إيران

عودة مدارس إيران تشعل تصعيداً داخلياً

يتعرض التعليم في إيران إلى تحديات جمة بدأت بالقيود الناجمة عن فرض العقوبات الدولية؛ ومروراً بالنزاعات الداخلية جراء الاختلاف الأيدولوجي؛ وختاماً ما سببته جائحة COVID-19، وعلى الرغم من تزايد أعداد المصابيين بفيروس كورونا في مطلع الجائحة، وتسجيل زيادة في أعداد المصابين والوفيات من بين الطلاب والمعلمين في إيران، إلا أن قرار إغلاق المدارس جاء متأخراً وحجبت الدولة أعينها عن الدعوات المختلفة لإغلاق المدارس، وبعد أن أعلنت منظمة الصحة العالمية أن الفيروس المستجد، بات متفشيا بشكل كبير فى إيران، حيث سجلت المركز الثاني في عدد الوفيات من الفيروس بعد الصين، والرابع عالمياً في عدد الإصابات بعد الصين وكوريا الجنوبية وإيطاليا، تم إغلاق المدارس في 20 من مارس الماضي لمدة شهر في بادىء الأمر، ثم تم تمديد مدة الإغلاق حتى إعلان إعادة فتح المدارس في سبتمبر الجاري، الأمر الذي أثار رفضاً شعبياً بلغ حد تصاعد مطالب تلوح بعزل وزير التربية والتعليم الإيراني.

المصدر 

خطة إيران لعودة المدارس

التعليم في إيران إلزامياً ومجانياً في مرحلة التعليم الأساسي بإجمالي 24 ساعة خلال الفصل الدراسي الواحد، أما في المرحلة الثانوية فالتعليم ليس إلزاميًا ولكنه مجاني، وينقسم إلى ثلاث مجالات ما بين الأكاديمي، والتقني، والمهني/المهاري، بيد أن المجال الأكاديمي يعد الأكثر شعبية، وإبان الجائحة وبعد إغلاق المدارس أطلقت وزارة التعليم الإيرانية تطبيقًا محليًا للهواتف المحمول من أجل إبقاء الطلاب على اتصال بمدارسهم، ووفرت برامج للتعلم عن بعد من خلال المحطات الإذاعية، وبث البرامج التعليمية على قنوات التلفاز المحلية يوميًا.

وتبدأ الخريطة الزمنية للعام الدراسي في إيران سنوياً في 23 من شهر سبتمبر، بيد أن هذا العام وفي ظل ذروة الجائحة بدأت الدراسة قبل 18 يوم من التوقيت الرسمي للخريطة الزمنية للعام الدراسي، وقد أعلنت وزارة التعليم خطة إعادة فتح المدارس لتكون وفق نموذج زوجي – فردي، حيث يتم تقسيم المدارس الحضرية والريفية ذات الكثافة السكانية المرتفعة إلى مجموعتين، فيحق للمجموعة الأولى الذهاب للمدرسة خلال الأيام الفردية، بينما يحق للمجموعة الثانية الذهاب الى المدرسة خلال الأيام الزوجية، أما في المناطق ذات الكثافة السكانية المنخفضة والتي تسجل أعداد أقل من الإصابة بالفيروس المستجد يسمح للطلاب الذهاب إلى المدرسة بشكل يومي. أما عن مدة الحصة الدراسية فقد تم تخفيضها لتصبح 35 دقيقة فقط كحد أقصى، هذا بالإضافة إلى تطبيق تباعد اجتماعي بين الطلاب قدره متر واحد على الأقل، مع الالتزام بارتداء قناع الوجه “الكمامة” في كل الاوقات داخل المدرسة، كما تضمنت الخطة ثلاثة نماذج للتعليم يضم النموذج الأول الحضور الشخصي للطلاب جسديا بمقر الدراسة، بينما يعتمد النموذج الثاني على التعليم الافتراضي عبر الانترنت، أما النموذج الثالث فيعتمد على التعليم عن بعد من خلال المنصات المرئية والمسموعة كالتلفاز والإذاعة، هذا بالإضافة إلى إلغاء الحفلات الصباحية والأنشطة الرياضية في جميع المدارس، وباعتماد هذه الخطة قرع الرئيس الإيراني جرس حفل عودة المدارس كإجراء رمزي لافتتاح العام الدراسي الجديد بأحد المدارس الثانوية للبنات.

مناطق حمراء وتصعيد داخلي

قسمت وزارة الصحة الإيرانية خريطة إيران الى مجموعة من المناطق وفق شدة معدل تفشي حالات الإصابة والوفاة من فيروس كورونا، وتم إطلاق أكواد ملونة تميز كل منطقة، تتدرج من الأبيض، ثم الأخضر، فالأصفر، والبرتقالي، وأخيراً الأحمر، وفي تصريح أخير لنائب وزير الصحة الإيراني أعلن أن كل مناطق إيران أصبحت في الحالة الحمراء، بما يصف أن إيران بأكملها أصبحت في حالة تأهب، وهو ما يتعارض وما أعلنته وزارة التربية والتعليم في إيران من خطة إعادة فتح المدارس في المناطق البيضاء والتي تقل فيها أعداد الاصابات والوفيات الناجمة عن الفيروس المستجد، حيث أضحى عدد الوفيات يومياً يتخطى المئة متوفي بسبب فيروس كورونا، ويمثل الطلاب والمعلمين ومقدمي الخدمات التعليمية في إيران نحو 17 مليون نسمة، أي ما يعادل خٌمس سكان إيران، مما يشكل ضغط هائل على الخدمات والأطقم الطبية بعد عودة الدراسة وإعادة فتح المدارس، وذلك إذا لم يتم تطبيق الإجراءات الاحترازية بشكل صحيح وصارم، فالمستقرأ لخرائط تتبع تفشي الجائحة في إيران ما بين قراري إغلاق المدارس وإعادة فتحها سيلاحظ أن أعداد المصابين والوفيات تكاد تكون متقاربة، وهذا ما توضحه الخرائط التالية:


المرجع: https://g.co/kgs/b4otUo 

وعلى الرغم من زيادة أعداد المصابين والوفيات من كورونا آثرت وزارة التربية والتعليم في إيران إعادة فتح المدارس في 5 من سبتمبر الجاري، وبررت هذا القرار بأن ذلك يضمن تفادي حدوث التداعيات النفسية السلبية الناتجة عن توقف التعليم وإغلاق المدارس، وأن العديد من الدول الأوروبية وحتى الدول التي سجلت مراكز أولى عالمياً في الإصابة والوفاة جراء كورونا قامت جميعها بإعادة فتح مدارسها، لكن هذه المبررات لم تلقى اهتماماً ولم تكبح جماح الأصوات المنددة بقرار إعادة فتح المدارس في إيران، والتي كانت في مقدمتها ما أعلنه رئيس المؤسسة العامة للنظام الطبي من رفض، حيث وصف قرار عودة المدارس “بانعطاف مفاجئ”، وأضاف أن القرار جاء مخالفاَ لكل المضامين التي عرضها وزير التربية والتعليم قبل القرار، هذا بالإضافة إلى أن قرار عودة المدارس يمثل عبئًا مضاعفاَ على العاملين في القطاع الطبي على حد قوله، وتصاعدت أصوات رفض القرار داخل البرلمان الإيراني، فانتقد عدد من النواب الإيرانيين بشدة إعادة فتح المدارس خلال الجائحة، ولوحوا بعزل وزير التربية والتعليم، خاصة بعد ارتفاع عدد النواب المصابين بالفيروس المستجد ليصبح عددهم 26 نائباً، بالإضافة الى 3 نواب لاقوا حتفهم بسبب كورونا، إلا أن قرار استجواب الوزير وعزله ليس بالأمر المتاح، لذا دعا نائب رئيس البرلمان الإيراني لاعادة النظر في النظام البرلماني في ظل النظام الرئاسي الحالي، كونه لا يتيح لمجلس النواب استجواب الحكومة، ومراقبة برامجها، أو محاسبتها على حد قوله.

وقد ارتفعت الإصابات في إيران عقب إعادة افتتاح المدارس، مما أنذر بحدوث موجة جديدة من الوباء، لكن يظل التعليم الإيراني لديه القدرة على المقاومة نتيجة نجاح منظومة السياسات التعليمية في القضاء على الخلافات الظاهرية من خلال بناء هوية جمعية تعكس مخطط أيديولوجي مبني على أكذوبة استعادة مجد الحضارة الفارسية، وتاريخ الثورة الإيرانية، بالرغم من التحديات التي يتعرض لها نظام التعليم بسبب جائحة كورونا تارة، والصراع المستمر على السلطة بين المتشددين والإصلاحيين، وخاصة بعد هيمنة المتشددين على البرلمان في الانتخابات الأخيرة في فبراير الماضي تارة أخرى، علاوة على عقود العقوبات الاقتصادية والعزلة السياسية التي شهدتها إيران. 


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى