السد الإثيوبي

سدود “جينال دوا”.. مشروع إثيوبى يهدد الصومال

تستمر إثيوبيا في بناء سلسلة من السدود على الأنهار التي تشترك بها دول أخرى منها “نهر جوبا” والذي تشترك فيه مع الصومال ونهر أومو والذي تشترك فيه مع كينيا والنيل الأزرق حيث سد النهضة الذي يضر بالمصالح المصرية والسودانية.

وتمثل الاستراتيجية الإثيوبية تجاوزا لقواعد القانون الدولي ومنها اتفاقية الأمم المتحدة بشأن استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997 والتي تلزم الدول بتقاسم مياه هذه المجاري المائية على نحو معقول ومنصف بين الدول المعنية لتحقيق أقصى استفادة من مواردها والعمل على تنميتها وحمايته من التلوث، بما يحقق الاستخدام الأمثل للنهر على أساس من التوزان بين حقوق والتزامات الدول، إلا أن إثيوبيا لا تستهدف من وراء مشروعاتها المائية الخاصة الاستخدام الأمثل والمتوزان، لاسيما في ظل الأضرار التي تسببها السدود الإثيوبية للدول المشتركة معها في هذه الأنهار، ومنها مؤخرا مشروع جينال داوا.

مشروع جينال داوا وتداعياته:

تشترك إثيوبيا وكينيا والصومال في حوض جوبا شبيلي، وتبلغ مساحة حوض جوبا 452000 كيلومتر مربع، ويلتقي نهرا شبيلى جوبا داخل الصومال. وقد بدأت إثيوبيا في أوائل العقد الأول من القرن العشرين التخطيط لتنمية مواردها المائية الخاصة بها في حوض جوبا- شبيلي لإنتاج الطاقة المائية وأغراض الري، ولم تبلغ إثيوبيا الصومال عن نيتها بناء مشاريع[1]، وقامت إثيوبيا ببناء سلسلة للسدود على نهر جنال داوا وهو منبع نهر جوبا الذي يجرى في الصومال ليصب في المحيط الهندي.

وأقامت إثيوبيا مشروع جنال داوا ويتكون المشروع من سد ومحطة للطاقة الكهرومائية بقدرة 254 ميجاوات بثلاثة توربينات تبلغ قدرة كل منها 84.7 ميجاوات[2].

ويقع في حوض نهر جينالى داوا جنوب إثيوبيا على بعد 630 كيلو متر من العاصمة أديس أبابا، ويدار المشروع من قبل شركة الكهرباء الإثيوبية، وقامت بإعداد دراسات الجدوى الخاصة بالمشروع كل من شركة لاهيماير lahmeyer الألمانية بالتعاون مع ييشى بير Yeshi-Ber في أثيوبيا[3].

وقد تم توقيع العقد الأول لدراسات الجدوى في 2003 وعقد البناء في 23 سبتمبر 2009، لكن لم يتم العمل في الموقع حتى منتصف مارس 2011 وبدأ بناء السد في يناير 2013، واكتمل في سبتمبر 2016، وقامت بتنفيذ المشروع مجموعة جيتشوبا الصينية Group Gezhouba.

 يبلغ ارتفاع السد 110 متراً، وعرضه 456 مترا وطوله 450 متراً، بسعة تخزين 2.57 مليار متر مكعب وقد بدأ التشغيل في 4 فبراير 2020. وتشير التوقعات إلى أن المشروع يزيد من الطاقة الإجمالية في إثيوبيا بنحو 6% من 4260 ميجاوات إلى 4514 ميجاوات وهو ما يحقق الرغبة الإثيوبية في زيادة الطاقة إلى 12000 ميجاوات بحلول عام2025[4]. بالإضافة إلى توفير السد المياه لري 15 ألف هكتار في إطار مشروع جينال لتطوير الري المنخفض.

وتعد كل من إثيوبيا والصومال جزء من الاتفاقية الأفريقية لحماية الموارد الطبيعية 1968، ووفقا لهذه الاتفاقية ينبغي التنسيق بين الدول فيما يتعلق بتخطيط مشروعات الموارد المائية، وإنشاء لجان مشتركة لدراسة المشكلات الناشئة عن الاستخدام المشترك لهذه الموارد، إلا أن إثيوبيا لم تقم بأي تنسيق مع الجانب الصومالي فيما يتعلق بإنشاء مشروع جينال داوا، لا سيما وأن الصومال تعتمد اعتمادا كبير على نهر جوبا ومن ثم تتأثر بالسلب نتيجة بناء سد جينال داوا مما يؤدى إلى اختلال توازن المياه.

وتشير التقديرات إلى انخفاض في تدفق نهر جوبا عند تشغيل سد جينال داوا 3 الإثيوبي حيث يمثل حوض نهر جينال أكثر من 50% من التدفق في اتجاه مجرى نهر جوبا، ويحجز جينال داوا نصف التدفق الكلي في نهر جوبا وهو ما يؤدى إلى انخفاض نسبة المياه في نهر جوبا من 5.8 إلى 4.8 مليار متر مكعب، بالإضافة إلى أن ذلك يؤثر على مزارعي وادي جوبا وكذلك الرعاة الزراعيين، الذين يعتمدوا بشكل كبير على هذه الموارد لبقائهم على قيد الحياة، بالإضافة إلى حدوث جفاف في مدينة لوك، فضلا عن أن السد يقلل من توافر المياه في فانول ومشروع ري موجامبو وبالإضافة إلى عدم قدرة الصومال على بناء سد باردهير[5].

نهج إثيوبي مستمر:

لم يكن مشروع جينال داوا هو المشروع الأوحد الذي قامت به إثيوبيا بل سبقه عدة مشروعات على أنهار أخرى منها:

نهر أومو: قامت إثيوبيا بإنشاء سلسلة من السدود المتتالية لتوليد الكهرباء وزراعة مساحات كبيرة بقصب السكر وإنشاء مصانع للسكر على نهر أومو المشترك مع كينيا، وهو ما رتب أضرار بالغة لكينيا، حيث جفت مياه النهر الذي كان يصب في كينيا في بحيرة توركانا والتي كان يعيش عليها حيوانات برية نادرة، بالإضافة الى ثروتها السمكية وما تمثله كمصدر للشرب والزراعة للسكان المحليين والذين اضطروا لهجرها بعد تدهور أوضاعها[6].

ويمثل النهج الذي تتخذه إثيوبيا تجاوزا لحقوق الدول المجاورة لها ويضر بها، حيث لجأت إلى بناء السدود من أجل تخزين المياه والاستفادة منها في توليد الطاقة لتغطية احتياجاتها بالإضافة إلى تحقيق فائض تصدره للدول المجاورة، وهي تحتل المركز الثاني على المستوى الإفريقي في إنتاج الطاقة الكهرومائية بقدرة إنتاجية تصل إلى 45000 ميجاوات بالإضافة إلى رغبتها في إنشاء 14 سدا جديدا لتسهم بحوالي 3070 ميجاوات في شبكة الكهرباء المحلية.

ومن السدود التي قامت بها على نهر أومو هي جيبي 1 (184 ميجاوات)، جيبي 2 (420 ميجاوات)، جيبي 3 (1870 ميجاوات)، وتخطط لإقامة سد “جيبي 4″ (2000 ميجاوات) وجيبي 5.

وقد تسببت سلسلة السدود التي قامت بها إثيوبيا في تأثر بحيرة توركانا بالسلب على المستويين الكمي والنوعي حيث انخفض منسوب المياه بالبحيرة بمعدل مترين بعد انخفاض كمية المياه المتدفقة من النهر إلى البحيرة بنسبة 50 % بسبب تبخرها خلف السدود وعلى الجانب الآخر ارتفعت نسبة ملوحة مياه البحيرة الأمر الذى أثر بالسلب على النظام البيئي في البحيرة وعلى السكان، بالإضافة إلى انحسار شاطئ البحيرة وتراجع إلى 1.7 كم في خليج فيرجسون الذي يُعد منطقة حيوية لصيد الأسماك الذي يعتمد عليه المجتمع المحلي المقيم على شواطئ البحيرة.

كما أدى الإصرار الإثيوبي في التوسع في زراعة قصب السكر من خلال مشروع كوراز والذي يستهلك كميات هائلة من مياه نهر أومو إلى انخفاض وصول المياه إلى البحيرة وهو ما يزيد من درجة ملوحتها، أيضا يقلل من وصول المياه الكافية إلى أراضي الجماعات المقيمة على ضفاف النهر وهو ما يسبب ضرارا للأنشطة الاقتصادية كالزراعة والرعي في هذه المناطق، بالإضافة إلى تضاؤل مخزون البحيرة من الأسماك منذ بداية إنشاء السدود الإثيوبية. إضافة إلى انتشار الجوع في المجتمعات المحلية في حوض بحيرة توركانا نتيجة تقلص مساحة مراعى الماشية وارتفاع نسبة جفاف التربة وهو ما تسبب في تراجع الإنتاجية الزراعية بشكل كبير[7].

النيل الأزرق: قامت إثيوبيا بـ إنشاء سد النهضة قبل عام 2011، لمضاعفة إنتاج الطاقة في إثيوبيا وبيع الفائض منها إلى الدول المجاورة الأمر الذي شكل تهديدا لإمدادات المياه لدول المصب مصر والسودان حيث تعتمد مصر والسودان بشكل كبير على موارد مياه النيل لتلبية الطلب السريع والمتزايد من السكان، كما إن إثيوبيا اتخذت إجراءات أحادية الجانب دون التنسيق مع دول المصب حول قواعد التشغيل بالإضافة إلى التعنت الإثيوبي تجاه وضع خطة للملء بالتوافق والتشاور بين هذه الدول وتحديد الإطار الزمنى لها بما يلائم مصالح الأطراف جميعها.

في الختام،

 يمكن القول إن استراتيجية بناء السدود الإثيوبية تجاوزت الأعراف الدولية والقانونية وأن الهدف ليس فقط تحقيق أهدافها التنموية بل تحقيق الهيمنة الإقليمية المائية وأن تصبح مركزا لتصدير الطاقة للدول المحيطة، كما أن السدود الإثيوبية تضر بمصالح الدول المشتركة في ذات الأنهار، وهو ما يمثل تهديد مائي مستمر لهذه الدول خاصة وللمجتمع الدولي عامة.


[1] نسرين الصباحي، تقرير معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي: الأمن المائي والحوكمة في القرن الأفريقي”، المرصد المصري، 1 يوليو 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/2RCflrG تاريخ الدخول 17 سبتمبر 2020.

[2]Metasebia Teshome, Genale Dawa III enters the national grid, energy central,3 February 2020,available at: https://bit.ly/3hLgBU3 accessed on 19 September 2020.

[3] Genale-Dawa III Multipurpose Hydropower Project, Ns energy, available at: https://bit.ly/35Oi3CK accessed on 19 September 2020.

[4]Aaron Larson, Award-Winning Hydropower Project Helps Electrify Ethiopia, power, available at: https://bit.ly/32DPTsl accessed on 17 September 2020.

[5] Hussein Amiin and Guled  Ahmed, Genale Dawa III Dam Threatens Somalia’s Water and Food Security, jamhuriyadda,19 February 2018, Available at: https://bit.ly/33FqhdO accessed on 19 September 2020.

[6] محمد نصر الدين علام، إثيوبيا والخروج على النص”، المصري اليوم، 2 أبريل 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/2RvmoSW  تاريخ الدخول 16 سبتمبر 2020.

[7] محمود سلامة، التداعيات الإقليمية لسياسة السدود الإثيوبية: حالة بحيرة توركانا، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية،24 سبتمبر 2019، متاح على الرابط: https://bit.ly/3iA7JSx تاريخ الدخول 17 سبتمبر 2020.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى