شرق المتوسط

مستقبل منظمة منتدى غاز شرق المتوسط ما بين الفرص والتحديات

كتبت- نوران عوضين

وقع اليوم الثلاثاء الثاني والعشرين من سبتمبر 2020 وزير البترول والثروة المعدنية المصري طارق الملا، ووزراء منتدى غاز شرق المتوسط على ميثاق تحويل منتدى شرق المتوسط إلى منظمة إقليمية مقرها القاهرة. يأتي هذا التوقيع في سياق ما يتسم به المنتدى من توافق في الرؤى والأهداف مابين مؤسسيه، وكذا وجود إرادة سياسية نحو إكساب المنتدى بعدًا مؤسسيًا بغرض تعزيز التعاون الإقليمي في تطوير اكتشافات الغاز البحرية بالمنطقة، بما يمكنهم من تحقيق استفادة مشتركة من الموارد الغازية بالمنطقة، علاوة على رغبة المؤسسين في أن يصبح المنتدى بمثابة أداة ضغط فاعلة أمام أي مشروع مناوئ لأهداف المنتدى أو متعارض مع مصالح مؤسسيه.

من جانب آخر، يعد تحول المنتدى إلى منظمة إقليمية دلالة على توافق الإطار التأسيسي للمنظمة مع الاتحاد الأوروبي. فعقب توقيع الدول المؤسسة للمنتدى بالأحرف الأولى على اتفاقية إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط مطلع العام الجاري، قدمت الدول الأوروبية المشاركة الإطار التأسيسي للمنتدى إلى المفوضية الأوروبية لمراجعته. وهو ما يُكسِب المنظمة زخمًا إضافيًا، ومساحة أكبر للحركة إقليميًا ودوليًا.

فرص نجاح المنظمة

منذ عام 2009، تتوالى اكتشافات الغاز الطبيعي بمنطقة شرق المتوسط، فقد كانت البداية مع اكتشاف إسرائيل لحقلي “تمار وليفثيان”، واكتشاف قبرص لحقل “أفروديت”. وأخيرًا اكتشاف مصر لحقل “ظهر”، الكشف الأكبر بالمنطقة والذي قًدِرت احتياطاته بنحو 30 تريليون قدم مكعب. وفي إطار توالي تلك الاستكشافات، قدرت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية من قبل احتواء حوض شرق البحر المتوسط ما بين 340 إلى 360 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، تتراوح قيمتها المالية ما بين 700 مليار دولار و3 تريليونات دولار.

وفي سياق توالي تلك الاكتشافات، وتصاعد الممارسات التركية الاستفزازية، اتجهت مصر إلى جانب إيطاليا واليونان وقبرص والأردن وإسرائيل وفلسطين إلى إطلاق منتدى غاز شرق المتوسط في أوائل عام 2019، والذي استهدف بالأساس العمل على إنشاء سوق غاز إقليمي يخدم مصالح الأعضاء، إلى جانب تنمية الموارد على الوجه الأمثل، والاستخدام الكفء للبنية التحتية القائمة والجديدة مع تقديم أسعار تنافسية. يشكل المنتدى فرصة نحو تحقيق أكبر قدر من التعاون بين الدول المنتجة للغاز الطبيعي في منطقة شرق المتوسط، بما يُسهم في الإسراع بعمليات التنمية والنمو الاقتصادي، ويحقق في النهاية مصالح كل الدول المشاركة.

من ناحية آخرى، يعد أمر ترسيم الدول الأعضاء لحدودها الاقتصادية من العوامل الدافعة -بشكل ما- نحو ضمان نجاح المنتدى. فبالرغم مما تتمتع به المنطقة من ثروات غازية أهّلتها لأن تصبح لها مكانة محورية بخريطة الغاز العالمي، كان من الممكن أن تضيع تلك الثروة إذا ما لم يتم ترسيم حدود المياه الاقتصادية الخالصة لكل دولة. فبخلاف فلسطين، تم توقيع العديد من الاتفاقيات الثنائية ما بين دول المنطقة، حيث تم التوقيع بين مصر وقبرص عام 2003، مصر وإسرائيل عام 2005، قبرص ولبنان عام 2007، قبرص وإسرائيل عام 2010، إيطاليا واليونان يونيو 2020، وأخيرًا مصر واليونان أغسطس 2020.

يضاف إلى فرص نجاح المنتدى ما تلقاه المنتدى من دعم دول كبرى كالولايات المتحدة وفرنسا. ففي السادس عشر من يناير 2020، تم الإعلان عن طلب فرنسي بشكل رسمي بشأن الانضمام إلى عضوية المنتدى، كما أبدت الولايات المتحدة رغبتها هي الأخرى في الانضمام إلى المنتدى كمراقب بصفة دائمة. يرتبط الدعم الأمريكي للمنتدى بالرغبة في تحجيم النفوذ الروسي النابع من كون الأخيرة المورد الرئيسي للطاقة إلى أوروبا، حيث تقوم روسيا وحدها بتصدير حوالي 40% من الاحتياجات الغازية للدول الأوربية.

ولذلك، يبدو المنتدى كفرصة أمام الجانب الأوروبي في اتجاه محاولة تنويع صادراته، خاصة في ظل تنامي احتياجاته من الغاز. فعلى الرغم من إدراك أهمية الغاز الروسي بالنسبة للجانب الأوروبي من حيث كونه أرخص ومتوفر بشكل أكبر من خلال طرق إمداد متعددة، ولكن تظل الدول الأوروبية في حاجة إلى اعتماد مساحة للمناورة تُمكّنها من تحقيق هدفها في تنويع صادراتها الغازية، وعدم البقاء رهينة لاحتمال انقطاع الإمدادات عنها في حال حدوث تقلبات سياسية، كتلك التي جرت سابقًا ما بين روسيا وأوكرانيا والتي كانت كفيلة بتعديل الاتحاد لاستراتيجيته الساعية نحو تنويع مصادر الحصول على الغاز وتوسيع خطوط الإمدادات الأمنة معقولة التكلفة من مناطق أخرى.

وتعد ما تمتلكه الدولة المصرية من محطات تسييل ميزة آخرى تُميز مصر عن الدول الأخرى بالمنتدى وتضاف إلى فرص نجاح المنتدى. تمتلك مصر محطتي تسييل وهما محطتي إدكو ودمياط بطاقة إنتاجية تصل إلى 17 مليون طن سنويًا (نحو 12.5 مليار متر مكعب). تعمد مصر من خلال تلك المحطتين إلى تصدير الغاز إلى أوروبا أو إلى أي منطقة آخرى، حيث يتم نقل الغاز المسال من كلتا المحطتين عبر السفن ومن ثم ضخه بشبكات النقل التابعة للدول المستوردة بغرض استخدامه.

من ناحية آخرى، تعد الحقول الغازية المُكتشفة بالمنطقة في حد ذاتها ميزة إضافية، فبخلاف ما تحظاه من أهمية بفضل طاقاتها الإنتاجية أو كمية احتياطياتها، ولكن سيُمكن القرب الجغرافي للحقول المصرية والقبرصية والإسرائيلية من إنشاء بنية تحتية إقليمية تنافسية لتصدير الغاز، يرتكز الاعتماد فيها على محطات التسييل المصرية. وبذلك ستتمكن الدول الثلاث من التصدير الفوري لكميات كبيرة من الغاز بمجرد تغطية جميع الاحتياجات المحلية. كذلك يمكن من خلال تلك المحطات تصدير الغاز ليس فقط إلى السوق الأوروبية أو أي سوق بالمنطقة، وإنما يمكن تصدير الغاز إلى أي منطقة بالعالم. بالإضافة إلى ذلك، في حالة ظهور كميات إضافية من الغاز للتصدير في المستقبل، يمكن توسيع كلا المحطتين، من خلال إضافة وحدات جديدة للتسييل عند الحاجة إلى ذلك، وهو ما يعد أقل تكلفة بكثير من بناء محطات جديدة للتسييل في إسرائيل أو قبرص، إذ تُقدر تكلفة إنشاء المحطة حاليًا بنحو 7 مليار دولار.

وفي هذا السياق، وقعت مصر بالفعل اتفاقيات مع دول أخرى لاستيراد فائضها من الغاز، بهدف إسالته ثم تصديره، فاتفقت مع قبرص على إنشاء خط أنابيب من حقل “أفروديت” إلى مصر بتكلفة تصل لمليار دولار. كما وقعت إسرائيل اتفاقية مدتها 10 سنوات لتصدير ما قيمته لتصدير ما قيمته 15 مليار دولار من الغاز الطبيعي المستخرج من حقلي “تمار وليفياثان”.

سياق مقوِّض

على الرغم من تعدد الفرص الدافعة نحو إنجاح المنتدى، ولكن تظل هناك مجموعة من التحديات التي قد تقوض من زخم عمليات الاستكشاف، وتعرقل أعمال الشركات الدولية بما قد يؤثر بالسلب على الطاقة الإنتاجية لحقول دول المنطقة. لعل من أبرز تلك الأسباب عدم الاستقرار بدول مشاطئة لمنطقة شرق المتوسط كسوريا وليبيا، كذلك غياب ترسيم الحدود البحرية ما بين إسرائيل ولبنان، هذا إلى جانب النزاع الفلسطيني الإسرائيلي الممتد والذي انعكس بدوره على عرقلة الجانب الإسرائيلي لأعمال الإنتاج داخل الحقول الفلسطينية(غزة مارين، مارين2)، وتقويض إسرائيل أيضًا لأي محاولات من شأنها تطوير تلك الحقول أو تصدير الناتج عنها إلى الأسواق العالمية.

وبجانب ما تقدم، تبرز تركيا كتحدٍ رئيسي آخر معرقل لأي نشاط تعاوني بالمنطقة بشكل عام، ولأنشطة المنتدى على وجه التحديد. فمنذ توالي الاكتشافات الغازية بمحيط منطقة شرق المتوسط وغياب المياه التركية عن خريطة تلك الاستكشافات، صعّدت تركيا من تحركاتها الاستفزازية، والتي من شأنها الاستحواذ –بشكل غير شرعي- على أكبر قدر من الموارد الغازية ومحاولة إصباغه الشرعية المفقودة. وبناءً عليه، وضعت تركيا رؤيتها الخاصة إزاء ترسيم حدودها البحرية بمنطقة شرق المتوسط والتي اقتطعت في إطارها أجزاء من المنطقة الاقتصادية القبرصية.

لم يتوقف الأمر عند حد ترسيم الحدود بمخالفة القانون الدولي، بل انتهجت أيضًا منحى تصعيديًا بالمنطقة حيث توقيف البحرية التركية لسفن الشركات الدولية العاملة بالمنطقة، علاوة على إجراء مناورات عسكرية، ومرافقة سفن عسكرية لسفن التنقيب التي تعمل في غير مناطق تركيا الاقتصادية.

وأخيرًا، عاودت تركيا العمل على إضفاء الشرعية على تحركاتها الاستكشافية والتصعيدية بالمنطقة، وذلك عبر توقيعها في نوفمبر 2019 مذكرتي تفاهم مع حكومة الوفاق الليبية متعلقة بتأطير التعاون الأمني والعسكري، وتحديد مناطق السيادة البحرية. يُنظر إلى هذا الاتفاق باعتباره انتهاكًا للسيادة البحرية لكل من اليونان وقبرص نظرًا لتواجد كليهما بمنتصف طريق الحدود التي يحاول الاتفاق تحديدها. لا ينصرف أمر الاتفاق عند حد انتهاك سيادة الدول، وإنما يستهدف الاتفاق بالأساس إلى اختراق منطقة شرق المتوسط وكسر العزلة المفروضة على الجانب التركي والتي نتجت بشكل أساسي عن المنتدى وعرقلة إن لم يكن منع كافة المشاريع المنبثقة عنه، وبالأخص مشروع أنابيب “إيست ميد”.

مستقبل منظمة غاز شرق المتوسط

بيد أن العالم خلال اللحظة الراهنة يتجه نحو تقليل الاعتماد على الكربون وتوسيع استهلاك الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة في المقابل. وفي هذا الإطار، تتوقع الوكالة الدولية للطاقة (IEA) أن يرتفع الطلب العالمي على الغاز حتى عام 2040. وفي ضوء الطلب المتزايد على الطاقة في جميع أنحاء العالم، يمثل الغاز الطبيعي البديل الهيدروكربوني الملائم خلال عملية الانتقال إلى أسواق الطاقة الخالية من الكربون نظرًا لمزاياه البيئية ولما للغاز من دور في دعم توليد الطاقة المتجددة.

وفي هذا السياق العالمي، قد يمثل المنتدى فرصة واعدة لمجموعة دول شرق المتوسط سواءً اقتصاديًا أو سياسيًا. فمن ناحية، من المتوقع أن ترتفع نسبة احتياطيات المنطقة. ففي عام 2010، قدرت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية كمية احتياطات الغاز الطبيعي بالمنطقة بنحو 122 تريليون قدم مكعب، وهو الرقم الذي ازداد لاحقًا ليصبح نحو 340 تريليون قدم مكعب، وباستمرار أعمال التنقيب من المتوقع أن تزداد كمية الاحتياطيات المقدرة بالمنطقة، الأمر الذي سيعزز حينها من وضع ومكانة المنتدى بسوق الغاز العالمي، ويحفز شركات التنقيب نحو ضخ المزيد من الاستثمارات بالمنطقة بما يعود بالنفع في النهاية على دول المنطقة.

من جانب آخر، على الرغم من تنامي المعروض العالمي من الغاز ولكن الطلب العالمي متزايد أيضًا، ويظل خيار المتوسط بشكل عام هو الخيار المفضل والأكثر منطقية بالنسبة للاتحاد الأوروبي لعدد من العوامل يعد من أهمها مسألة القرب الجغرافي وانخفاض تكلفة الشحن، علاوة على سعيه نحو تأمين مصالح شركاته المنخرطة بأعمال الاستكشاف والتنقيب بالمنطقة.

وأخيرًا، فعلى الرغم مما يبدو من تحديات مواجهة للمنتدى، لكن تشير أغلب التحليلات الخاصة بمستقبل الغاز بالمنطقة إلى أن المسار الخاص بإنشاء سوق للغاز بشرق البحر المتوسط ​​على أساس البنية التحتية القائمة للغاز الطبيعي المسال في مصر يعد المسار الأكثر منطقية؛ وذلك نظرًا لما للأمر من فوائد اقتصادية وتجارية لجميع الجهات الفاعلة الإقليمية المعنية – فضلًا عن تجنبه لأي توترات جيوسياسية محتملة مرتبطة بالنزاعات الإقليمية القائمة. كذلك، فإن هذا المسار من شأنه أن يوفر لموردي الغاز في شرق البحر المتوسط ​​مرونة فيما يتعلق بأسواق المقصد في المستقبل حيث عدم الاعتماد فقط على المستورد الأوروبي وإنما هذا من شأنه فتح المجال أمام تصدير الغاز إلى أي جهة بأنحاء العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى