تركيا

“قواعد اللعبة تتغير” : تحالف انتخابي معارض جديد … يلوح في الأفق التركي

كتب – محمد منصور

أعاد تصريح رئيس حزب السعادة التركي، تمل كرم الله أوغلو، إلى الواجهة مرة اخرى، الحديث عن الحراك الحزبي المعارض لأردوغان وحزبه والقوى السياسية التي تدور في فلكه حيث يتزايد زخم المعارضة تدريجياً منذ انتخابات عام 2015 التشريعية؛ وجاء تصريح أوغلو في السابع عشر من الشهر الجاري، ليعلن عن تحالف انتخابي ثالث، سيظهر في تركيا خلال الفترة المقبلة.

في هذا التصريح، أشار أوغلو إلى إمكانية إقامة تحالف حزبي معارض، يجمع بين حزب السعادة الذي يترأسه (وهو حزب يميني التوجه)، مع حزبين آخرين، يترأسهما قطبين معارضين أساسيين في المعادلة السياسية التركية الحالية، الحزب الأول: هو حزب (الديموقراطية والتقدم)، الذي يرأسه وزير الخارجية والاقتصاد الأسبق علي باباجان، والحزب الثاني: هو حزب (المستقبل) بزعامة رئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو.

أهمية حدوث هذا التحالف وانعكاساته على الداخل التركي، يمكن حصرها في النقاط التالية:

  • يحاول زعيم حزب السعادة من خلال هذا التوجه، بناء على تجربته السابقة في انتخابات يونيو 2018، وعلى ما تمكن تحالف (الأمة) المعارض الذي شارك فيه حينها مع احزاب الشعوب الديموقراطي والخير والشعب الجمهوري من تحقيقه، حين تم إجبار حزب العدالة والتنمية الحاكم، على الدخول حينها في تحالف انتخابي مع حزب الحركة القومية، لمواجهة هذا التحالف المعارض.
  • في حالة تمكن حزب السعادة من الجمع بين قطبين من كبار الأقطاب المنشقة عن الحزب الحاكم (باباجان وداوود أوغلو) في تحالف واحد، فهذا سيحقق له فائدة مزدوجة، فمن ناحية سيشكل تواجدهما ثقلاً وازناً في الجبهة الحزبية المعارضة لحزب العدالة والتنمية، سيصعب المهمة على أي تحالف انتخابي موالي للسلطة خلال الانتخابات التشريعية القادمة، ومن جهة أخرى، سيمثل نجاح حزب السعادة في تأليف هذا التحالف، نجاحاً يضاف إلى رصيده السياسي، ويسمح له باستمالة أحزاب معارضة اخرى للدخول في التحالف الجديد، وهو ما يحافظ على الكتلة الحزبية المعارضة، خاصة الأحزاب حديثة المنشأ، ويمنع تكرار تجارب فاشلة سابقة، مثل تجربة حزب صوت الشعب المنشق عن حزب السعادة عام 2010، أو الحزب الديموقراطي الذي تم إنشاؤه عام 2009.
  • احتمالية دخول أحزاب أخرى إلى هذا التحالف في حالة إطلاقه تبدو كبيرة جداً، خاصة أن كل من داوود أوغلو وباباجان قاما بالفعل خلال الأشهر الماضية، بالتواصل مع بعض أقطاب الأحزاب المعارضة، مثل تواصل داوود أوغلو مع رئيس حزب الشعوب الديمقراطي الكردي السابق، المعتقل منذ نحو أربع سنوات، صلاح الدين دميرتاش، الذي عرض بشكل واضح على أوغلو الدخول في تحالف انتخابي. كذلك تقابل في وقت سابق كل من زعيم حزب الشعب الجمهوري، القوة المعارضة الرئيسية حالياً، كمال كليجدار أوغلو، مع داوود أوغلو، وتباحثاً حول مآلات التعاون في حالة الإعلان عن انتخابات نيابية مبكرة.
  • الضرورة الحتمية لتجمع الأحزاب التركية المعارضة بمختلف تياراتها، في تكتلات انتخابية أساسية، تأكدت أكثر بعد نشر تقارير في الصحافة التركية، تتحدث عن سعي الحزب الحاكم في تركيا، لإقرار قانون يضع قيوداً على انضمام النواب البرلمانيين المستقيلين من أحزابهم التي فازوا في الانتخابات على قوائمها، إلى كتل برلمانية لأحزاب أخرى، ومن خلال هذا القانون، تحاول السلطة في تركيا الحد من إمكانية دعم الأحزاب المعارضة الكبرى للأحزاب المعارضة الأصغر، كما حدث بين حزبي الشعب الجمهوري والخير، حيث أنضم 20 من نواب حزب الشعب إلى حزب الخير فور تأسيسه، بإيعاز من رئاسة حزب الشعب.

أهمية حزب السعادة فى المعادلة:

تنبع أهمية حزب السعادة، من أنه يعد أحدث حزب في سلسلة الأحزاب التابعة لما يسمى (التيار الوطني – ميللي غوروش)، وهو تيار أسسه رئيس الوزراء التركي الراحل نجم الدين أربكان، وبدء فيه عام 1970، بتأسيس حزب (النظام الوطني)، الذي تم حظره بعد ذلك بعام واحد فقط، ثم حزب (السلامة الوطني)، الذي تم تأسيسه عام 1972، وتم حظ ره خلال أحداث انقلاب 1980 العسكري، ثم حزب (الرفاه) الذي تم تأسيسه عام 1983، وحُظر عام 1998، وحزب (الفضيلة) الذي أسسه أربكان في 1998، وتم حظره لاحقاً في يونيو 2001.

مطلع عام 2000، وقبيل حظر حزب الفضيلة، بدأ صدع رئيسي في العلاقة بين التيارات المحافظة والإصلاحية في قيادة هذا الحزب في التشكل بصورة تدريجية، وانقسمت القيادات بين اتجاه محافظ ملتزم بتعاليم نجم أربكان، دعم رجائي قوطان، الذي ترشح لرئاسة الحزب في انتخابات مايو 2000، وبين اتجاه إصلاحي دعم المرشح الأخر لرئاسة الحزب وهو عبد الله جول، وبالتالي قام التياران مباشرة عقب حظر حزب الفضيلة، بتأسيس حزبين منفصلين، حيث أسس التيار المحافظ حزب السعادة، وأسس التيار الإصلاحي الذي تزعمه أردوغان وعبد الله جول حزب العدالة والتنمية.

تأسيس حزب العدالة والتنمية، أدى بشكل مباشر إلى تباطؤ نمو شعبية حزب السعادة خلال السنوات الماضية. هذا التباطؤ تعاظم بسبب موجة من الانشقاقات ضربت صفوف هذا الحزب، لصالح حزب العدالة والتنمية، ففي يونيو 2019، انشق 25 عضواً في حزب السعادة بولاية قارس شرقي تركيا، وفي يناير 2019، أعلن فاتح أربكان، نجل نجم الدين أربكان، عن اعتزامه تأسيس حزب جديد تحت أسم (الرفاه الجديد)، وهو ما دشن عملياً انشقاقه عن حزب السعادة. الانشقاقات طالت حتى قيادة حزب السعادة ذاته، ففي نوفمبر 2010، انشق عن الحزب رئيسه نعمان كورتولموش، وأسس حزب (صوت الشعب)، الي ما لبث وقام بحل نفسه، وانضم بكامل قيادته وأعضائه إلى حزب العدالة والتنمية عام 2012.

رغم التشابه في المنطلق العقائدي والسياسي ما بين حزبي السعادة والعدالة والتنمية، إلا أن كلا الحزبين متضادين بشكل كامل في التوجهات السياسية الحالية، خاصة وأن حزب السعادة حاول بشتى الطرق أن يزيح الرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان، خلال انتخابات عام 2018، تارة عن طريق محاولة اقناع عبد الله جول بالترشح أمامه، وتارة أخرى عبر تقديم رئيس الحزب ليكون مرشح المعارضة في الانتخابات الرئاسية. حزب العدالة والتنمية من جانبه، حاول عدة مرات فتح قناة اتصال مع حزب السعادة، عبر لقاءين جمعا الرئيس التركي مع رئيس الحزب، لكن لم تفلح هذه المحاولات في إحداث أي اختراق في العلاقات، وهذا تأكد أكثر بما توارد من أنباء مؤخراً عن سعي حزب السعادة لإقامة تحالف انتخابي جديد.

المثير للاهتمام في تجربة هذا الحزب، هو أنها كانت أكثر براجماتية من حزبي الفضيلة والرفاه، حيث لجأت قيادة الحزب إلى التحالف مع أحزاب المعارضة بمختلف توجهاتها، رغم أن مواقف الحزب بشكل عام تعتبر أقرب إلى التيار الذي يمثله حزب العدالة والتنمية، وهذا كان واضحاً بشكل كبير خلال انتخابات عام 2015، حين تواصل رئيس الحزب آنذاك مصطفى كمالاك، مع أحزاب معارضة مثل حزب الحركة الوطنية وحزب الاتحاد الكبير، لتشكيل تحالف انتخابي تم فيه تجميع الأصوات المؤيدة للتيار اليميني قدر الإمكان، وقد تكرر هذا في انتخابات عام 2018.

تبقى النتائج المرجوة من أية تحالفات معارضة جديدة في تركيا، رهناً بإمكانية ومستوى توافق الأقطاب الرئيسية الموجودة فيه، على برنامج العمل قبل وأثناء وبعد الانتخابات المقبلة، التي يشير أغلب المحللين أنها لن تكون هذا العام على الأغلب. التجارب السابقة أثبتت أن إمكانية تحقيق نجاح حزبي معارض أمام الحزب الحاكم تتزايد بشكل مطرد، فرغم القيود المتزايدة،  تمكنت أحزاب المعارضة الرئيسية الثلاثة عام 2018، من الحصول على 46 بالمئة من أصوات المقترعين في الانتخابات الرئاسية، ونحو 44 بالمائة من أصوات المقترعين في الانتخابات البرلمانية، يضاف إلى ذلك ما حققه حزب الشعب الجمهوري في الانتخابات البلدية عام 2019، والتي حصل فيها مرشحو الحزب على منصب رئاسة البلدية في ست من أصل أكبر عشر مدن تركية، وعلى رأسها مدينة إسطنبول، وهذه جميعاً كانت مؤشرات مهمة على عدم مناعة الرئيس التركي وحزبه الحاكم ضد التعرض لهزائم سياسية، وهو ما يمكن البناء عليه بشكل كبير خلال الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى