سوريا

هل تكون القاعدة بديلا لداعش في سوريا

أتاح الضغط العسكري على تنظيم “داعش” في سوريا وصولا إلى إعلان قوات سوريا الديمقراطية في ابريل 2019 النصر الميداني على التنظيم في أخر معاقله بمدينة الباغوز في ريف دير الزور الشرقي في سوريا، الفرصة لعودة أو صعود تنظيمات جهادية أخرى نتيجة تراجع تنظيم “داعش”.

ويأتي على رأس تلك التنظيمات تنظيم القاعدة في سوريا، ولا سيما في ضوء اتباع تنظيم القاعدة “سياسة الصبر الاستراتيجي” واستغلاله انشغال القوى الدولية بمحاربة تنظيم “داعش” وقيامه بإعادة بناء فروعه.

 وكان رئيس الاستخبارات البريطانية “أليكس يونجر” حذر خلال “مؤتمر الأمن” الذي عقد في ميونيخ فبراير 2019 “من  تجدد التهديد الذي يشكله عناصر تنظيم “القاعدة” بالمناطق التي يوجد فيها فراغ في سوريا، وخاصة بمنطقة إدلب”.

 وفي سياق متصل، ذكر تقرير صادر عن الأمم المتحدة في أوائل عام 2019 حول التهديد العالمي للإرهاب، إنه يبدو أن لدى “القاعدة” طموحات كبيرة، فهي مازالت متماسكة، ونشطة في عديد من المناطق، ولديها طموح في أن تطرح نفسها أكثر على المسرح الدولي.”

القاعدة في سوريا

سعى” تنظيم القاعدة” إلى إيجاد موطئ قدم له في سوريا مع اندلاع الاحتجاجات السورية عام 2011، واتضح ذلك من بيان أصدره أيمن الظواهري في يوليو 2011، حث فيه الشعب السوري على الإطاحة بحكومة بشار الأسد، وتأسيس إمارة إسلامية. وقد مر “تنظيم القاعدة” في سوريا بعدد من التحولات والمسميات بداية من تشكيله، والتي يمكن إجمالها على النحو التالي:

جبهة النصرة: بدأ نشاط “تنظيم القاعدة” في سوريا مع إعلان “محمد الجولاني” في يناير 2012 تشكيل “جبهة النصرة لأهل الشام من مجاهدي الشام”. وقد نجحت “جبهة النصرة” في إظهار فاعلية ميدانية، وحققت انتشارا واسعا في مدة قياسية، لتصبح إحدى أبرز المجموعات التي تقاتل النظام السوري. وفي إطار سعيها لتكريس حضورها في المشهد السوري عملت على تدشين علاقات وثيقة مع الجماعات المقاتلة ذات الهوية الإسلامية.

جبهة فتح الشام: مع تصعيد القوى الدولية الجهود العسكرية ضد “جبهة النصرة”، نتيجة لارتباط الأخيرة بتنظيم القاعدة، سعت” جبهة النصرة” إلى إعادة تسويق نفسها. وعمد “الجولانى” إلى تشكيل كيان جديد تحت مسمى “جبهة فتح الشام ” في يوليو 2016، دون تبعية لتنظيم القاعدة. 

وجادل بعض المحللين أن فك الارتباط بالقاعدة لم يكن سوى إجراء شكلي، مفترضين أن العلاقة بين جبهة فتح الشام وتنظيم القاعدة استمرت على أرض الواقع ولكن بشكل سري لتلقى الإرشاد الاستراتيجي والعملياتي.

هيئة تحرير الشام: في يناير 2017 عمد “الجولانى” إلى توسيع عملية الاندماج لتشمل أبرز التنظيمات في سوريا. فاندمجت جبهة “فتح الشام” مع “حركة نور الدين الزنكي” و”جبهة أنصار الدين”، و”جيش السنة” و”لواء الحق”، ليتم تشكيل “هيئة تحرير الشام”.

 وقد أعلنت الهيئة أن مهمتها الرئيسية “هي توحيد المعارضة المسلحة السورية والمحافظة على مكاسب الثورة والجهاد”. وقد عانت الهيئة من انحسار نفوذها في عام 2018 غير أنه مع بداية عام 2019 خاضت الهيئة عدة معارك تمكنت خلالها من بسط سيطرتها في إدلب والمناطق الواقعة في محيطها.

تنظيم حراس الدين: ظهر تنظيم حراس الدين في فبراير 2018، وحصل على مبايعات من فصائل جهادية أصغر. ويعد هو الفصيل الجهادي الأهم في الشمال الغربي. ويقوده موالون بارزون للقاعدة انشقوا عن جبهة النصرة خلال عملية تحولها إلى هيئة تحرير الشام. والقائد العام الحالي له هو “سمير حجازي” المعروف بـ “أبو همام الشامي” القائد العسكري لجبهة النصرة السورية التابعة لتنظيم القاعدة سابقا.

ويجمع التنظيم بين استراتيجية “القاعدة” التقليدية في قتال العدو البعيد واستراتيجية “داعش” في قتال العدو القريب. ويستخدم التنظيم استراتيجية حرب العصابات التي تتناسب مع أعداد مقاتليه، إذ تشير التقديرات الإعلامية إلى تراوح عدد أعضائه ما بين 700 -1000 إرهابيا. 

فرص صعود القاعدة في سوريا

هناك عدد من العوامل المحفزة لنشاط تنظيم القاعدة في سوريا، يمكن الوقوف عليها في النقاط التالية:

الاستراتيجية الأمريكية: تراجعت أولوية مكافحة الإرهاب لدى الإدارة الأمريكية الحالية، إذ تحولت لأولويات الأمن القومي الأمريكي من مكافحة الإرهاب إلى المنافسة الاستراتيجية مع القوى الكبرى كروسيا والصين. إذ أعلن “دونالد ترامب” سحب القوات الأمريكية من سوريا وأفغانستان. وقد يساهم الانسحاب الأمريكي من سوريا في إعادة انبعاث القاعدة مرة أخرى. ويستشهد هذا الطرح بما ترتب على خروج الاتحاد السوفيتي من أفغانستان عام 1989 من تجنيد والهام عناصر القاعدة. كذلك ساهم انسحاب الولايات المتحدة من العراق عام 2011 في خلق فراغ أمني، ساعد على تعزيز نفوذ القاعدة ومن بعدها أتاح فرصه لصعود تنظيم الدولة. 

تراجع تنظيم “داعش”: قد يتيح تراجع “داعش” الفرصة لتعزيز نفوذ “القاعدة “في سوريا، وذلك استثمارا للفراغ الناتج عن سقوط دولة الخلافة المزعومة، وسعيا لاستقطاب مقاتلين من صفوف داعش. وقد برزت مؤشرات هذا التوجه في خطاب الظواهري في فبراير 2018 الذي عُرف “بسبيل الخلاص”، إذ حمل الخطاب العديد من الرسائل التي يعد أبرزها: التأكيد على أن منظومة القيادة والسيطرة لدى التنظيم لا تزال نشطة، والنقد الصريح لتنظيم “داعش” وأسلوبه لتعريض مقاتليه للخطر، مما يوحي بأنها محاولة لاستمالة عناصر تنظيم “داعش” وتجنيدهم. 

وفي سياق متصل، أصدر تنظيم القاعدة مجلة جديدة في شهر أبريل 2019 تحت عنوان” أمة واحدة”، وهدفت المجلة إلى تحريض المسلمين على القتال، مما يشير إلى سعى تنظيم “القاعدة” إلى استغلال تراجع تنظيم “داعش” وذراعه الإعلامي، وذلك بشغل الفراغ الإعلامي الإرهابي من خلال تنويع إصدارات الأول الإعلامية. 

خصائص تنظيم “القاعدة”: تميز تنظيم “القاعدة” بعدد من الخصائص التي تؤهله للصعود مستقبلا في سوريا، يتعلق أولها بمرونة “تنظيم القاعدة” والقدرة على تغيير أدواته وتكتيكاته طبقا للبيئة الحاضنة. ويتصل ثانيها بقدرته على انتقاء معاركه حيث تجنب قادته محاربه كثير من الأعداء في وقت واحد على عكس تنظيم الدولة الإسلامية، وذلك في إطار سعي التنظيم إلى أن يصبح بديلا معتدلا لداعش.

البيئة الحاضنة: يوجد ثلاثة أنواع للبيئة الحاضنة للإرهاب تتمثل في البيئة المنتجة والمنسجمة والمصدرة. وبتدقيق النظر في الساحة السورية نجد أنها تعد مثالا صريحا للبيئة الحاضنة بأنواعها الثلاثة، إذ تمثل الساحة السورية بيئة منتجة للإرهاب نتيجة للصراعات الطائفية التي تحفز نشاط التنظيمات المتطرفة. كما تمثل بيئة منسجمة مع الإرهاب بسبب الفراغ الأمني الناتج من انهيار المؤسسات الأمنية، والتباطؤ في عملية إعادة الإعمار في المناطق التي سيطرت عليها التنظيمات الإرهابية، وعدم الوصول إلى تسوية سياسية. كما تعد بيئة مصدرة للإرهاب ويتضح ذلك في كونها تصدر المقاتلين الأجانب للبدان المجاورة لحدودها.

ظهور بن لادن الجديد: مثل بروز “حمزة بن لادن” عنصرا محفزا لدعم صعود تنظيم “القاعدة”. وفي خطاب عام 2015 لزعيم القاعدة الحالي أيمن الظواهري أشار إلى “حمزة” باعتباره “أسدا”، كما أن المواقع الموالية للقاعدة على الانترنت تقدم “حمزة بن لادن” باعتباره النجم الذي سيلهم الجيل المقبل من الجهاديين. فمازال اسم “بن لادن” قادرا على تجنيد العديد من المتطرفين.

مجمل القول، في ضوء السقوط المتدرج لخلافة “داعش” المزعومة بالتزامن مع توافر عدد من العوامل المحفزة لصعود تنظيم القاعدة في سوريا، وتعزيز نشاطه، خاصه مع تمركز عدد من العناصر التابعة له في إدلب، فإن الفترة المقبلة ستشهد صعودا للقاعدة. 

ويبقى أمام تنظيم القاعدة سيناريوهان؛ السيناريو الأول: يتمثل في قيام تنظيم القاعدة بإتباع استراتيجية العمل السري والتفجيرات الخاطفة بعيدا عن فكرة السيطرة على الأرض. أما السيناريو الثاني: فيتمثل في سعي التنظيم إلى توحيد الفصائل الراديكالية وإيجاد موطئ قدم له على الأرض.

 وبصفة عامة فإن تحقق أي من السيناريوهين السابقين يتوقف على محددين رئيسيين؛ أولهما: قدرة “القاعدة” على تجاوز الصراعات الداخلية التي يشهدها التنظيم في خضم توارد الأنباء عن محاولات لتنصيب “حمزة بن لادن” زعيما للتنظيم والإطاحة بالزعيم الحالي “الظواهري”. ثانيهما: دور القوى الفاعلة في سوريا ومدى اتباعها سياسة من شأنها مكافحة الإرهاب أو مدى توظيفها له كذريعة تبرر وجودها في سوريا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى