل أي منطقة في الأراضي اليونانية.

ورأى التقرير، أنه بالرغم من أن الجهود المبذولة لتهدئة الموقف تصب في مصلحة الجميع، إلا أنه الثناء المفرط لجهود الوساطة الألمانية مبالغ فيه، حيث أن عدم قدرة برلين على حشد رد حاسم من الاتحاد الأوروبي، بسبب تأجيل التصويت فيما يخص فرض عقوبات على تركيا حتى أواخر سبتمبر يرسل رسائل مختلطة ويفرض عواقب غير كافية على سلوك تركيا العدواني. وأضاف، أن المقاربات المتضاربة من فرنسا وألمانيا على وجه الخصوص تسلط الضوء على عدم وجود إجماع في الاتحاد الأوروبي في التعامل مع هذا التحدي الأمني.

وفي تناوله للسياسة الخارجية التركية، أوضح التقرير أن يمكن تفسير إجراءات السياسة الخارجية التركية بانها “غير عقلانية”، لأنها تقلل من مكانة أنقرة في المنطقة والعالم، ولكن إذا تم النظر إلى ديناميكيات الأزمة اليوم على أنها نتيجة للأيديولوجية التي تقوم بتزييف مصلحة الدولة، فإن منطقها الأساسي يصبح أقل غموضًا. وبالتالي، يرى التقرير أن ذلك يوضح سبب عقد أردوغان اجتماعًا علنيًا في 22 أغسطس مع ممثلين عن حماس التي تعد جماعة إرهابية مصنفة من قبل الولايات المتحدة.

وألمح التقرير إلى قول رئيس الموساد الإسرائيلي “يوسي كوهين” أثناء اجتماعه مع نظرائه في مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، حيث رأى أن القوة الإيرانية تعد هشة، واعتبر ان التهديد الحقيقي يأتي من تركيا.

واختتم التقرير بالتأكيد على انعكاس سياسة أنقرة غير المسئولة على اللاجئين، الذين اكتظوا بالآلاف للعبور من تركيا إلى أوروبا، بعد تشجيع أردوغان لهم للقيام بذلك. وحذر التقرير من ترك تركيا للاستمرار في أيديولوجية العثمانيون الجدد دون رادع، رأى أنه حتى وإن تراجعت الأزمة ببطء، إلا أن استمرار تركيا في التحرك بنفس الديناميكية سيؤدي إلى تأجيج التوترات الإقليمية في المنطقة في المستقبل. كما شدد على ضرورة اعتراف القوى الغربية بتلك الظاهرة حتى يتمكنوا من مواجهتها بفعالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى