المراكز الأوروبية

معهد إيطالي: تطور العلاقات الاقتصادية بين تركيا وإيطاليا لن يتم بمعزل عن القضايا السياسية الأخرى

عرض/ آية عبد العزيز

في سياق حالة الجدل التي أثارتها التحركات التركية المرتكزة على “العثمانية الجديدة”، أصدر معهد الشؤون الدولية الإيطالي في سبتمبر 2020 تقريرًا عن “العلاقات الاقتصادية التركية مع إيطاليا” ، لكل من سنان إكيم ونيكولا بيلوتا. يسعى التقرير إلى توضيح طبيعة العلاقات الاقتصادية بين الجانبين والعوامل المؤثرة عليها؛ حيث تشهد الروابط التاريخية المستقرة حالة من عدم اليقين. 

ففي الوقت الذي يدعم فيه المسؤولون ورجال الأعمال الإيطاليون الشراكة مع أنقرة، تتخوف غالبية الأحزاب السياسية وكذلك الجمهور الإيطالي بشكل متزايد من إشراك تركيا طالما استمرت مشاكلها السياسية. لافتراضهم أن النهج التركي الحالي في ظل الافتقار إلى إعادة ترسيخ الديمقراطية داخليًا، وسياساتها الخارجية قد تضع إيطاليا وتركيا في صراع. 

أبعاد الشراكة الاقتصادية

  • التبادل التجاري؛ كشف التقرير عن زيادة قيمة التجارة الإجمالية بين إيطاليا ثامن أكبر اقتصاد في العالم في عام 2019، وتركيا التي تحتل المركز التاسع عشر بين أكبر الاقتصادات في العالم، بشكل كبير منذ عام 2000 التي بلغت فيه 1.8 مليار دولار أمريكي من الصادرات و4.3 مليار دولار أمريكي من الواردات واستمرت في الارتفاع حتى 2019 كما هو موضح بالأشكال التالية. ووفقًا للتقرير ترجع زيادة القيمة الإجمالية للتجارة بين الجانبين إلى عدد من الأسباب أهمها الاتحاد الجمركي الذي جعل تركيا جزءًا لا يتجزأ من سوق السلع الداخلية للاتحاد الأوروبي، وسمح بتداول المنتجات التركية المصنعة في الاتحاد دون أي تعريفات أو حصص جمركية، لمواءمة الاقتصاد التركي مع المعايير التنظيمية للاتحاد تمهيدًا لانضمامها.

وتمثلت أهم السلع التي صدرتها تركيا إلى إيطاليا في عام 2019 في مركبات الطرق، حديد وفولاذ، والغزل والنسيج التي شكلت ما يقرب من 54 % من إجمالي صادرات تركيا إلى إيطاليا. أما السلع التي استوردتها تركيا من إيطاليا هي الآلات والمعدات الصناعية العامة وأجزاء الماكينات، والمركبات للطرق الوعرة، وآلات للصناعات المتخصصة، وآلات ومعدات توليد الطاقة، بما يعادل 31 % من واردات تركيا من إيطاليا.

  • الاستثمار الأجنبي المباشر؛ أوضح التقرير أن إيطاليا ليست مستثمرًا كبيرًا في تركيا؛ إذ شكل الاستثمار الأجنبي المباشر الإيطالي 2.3% فقط من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر الذي تلقته تركيا في عام 2019. منذ عام 2000، لم يمثل الاستثمار الأجنبي المباشر من إيطاليا أكثر من 5 % من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في تركيا. وتركزت الاستثمارات الإيطالية على المواد الغذائية والملابس والكيماويات والإمدادات الكهربائية والإلكترونية والآلات والأثاث وصناعات الحديد والصلب والسيارات. أما إيطاليا فتعتبر أقل شعبية كوجهة للاستثمار الأجنبي المباشر التركي، حيث تم استثمار 0.18٪ فقط من الاستثمار الأجنبي المباشر من تركيا في البلاد في عام 2019.
  • السياحة؛ أصدرت القنصلية الإيطالية في إسطنبول خامس أكبر عدد من تأشيرات شنغن من بين جميع البعثات الإيطالية في جميع أنحاء العالم في عام 2018، فيما حصلت القنصلية الإيطالية في إسطنبول على ثالث أكبر عدد من طلبات التأشيرة المقدمة عبر جميع البعثات في تركيا التي تصدر تأشيرات شنغن بعد القنصليات الألمانية والفرنسية في إسطنبول. 
  • الشركات الإيطالية في تركيا؛ بلغ عدد الشركات التركية مع شركاء إيطاليين والشركات الإيطالية التي تحافظ على وجودها في البلاد أكثر من ألف ومنتشرة عبر مختلف القطاعات. كما عهدت الحكومة التركية إلى الشركات الإيطالية بإنجاز مشاريعها الضخمة، على سبيل المثال، صممت Pininfarina برج مراقبة حركة المرور في مطار إسطنبول الجديد بالإضافة إلى “أول سيارة مُصنعة محليًا في تركيا”.

أبرز مواقف الفاعلين تجاه العلاقات مع تركيا

  • المؤسسات الحكومية؛ أفاد التقرير أن الموقف الحكومي يأتي داعمًا للشراكة مع تركيا، وتجلى في عدد من الاجتماعات، ففي فبراير 2017، استضاف وزير التعاون الاقتصادي الإيطالي آنذاك “كارلو كاليندا” ونظيره التركي “نهاد زيبكجي” في إسطنبول الاجتماع الأول للجنة الاقتصادية والتجارية المشتركة لمناقشة كيفية زيادة الاستثمارات، وإزالة العوائق أمام التجارة، وتجديد التعاون المستمر في مجالات العلوم والتكنولوجيا والثقافة والسياحة. فضلاً عن اجتماع الرئيس التركي مع رجال الأعمال الإيطاليين في مائدة مستديرة تنفيذية في روما في فبراير 2018 نظمتها هيئة الاستثمار. وفي الآونة الأخيرة، صرح سفير إيطاليا في أنقرة “ماسيمو جاياني” بأن رئيس الوزراء “كونتي” كلفه بزيادة حجم التجارة من حوالي 20 مليار دولار أمريكي إلى 30 مليارًا. 
  • الأحزاب السياسية؛ أدى صعود الأحزاب اليمينية إلى قيام المؤسسة السياسية الإيطالية بانتقاد السياسات التركية، في فبراير 2019، رفضت بعض القوى في “حزب الرابطة”، وثيقة حكومية مؤيدة لترشيح تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي. فيما تولي القوى اليسارية اهتمامًا كبيرًا لأوروبا التي تُظهر هويتها ككيان سياسي متعدد الأعراق والأديان. ونتيجة لذلك، فإنها تثير إشكالية معاملة تركيا للأقليات العرقية وما يصفونه بأنه سجل غير مقبول في مجال حقوق الإنسان. 
  • مجتمعات الأعمال، بما في ذلك النقابات العمالية والغرف التجارية؛ اتخذت مجتمعات الأعمال الإيطالية موقفًا مشابهًا للحكومة؛ إذ يرى بعض رجال الأعمال الإيطاليين أنهم في وطنهم في تركيا، مؤكدين أن الهياكل والعمليات تخلق مجال تشغيل مألوفًا. لذا تفضل معظم الشركات والنقابات العمالية الإيطالية ترقية الاتحاد الجمركي لتوحيد اللوائح التنظيمية للشركات المملوكة لإيطاليا، التي تعمل في قطاعات البنوك والطاقة والبنية التحتية، مثل Unicredit وTelecom، وتسهيل حرية حركة العمال في قطاع الخدمات- وكلاهما سيعمل لصالح الشركات الإيطالية في تركيا. 

وفقًا للتقرير يعد الحفاظ على أسلوب عمل مع تركيا هو جزء من “إعادة التوازن” لروما تجاه منطقة المتوسط ​​وأفريقيا. لكون الجانبين لديهما مصالح مشتركة. لكن هذا لا يعني أن روما تتحرك خارج التزاماتها مع الاتحاد الأوروبي لأن تركيا لن تكون بديلًا للاتحاد. ومع ذلك، ستشهد السنوات القادمة زيادة حادة في العمليات الإيطالية (وكذلك التعاون مع تركيا) في المنطقة.

  • الجمهور الإيطالي؛ يحمل الرأي العام الإيطالي تصورًا سلبيًا عن تركيا، فوفقًا للاستطلاعات الرأي يشعر معظم الإيطاليين “بالتهديد” من الثقافات المختلفة، ويرى الكثيرون أن كونك مسيحيًا هو علامة قاطعة على كونك أوروبيًا، لذا فهم يعتقدون أن الحدود الأوروبية لا ينبغي أن تشمل دولة مسلمة. إن ارتباط تركيا بالإسلام هو سبب عدم الرغبة في التواصل معها، وخاصة مع صعود الإسلاموفوبيا بعد أزمة الهجرة في عام 2015. 

اختتم التقرير أن تطور العلاقات الاقتصادية بين تركيا وإيطاليا لن يتم بمعزل عن القضايا السياسية الأخرى مثل الصراع الليبي الذي أصبح مرتبطًا بالأزمة المتطورة في شرق البحر المتوسط​​، والهجرة غير الشرعية. وبالرغم من أن إيطاليا وتركيا تدعم حكومة السراج في طرابلس ضد قائد الجيش الوطني “خليفة حفتر”، إلا أن تأزم الموقف الحالي انعكس بشكل سلبي على مصالح الطاقة الإيطالية.لذا تحرص روما على إنهاء الأزمة الليبية من أجل زيادة حريتها في التنقل داخل منطقة المتوسط، من خلال حفظها على علاقاتها الإيجابية مع جميع الأطراف. وتماشياً مع سياستها الخارجية التقليدية، تنتهج حاليًا سياسة التوازن في علاقاتها مع تركيا مع استمرار تواصلها مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، نتيجة تخوفها من أن تقوية علاقاتها مع أنقرة لن يدفعها إلى وقف التصعيد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى