تركيا

هل تستبدل الولايات المتحدة قاعدة “أنجرليك” التركية بأخرى في اليونان؟

كتب :محمد حسن

تسببت السياسات التي ينتهجها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في علاقات بلاده الخارجية، بالعديد من محطات “التأزم” مع دائرة الدول الحلفاء والأصدقاء.

ولعل أبرز محطات التأزم الحاصلة، والتي سرعان ما تظهر للعلن وإن خفتت حدتها لفترة ما؛ كانت مع الولايات المتحدة. فمنذ محاولة الانقلاب الفاشل في تركيا منتصف يوليو من العام 2016، تأزمت العلاقات على نحو متصاعد، لاسيما مع انتهاج أنقرة لسياسات قمعية وتعسفية مع عشرات الآلاف من المواطنين الأتراك الذين وقعوا تحت دائرة الاتهام بالتورط في محاولة الانقلاب والانتماء لحركة “الخدمة” لرجل الدين التركي “فتح الله كولن”، مروراً بالحملات العسكرية التركية النظامية في الشمال السوري “درع الفرات – غصن الزيتون – نبع السلام”. حيث وقعت قاعدة “أنجرليك” العسكرية عنوانا لهذه التجاذبات بين الطرفين نظراً لأهميتها الاستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي؛ إذ هددت تركيا مرات عديدة على لسان مسؤوليها الكبار بإغلاق القاعدة أمام الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي ضاق بالمسؤولين الأمريكيين حد التفكير في إيجاد موطئ قدم جديد في المنطقة بديلاً عن قاعدة “أنجرليك”.

وأكد سيناتور أمريكي جمهوري بارز، أن الولايات المتحدة تدرس إمكانية نقل قواتها من قاعدة أنجرليك إلى “جزيرة” يونانية بسبب السياسات المقلقة التي تتبعها أنقرة.

وقال السيناتور عن ولاية ويسكونسين “رون جونسون” الذي يرأس اللجنة الفرعية للعلاقات الخارجية لأوروبا في مجلس الشيوخ، في حديث لمجلة “واشنطن إكزامينر”: لا نعرف بالضبط ماذا سيحصل لإنجرليك، نأمل في الأفضل لكن علينا وضع خطة للسيناريو الأسوأ” ، موضحا أن واشنطن تسعى إلى الحفاظ على تعاونها مع تركيا ووجودها العسكري في أراضيها.

وأضاف السيناتور: “لا أعتقد أننا نرغب في هذا التغيير الاستراتيجي، لكن علينا النظر انطلاقا من وقع دفاعي إلى واقع الوضع، وهو أن المسار الذي يتبعه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ليس جيدا”.

أثار حديث السيناتور الأمريكي للمجلة عديدا من الشكوك والتساؤلات حول مستقبل القوات الأمريكية في تركيا وخاصة بعد تنامي العلاقات بين الولايات المتحدة وقبرص واليونان في سياق تطورات الأحداث بمنطقة شرق المتوسط. فهل تنسحب القوات الأمريكية من “أنجرليك”؟. لكن قبل الإجابة عن هذا التساؤل يجب أولاً، توضيح الأهمية الاستراتيجية لأنجرليك، والوقوف على طبيعة نقاط الانتشار العسكري الأمريكي بالمنطقة ومدي عمق الشراكة بين واشنطن وانقرة وخاصة في البيئة الأمنية الجديدة في الإقليم.

أنجرليك.. بين خطط التطويق ومهام الدعم اللوجيستي

تولي الولايات المتحدة اهتماما كبيرا في استراتيجيتها العسكرية العظمي “Grand strategy”، في تثبيت نقاط انتشار عسكري حول العالم، تحقق نوعا من التكاملية بين مختلف أشكال القوات، لمجابهة كافة التهديدات والعدائيات، علاوةً على ضمان استمرار الهيمنة العسكرية الأمريكية.

وعليه؛ فإن مخططي الاستراتيجية الأمريكية يهتمون بنظريتي “ألفريد ماهان” في السيطرة البحرية و “ألكسندر سيفيريسكي” في السيادة الجوية. حتى صاغوا أشكالا وأنماطا مبتكرة في أعمال بسط السيادة على أعالي البحار وتأمين الممرات الاستراتيجية، منها التأمين النيو – كلاسيكي، وهي بشكل أساسي تقوم على السيطرة والتحكم على ما يعرف في الفكر العسكري برؤوس الجسور (Beachheads) وهذا يعني أن السيطرة، في نظر الاستراتيجيين الأمريكيين، لم تكن لتحقق بدون وجود قواعد أرضية تكون منطلقًا لعملياتها.

من هذا المنطلق عززت الولايات المتحدة شبكة قواعدها حول العالم عبر محطات متتابعة من الأحداث التاريخية. فمثلاً كثفت الولايات المتحدة من نقاط تواجدها في غرب أوروبا طوال حقبة الحرب الباردة، حرصت خلالها على إحكام الطوق الأمني المفروض على الاتحاد السوفيتي. هذا، وقد برز الموقع الجغرافي المميز لتركيا من ضرورة احتواءها وبقاءها ضمن المعسكر الغربي، حيث تتحكم تركيا في منافذ وصول روسيا للمياه الدافئة عبر مضيقي البوسفور والدردنيل علاوة، على الوصول للشرق الأوسط والمنطقة العربية، فضلا عن امتداداتها في منطقة آسيا الوسطي. وعليه حرصت القيادة العسكرية الأمريكية على تثبيت قاعدة في تركيا، وكانت قاعدة “أنجرليك” التي بدأت الولايات المتحدة بالعمل في بنائها في ذروة الحرب الباردة عام 1951 وانتهت مراحل الانشاء في 1954. كما انضمت تركيا لحلف شمال الأطلسي في العام 1952.

“أنجرليك”.. ماذا عن دورها الوظيفي؟

تقع قاعدة أنجرليك في قرب قرية تركية تحمل نفس الاسم، قرب مدينة أضنة جنوبي تركيا، وتبلغ مساحتها 1335 هكتاراً، وهي قاعدة تابعة لحلف شمال الأطلسي وتعد أصل من أصوله الاستراتيجية عالية القيمة. وتبعد القاعدة 32 كم عن ساحل البحر المتوسط، كما تبعد عن الحدود السورية بنحو 100 كلم.

القاعدة هي مقر السرب العاشر التابع لقيادة القوة الجوية التركية الثانية، كما أنها مقر السرب الـ 39 بالقوة الجوية الأمريكية. ويوجد في القاعدة بضعة ألاف من العسكريين أغلبهم أمريكيون، إضافة إلى المئات من أفراد القوات الجوية التركية والبريطانية والسعودية.

وتحقق قاعدة أنجرليك عدة أهداف ضمن الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في المنطقة:

  1. الاستجابة السريعة، إذ توفر القاعدة عنصر الاستجابة السريعة لسلاح الجو الأمريكي في العديد من بؤر الصراع، في لبنان وإسرائيل، فضلاً عن العراق وسوريا إبان إعلان تنظيم “داعش” الإرهابي للخلافة وسيطرته على مساحات كبيرة بين العراق وسوريا تعادل مساحة بريطانيا. فلأول مرة منذ بدء عمليات التحالف الدولي الذي تقوده ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، وافقت تركيا على استضافة مقاتلات أمريكية في قاعدة أنجرليك الجوية لشن ضربات ضد مواقع التنظيم الإرهابي في العراق وسوريا، في أغسطس من العام 2015، وذلك ضمن اتفاق تم إبرامه بين واشنطن وأنقرة في يوليو من ذات العام. وذلك في سياق الاعتداء الذي تم في مدينة سروج جنوب تركيا وأوقع 32 قتيلاً ونُسب إلى تنظيم “داعش” غير المعطيات وأجبر تركيا على القيام بمنعطف استراتيجي في موقفها.  
  2. نقطة إسناد في السياسة الدفاعية، إذ توفر قاعدة أنجرليك هذه الميزة للولايات المتحدة وسياساتها الدفاعية الرامية للتصدي لأقواس الهيمنة القادمة من الشرق “روسيا -–الصين”، ولاسيما بعد تصاعد نفوذ الأولي في سوريا جراء بدء التدخل العسكري في الأزمة في العام 2015، وبدء روسيا بشن عمليات هجومية لأول مرة من على متن حاملات الطائرات، وكذا شن ضربات باستخدام الصواريخ الجوالة “كاليبر” لأول مرة ضد اهداف تابعة للتنظيمات الإرهابية في سوريا وذلك من على متن الفرقاطات والغواصات على حدِ سواء، في تطور لافت على إمكانات روسيا العسكرية الجديدة في مضمار الحروب الحديثة.

حيث تريد الولايات المتحدة منع تسرب النفوذ الروسي من آسيا الوسطي للمياه الدافئة ومنطقتي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من خلال سلسلة من القواعد المتشابكة والمتراصة من وسط وشرق أوروبا وصولاً لقاعدة أنجرليك في تركيا. حيث تستخدم القوات الأمريكية أكثر من 30 قاعدة عسكرية ومطار في المنطقة الممتدة من إيطاليا شمالاً لليمن جنوباً.

تقدم قاعدة أنجرليك الجوية نحو 33% من عمليات التزود بالوقود لمقاتلات سلاح الجو بالمنطقة، علاوةً على 30% من عمليات الدعم المباشر للقوات الأمريكية على الأرض. حيث تضم القاعدة بالإضافة لمقاتلات الإف 16، طائرات “A-10 thunderbolt”. المخصصة لأعمال الدعم الأرضي والإسناد.

  • الدعم اللوجيستي للعمليات في أفغانستان، إذ تؤمن أنجرليك القسم الأكبر من مهام الدعم اللوجيستي لقوات الحلفاء في أفغانستان.

أنجرليك.. ومصير بين ثلاثة سيناريوهات

من النقاط السابقة المتصلة بالدور الوظيفي لقاعدة “أنجرليك”، تبرز أهميتها في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية، التي بدت تتعاظم في خضم الحرب الباردة، وكانت أنجرليك تضم 150 رأسا نوويا نشرتها الولايات المتحدة في القاعدة فيما تتحدث تقارير عن تخزين 50 رأسا نوويا في القاعدة حاليا. وتشير الوقائع التاريخية أن إغلاق القاعدة التركية بوجه الولايات المتحدة الأمريكية بشكل تام، قد حصل لمرة وحيدة فقط، ففي عام 1975، ووقتها أصدر مجلس النواب الأمريكي قراراً بحظر توريد السلاح لتركيا، بسبب ما قاله المشرعون الأمريكيون حينها إن أنقرة استخدمت معدات وأسلحة أمريكية في قرار غزو أجزاء من قبرص، وسرعان ما ردت تركيا بإغلاق “أنجرليك”، لتحرم واشنطن من نقطة اسناد استراتيجية في عملياتها العسكرية. لكن واشنطن نجحت خلال عام 1978 في إقناع أنقرة بإعادة الاستفادة من القاعدة.

ومع التوترات الإقليمية المتلاحقة وخاصة توابع موجات ما يسمي بالربيع العربي وانتشار الفواعل العنيفة من غير الدول في العديد من البلدان العربية، وتسرب النفوذ الروسي للمنطقتين العربية وشمال أفريقيا، تتعاظم أهمية الحفاظ على نقاط الانتشار العسكري بالنسبة للولايات المتحدة وخاصة تلك القريبة من الجغرافيا الروسية. ولكن مع التهديدات التركية المتواترة على لسان الرئيس التركي ووزراء حكومته البارزين بالإغلاق، جراء اتجاه واشنطن لدراسة فرض عقوبات على أنقرة بسبب شراؤها لمنظومة إس 400 الصاروخية الروسية، والتوجه أيضاً لإغلاق محطة الرادار الأمريكية “كورجيك” الخاصة باكتشاف الصواريخ الباليسيتية المعادية؛ تطفو على السطح خيارات بديلة لواشنطن تجنباً لمخاطر وضع مهام وظيفية كبيرة في قاعدتين عسكريتين قد تغلقان فجأة. وعلى الرغم من تعبير دوائر بالبنتاجون عن الحرص على استمرار العلاقات الاستراتيجية مع تركيا وتهدئة مخاوف النظام التركي. إلا أن تصريحات رئيس اللجنة الفرعية للعلاقات الخارجية مع أوروبا في مجلس الشيوخ برهنت على أن واشنطن تعيد النظر في جدوى تواجد قواتها في أنجرليك، وعليه فإن مصير القاعدة يقع ضمن السيناريوهات الثلاثة الآتية:

  1. إخلاء القاعدة والتوجه صوب اليونان، حيث يدعم هذا السيناريو تنامي العلاقات الأمريكية مع اليونان وجمهورية قبرص، كما أبدت تركيا انزعاجها من إعلان الولايات المتحدة دعم قبرص من خلال تدريبات عسكرية قالت إنها لضمان إقرار الاستقرار في شرق البحر المتوسط. وقررت الإدارة الأمريكية تقديم تدريبات عسكرية إلى الحرس الوطني القبرصي في ظل التوترات بين تركيا والاتحاد الأوروبي بسبب أعمال التنقيب القائمة في شرق البحر المتوسط، حيث صرح وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، في يوليو الماضي، أن بلاده ستقوم بتدريب العسكريين في جمهورية قبرص في إطار برنامج التدريب والتعليم العسكري الدولي. كما حضّ بومبيو خلال زيارة لقبرص السبت الماضي، تركيا على وقف الأنشطة التي تُثير التوتّر في شرق البحر المتوسّط، داعياً جميع الأطراف إلى دعم السبل الدبلوماسيّة. ويأتي ذلك في سياق رفع الولايات المتحدة لحظر السلاح عن قبرص والذي دام لأكثر من 30 عاما. كما أظهرت وثائق جلسات الكونغرس الأمريكي وقت صياغة قانون أمن وشراكة الطاقة في شرق المتوسط حث صناع القرار في واشنطن على تعزيز التعاون العسكري مع اليونان وإقامة قواعد للطيران المسير. لكن يظل السيناريو الأول مستبعداً نظراً لاشتداد المبارز الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا والحرص الأمريكي على احتواء النظام التركي لئلا تحدث استدارة تاريخية لتركيا نحو موسكو.
  2. تخفيف عدد القوات والإبقاء على مهام الدعم اللوجيستي، وهنا قد تلجأ الولايات المتحدة لتخفيف أعداد القوات العاملة بالقاعدة، مع الإبقاء على استمرار مهام الدعم اللوجيستي لسلاح الجو الأمريكي وقوات التحالف الدولي. وما يدعم ذلك إنهاء شركة فيكتروس الأمريكية المسؤولة عن العمليات وخدمات الصيانة في قاعدة أنجرليك الجوية جنوبي تركيا، يناير الماضي، عقود 424 موظفا من بين 890.
  3. بقاء القاعدة وعدم الإخلاء والحفاظ على بروتوكولات التعاون الموقعة مع النظام التركي منذ يوليو 2015، التي سمحت بانطلاق مقاتلات الإف 16 من القاعدة، ويعد هذا السيناريو الأقرب في ظل البيئة الأمنية المضطربة التي تشهدها المنطقة، وتنامي النفوذ الروسي حول مجالها الحيوي، إذ لم تشهد وقائع التاريخ انسحاباً أمريكيا من منطقة تمثل أصل العقيدة الأوراسية الجديدة المحركة للسياسات الخارجية لبوتين، وهو ما قد يدعم سيناريو البقاء، رغم تهديدات إغلاق القواعد، وإقرار واشنطن عقوبات اقتصادية جراء نشاطاتها الحادة وعلاقاتها المتنامية مع روسيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى