تركيا

مناورة مكشوفة: ماذا وراء التصريحات التركية تجاه مصر؟

ركزت تصريحات المسؤولين الأتراك رفيعي المستوى خلال الفترة الماضية على إظهار شكل من أشكال التقارب من مصر، فوزير الخارجية التركي “مولود جاويش أوغلو” يتحدث عن عمل تركيا على ترسيم حدودها مع مصر، نافيًا التقارير التركية السابقة التي ادعت أن اتفاقية ترسيم الحدود المصرية اليونانية تضر بمصالح أنقرة. كما شدد مستشار الرئيس التركي “ياسين أقطاي” على ضرورة التواصل بين مصر وتركيا، مشيدًا بالجيش المصري، ومصرحًأ بأنه لا يتمنى أن يعادي تركيا. وصولًا لتصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي أعلن استعداد بلاده للحوار مع مصر، ومدعيًا وجود مفاوضات استخباراتية بين البلدين. ليخرج بيان وزارة الخارجية المصرية مستنكرًا حديث وزير الخارجية التركي مع قناة CNN TURK؛ كونه تضمن تناولًا سلبيًا حول ما شهدته مصر من تطورات سياسية اتصالًا بثورة 30 يونيو، مؤكدًا تناقض النظام التركي الذي يدعي أنه يسعى لتهيئة المناخ المناسب لعلاقات قائمة على الاحترام والالتزام بقواعد الشرعية الدولية.

وفي هذا السياق، أجرى المرصد المصري حوارًا مع مجموعة من الخبراء وأعضاء الهيئة الاستشارية بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية لمناقشة تناقض المواقف التركية، وحالة الانفصام المتعمد التي يوظفها نظام “أردوغان” لخلط الاوراق، وكسر حلقة الحصار المفروضة عليه. وشارك بهذا الحوار اللواء “محمد إبراهيم الدويري” نائب المدير العام للمركز، والدكتور “محمد مجاهد الزيات” المستشار الأكاديمي للمركز، والدكتور “توفيق اكليمندوس” رئيس وحدة الدراسات الأوروبية، ونشير فيما يلي إلى أبرز ما جاء في هذا الحوار.

في البداية نرى تصريحات للعديد من المسؤولين الأتراك حول تقارب جاري التنسيق إليه بين القاهرة وأنقرة، كيف يمكن أن نرى تلك التصريحات، والادعاءات بأن هناك حوارًا جاريًا في الغرف الخلفية مع بعض المسؤولين المصريين؟

استهل اللواء “محمد إبراهيم الدويري” الحديث بالقول “إن مصر على مدار تاريخ علاقاتها الخارجية على المستويين الإقليمى والدولى لم تبدأ بمناصبة العداء لأية دولة انطلاقًا من المبادئ التي تحكم السياسة المصرية، وأهمها إقامة علاقات جيدة مع كافة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأية دولة، مع الرفض التام لأي تدخل من أية دولة أيًا كانت في شؤون مصر الداخلية .ومن هذا المنطلق يمكن فهم طبيعة العلاقات المصرية-التركية إذ إن النظام التركى إتخذ موقف العداء المستحكم بل والمتصاعد في مواجهة مصر وفى مواجهة قيادتها السياسية دون أية مبررات موضوعية، وبالتالي أوجدت السياسة التركية مزيدًا من العقبات في طريق هذه العلاقة .

ومن الواضح أن النظام التركى يحاول خلال الفترة الأخيرة انتهاج تكتيك مختلف مفاده إصدار بعض التصريحات التي تستند على رغبته في فتح صفحة جديدة من العلاقات مع مصر، والإشادة بموقف مصر خاصة في مجال عدم المساس بحقوق تركيا في شرق المتوسط، وهو الأمر الذي وضح خلال اتفاقيات ترسيم الحدود المصرية مع كل من اليونان وقبرص.

اللواء محمد إبراهيم: مصر بقيادة السيسى تتحرك باتجاه السلام القائم على القوة  والتنمية - اليوم السابع

وأشار الدكتور “محمد مجاهد الزيات” إلى أن هناك العديد من الملاحظات الأولية، ومن الضروري وضع تلك التصريحات في نصابها الطبيعي، فهي تمثل بُعدًا بدأ مؤخرًا يرتبط بظروف طارئة تعرضت لها تركيا، ولم تكن تعبيرًا عن موقف حقيقي حول اتجاهات أروغان ومستشاريه؛ إذ يعاني النظام التركي من حصار إقليمي ودولي شديد في الوقت الحالي. وقد برز في الفترات السابقة شكل من أشكال التواطؤ السياسي الأمريكي مع سياسات أنقرة الإقليمية، لاسيما في الأزمة الليبية، وتراجعت السياسات الأوروبية التي كان يعول عليها في وقف الأنشطة التركية المزعزعة لاستقرار الإقليم، ولكن مع تصاعد التوتر في منطقة شرق المتوسط، ومساسه –النظام التركي- باليونان وقبرص بصورة حادة، بالإضافة إلى نقل عناصر التنظيمات الإرهابية إلى ليبيا، أرغم واشنطن على مراجعة موقفها، ودفع الدول الأوروبية للتعامل مع سلوكيات تركيا بالنمط الملائم.

تعقيب د. محمد مجاهد الزيات المستشار الأكاديمي بالمركز المصري للفكر على خطاب  الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. –  www.marsad.ecsstudies.com

وقبيل تلك التصريحات كان هناك سقف عالٍ من التوقعات لدي الجانب التركي في شرق المتوسط، وتجاه مصر واليونان بشكل أكثر تركيزًا، والتجاوزات التي صدرت عن “أردوغان” ومست القيادة السياسية المصرية منذ 30 يونيو2013 كانت مستمرة وتعبر عنها دوائر النظام التركي ووسائل إعلامه بشكل متواصل، ولكن التوترات الإقليمية الناجمة عن أنشطة تركيا دفعت الآخرين لضرورة محاصرتها، حتى الاتحاد الاوروبي بصدد فرض عقوبات عليها. وفي ضوء تلك الحالة، ذهب أردوغان ومستشاروه ودوائر النظام التركي إلى تبني لهجة مهادنة تجاه اليونان ومصر والدعوة للحوار معهما.

وعقّب الدكتور “توفيق اكليمندوس” قائلًا إن الدراسات وتقارير المراقبين لشخصية الرئيس التركي “أردوغان” تشير إلى أنه شخص شديد التقلب، ولا يحترم عهوده، ويجيد سياسات قلب الطاولة (180 درجة) دون وجود أية أسباب واضحة. ومصر لديها مصلحة في تثبيت الأوضاع وإنهاء الصراع وإرساء دعائم الاستقرار بالمنطقة، وهناك بعض النماذج القيادية والنظم الإقليمية التي يمكن الوثوق فيهم، وهناك البعض الآخر الذي تحتاج الدولة المصرية لضمانات قوية للتعامل معهم، وعلى رأسهم النظام التركي. وشخصيًا لا أرى أية ضمانات تؤشر على جدية “أردوغان”، علمًا بأن مصر شأنها شأن باقي دول المنطقة تسعى لتدعيم استقرار الإقليم في الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية إلى آخره.

توفيق أكليمندوس, Author at ECSS

وأضاف الدكتور “الزيات” أن الرئيس التركي “أردوغان” لديه القدرة على اتخاذ مواقف تكتيكية، وإن بدت متعارضة مع أيديولوجيته واستراتيجية عمله، لكنها لا تغير في تلك الاستراتيجية شيئًا؛ فمنذ 30 يونيو يحارب “أردوغان” مصر وفقًا لاستراتيجيته المتماهية مع العقيدة الإخوانية، والتي استطاع توظيفها كأداة للهيمنة واستعادة الدور التركي كدولة إقليمية كبرى. والقضايا الخلافية بين مصر وأردوغان كبيرة ومتأصلة، ولا يمكن أن تغير منها بعض العبارات التي يتلاعب بها في حديثه حول الاصلاح.

ولكن مع ملاحظة اتجاه تصريحات المسؤولين الأتراك نجدها تنحصر -على اختلاف مستوياتها- في الحديث حول الترتيبات الجارية والصراع القائم في شرق المتوسط، فكيف يمكن تفسير ذلك الاتجاه؟ ولماذا لم تتطرق أيًا منها لنقاط الخلاف الأخرى؟

أجاب الدكتور “مجاهد الزيات” بأن أردوغان يحاول تجنب الحديث حول الخلافات الحقيقية في ملف العلاقات المصرية التركية مع مصر، ولذلك يركز حديثه على نقطة صغيرة يعاني من أزمة بالغة التعقيد فيها، ألا وهي (شرق المتوسط) بأبعاده المختلفة. فهو يريد التحالف المصري اليوناني القبرصي، ويسعى لتقويض الدور المصري في شرق المتوسط وقضية الغاز الطبيعي ومنتدى غاز شرق المتوسط. ويتصور “أردوغان” أنه يستطيع تقديم تنازل تكتيكي على هذا المستوى يساعد على فرض هيمنته بصفة عامة، وضرب الدور المصري الفعال في تلك المنطقة، إلى جانب إحداث اختراق مؤثر في هيكل التحالفات التي حجّمت من تأثير النظام التركي وسياساته على ترتيبات الإقليم المختلفة.

ويؤكد المعطيات السابقة أنه –أردوغان- لا يسعى لإقامة علاقات طبيعية مع مصر، فقبل أن تقيم علاقات طبيعية مع دولة أخرى عليك أن تناقش معها القضايا الخلافية وتقدم وجهة نظرك فيها، فإذا قبلت وجهة نظرك نقول أننا سنذهب للتفاوض أو نجلس معًا، ولكن إذا كنت تتجاهل أن هناك مواقف تركية ترقى لمخالفة القانون الدولي، إذًا فأنت تغفل حقيقة الموقف وتقفز على طبيعة الخلاف بالحديث عن جزئية صغيرة، وهو نمط لا يخدم مصالح مصر وإنما يخدم مصالح أردوغان. ويتوهم النظام التركي أن مصر ستتلقف تلك الدعوات وتعطيك ما يحتاجه في ظل ما يعانينه هذا النظام من حصار.

إذًا لدينا اتفاق أن هناك تصريحات تدلل على وجود تناقض شديد بالموقف التركي، ومحاولات إظهار أن القاهرة تتفاوض مع أنقرة، فكيف يمكن فك هذا الاشتباك؟

أوضح اللواء “محمد إبراهيم” أنه من خلال تحليل التصريحات التركية خلال الفترة الأخيرة نجد أن هناك تناقضًا واضحًا من جانب النظام التركى تجاه أسلوب التعامل مع مصر، ولا شك أن الهدف التركي الأساسي يتمثل في عبور المرحلة الحالية التي تتعرض فيها تركيا لضغوط مختلفة، ومن ثم يمكن القول إنه لا تغيير حقيقى يمكن أن نلمسه حاليًا في الموقف التركي تجاه مصر، وأن الأمر أصبح يعتمد على طبيعة التغير الموضوعى المفقود وليس التغير الشكلي في السياسة التركية.

وقال الدكتور “محمد مجاهد الزيات” إن الأكاذيب التي حاول النظام التركي ترديدها كثيرة، رغم الموقف المصري الواضح الرافض لتصرفاته في الإقليم، وعلى رأس تلك الادعاءات وجود مفاوضات بين المخابرات المصرية والتركية، وهو ادعاء عارٍ تمامًا من الصحة. وفي تقديري إن ما جرى هو حديث بين الجهازين، إذا ما حدث مثل هذا الاتصال، فكان عن طلب مصر من تركيا قوائم الإرهابيين الذين دخلوا أو خرجوا من التنظيمات التي ترعاها في مناطق إدلب والشمال السوري عبر حدودها، أو الذين تسللوا إلى مصر، وأية معلومات –وهم لديهم الكثير- حول عمليات الدعم والتمويل التي يديرها عناصر التنظيم الدولي للاخوان المسلمين للإرهابيين العاملين في سيناء.

هل تعبر الدعوات التركية والتصريحات المستمرة ذلك رغبة صادقة لدى “أردوغان” للتصالح مع مصر؟

رأى الدكتور “توفيق اكليمندوس” أن هناك دوافع قوية للتشكك في صدق نوايا “أردوغان”؛ فالسوابق التي تعاطى فيها مع مصر وغيرها من دول المنطقة جعلته يدرك أن المنافس الرئيسي له بالمنطقة هو الدولة المصرية، ولا توجد أية أدلة على أنه يحمل نوايا صادقة خيره للتعامل مع القاهرة. ولذلك فيمكن تفسير دعواته في ضوء تخوفه من العقوبات التي تنوى أوروبا فرضها عليه؛ لذلك فهو يسعى لإظهار بادرة حسن النية تجاه دول الإقليم. أو ربما يرتبط ذلك باستشعاره بتشكل جبهة ضد سلوكياته، وأنه في الوقت الحالي محاصر، وحتى أن الطرف الوحيد الذي يتعامل معه بشكل أكثر انفتاحًا في عدد من الملفات هو روسيا، التي تثير حالة الانخراط التركي المتزايد معها في قضايا الصراعات الجارية حفيظة المعسكر الغربي ضدها.

أردوغان يتحدث عن لقاءات مع مصر ويوجه تشاووش أوغلو بالتواصل مع نظيره السعودي  - RT Arabic

وذكر اللواء “محمد إبراهيم” أن هذا التكتيك الذي تتبعه تركيا يعود إلى العديد من الأسباب، ومنها: أن الأزمة الليبية وتطوراتها أكدت بما لا يدع مجالاً للشك أن مصر هى المحور الرئيسى لحل هذه الأزمة وأن كافة الأطراف حريصة على التواصل مع مصر لوضع آليات الحل السياسى انطلاقًا من إعلان القاهرة الصادر في السادس من يونيو الماضي، كذلك عدم اهتمام مصر بالتهديدات أو التحركات التركية في منطقة شرق المتوسط وأسرعت بتوقيع إتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع اليونان للحفاظ على حقوق مصر في هذه المنطقة، بالإضافة إلى شروع الدول الأوروبية في توجيه انتقادات شديدة للسياسة التركية خاصة في شرق المتوسطـ، ومن ثم قد يصل الأمر إلى توقيع عقوبات أوروبية على النظام التركى .

وقال الدكتور “محمد الزيات” في هذا الإطار إن “أردوغان” يريد تحقيق نوعًا من الاختراق في الدائرة المحاصرة له، وسيصبح هذا الاختراق أكثر تأثيرًا إذا نجح في تحسين علاقاته وتطبيعها مع مصر، باعتبارها القوة الإقليمية التي تواجهه. وهو أيضًا يسعى لضرب التحالف المصري مع دول الخليح، كما تمتد مساعيه لاستهداف الدور المصري في استخراج الغاز الطبيعي والثروات الكامنة في شرق المتوسط، كما يحاول “أردوغان” عبر تلك الدعوات زعزعة التحالف المصري-القبرصي-اليوناني. وهنا كشف بيان وزارة الخارجية المصرية زيف ما تحدث عنه “أردوغان”، فالقضايا والملفات الخلافية كبيرة ولا يمكن أن تبدل من حالتها ألفاظ أو تعبيرات، النظام التركي على استعداد لتغييرها في كل وقت تبعًا لمصالحه وأهوائه.

ويسعى أيضًا “أردوغان” عبر هذا الطرح ليبدو غير مثير للتوتر بعد أن بدأ الخناق يضيق عليه، وليصدر أنه شخص يدعو للسلام ويمد يده لأكبر دولة في شرق المتوسط، لكنه لم يتحدث قط عن قضايا الخلاف القائمة بينه وبين مصر، إذ لم يتحدث قط عن رعايته للتنظيمات الإرهابية التي تهدد الأمن القومي المصري، ولم يتحدث قط عن إيوائه للعناصر المطلوبة للانتربول بطلب مصري لأنهم مارسوا أعمالًا إرهابية، إلى جانب تفاديه الحديث حول المنابر الإعلامية التي تتحرك تحت رعيته وبتمويل قطرى تركي ودعم ذات الدولتين لمهاجمة مصر.

لماذا هذا التركيز التركي على تصدير جُملة من الرسائل ترمي إلى فتح قنوات اتصال مع مصر؟

أجاب اللواء “محمد إبراهيم” بأن تركيا تتعرض خلال هذه المرحلة لبعض الضغوط التي من شأنها التأثير السلبى على موقفها الإقليمى لاسيما مع تصاعد أزمتها الإقتصادية ومن ثم تسعى إلى اللجوء إلى إظهار أنها تتحرك في اتجاه تحسين علاقتها مع مصر، وأن هناك مفاوضات جارية بين الدولتين على مستويات أخرى .وحتى إذا سلمنا بوجود أي نوع من التواصل بين الدولتين مع وجود علاقات اقتصادية وتجارية بين الدولتين فلا يمكن أن يكون ذلك كافيًا لنقول أن هناك بوادر تحسن في العلاقات الثنائية بين الدولتين، بل على العكس ففى وسط هذه الرسائل الإيجابية التي تحاول تركيا إرسالها لمصر فقد حرص النظام التركى على تأكيد أن استراتيجية العداء لمصر لم تتغير، وهو الأمر الذي عكسته التصريحات السلبية لوزير الخارجية التركى مؤخراً مع قناة CNN TURC والذى تضمن إشارات سلبية حول ما شهدته مصر من تطورات سياسية اتصالاً بثورة 30 يونيو.

وقال الدكتور “توفيق اكليمندوس” إن القراءة الموضوعية لتلك التطورات تستدعي مجهودًا مصريًا كبيرًا لاستشراف خبايا المناورات التركية التي تحمل أحد الدوافع التالية:

أولًا: بداية التراجع التركي عن سلوك النظام، وهو ما يستلزم ضمانات واسعة ومثبتة على صدق هذا الاتجاه.

ثانيًا: سعي أنقرة لتكسير الجبهة المضادة لها، وإضعاف حجم الارتباط ودرجة التنسيق والتحالف العالية بين مصر والدول الإقليمية الأخرى في دوائرها العربية والشرق أوسطية وفي شرق المتوسط.

ولا يوجد في الحالتين أي سبب لتصديق تلك التصريحات والتعويل عليها؛ فبجانب الوضع التركي الراهن هناك التفسيرات الأكاديمية لسلوك “أردوغان” التي تشير إلى الاعتبارات الأيديولوجية والفكر الإخواني الذي يعتنقه ولن يتغير، أو إلى الصعوبات الداخلية كتراجع شعبيته والاقتصاد التركي المتأزم، فضلًا عن تصاعد الأدلة المؤكدة على تورطه في دعم التنظيمات المتطرفة والإرهابية. لذا فربما تكون تلك التصريحات هي اتجاهات للمناورة، لاسيما وأن أردوغان لا يجيد سوى السياسات الخشنة والابتزاز، ولا يتوانى عن استثمار أية تنازلات لقلب الموازين لصالحه.

ما الشروط التي قد يضعها صانع القرار المصري لتجاوز المرحلة السابقة وفتح صفحة جديدة مع أنقرة؟

رأى اللواء “ابراهيم الدويري” أن مصر لا تضع شروطًا تعجيزية لتحسن علاقاتها مع تركيا أو مع أية دولة سوى التزام تركيا بالمبادئ المتعارف عليها، وأهمها ألا تتدخل في الشؤون الداخلية المصرية، وألا تقترب من اتخاذ أية إجراءات تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على الأمن القومي المصري. أما استمرار تركيا في سياستها العدائية تجاه مصر فليس أمامه سوى أن تُوصد الأبواب في وجه هذه السياسة المتلونة، ليس ذلك فقط بل سوف تتصدى مصر بقوة لأية محاولات تركية من شأنها الإضرار بالمصالح المصرية داخليًا وإقليميًا ودوليًا.

وأكد الدكتور “محمد الزيات” أن هناك مجموعة من الخطوات التي يجب على تركيا اعتمادها قبل الدخول في عملية تقارب مع الدولة المصرية، ومنها:

أولًا: الاعتذار عن كل الإساءات التي مست القيادة السياسية المصرية، التي كانت في أماكن مختلفة، واستهجنتها أوساط دولية ودول كثيرة.

ثانيًا: أن يدرك بوضوح أن مصر دولة إقليمية كبرى، ولها تحالفاتها الإقليمية التي تسمح لها بأن تكون مؤثرة ومحركة للأحداث في المنطقة، ولا تحتاج لاعتراف تركي بهذا الدور.

ثالثًا: ماذا عن العناصر الإرهابية المطلوبة للقضاء في مصر؟ وماذا عن الصحف والأبواق الإعلامية التي يرعاها هناك، هل سيغلقها أم لا؟ وماذا عن دوره في ليبيا وتهديده للأمن القومي المصري بشكل مباشر؟ كل هذه قضايا تناقش بوضوح إذا كان لديه استعداد لمناقشتها، على أن يدرك حدود الدور المصري بصورة واضحة، وأنه لا تنازلات مصرية؛ لأن تركيا لا تمتلك ما يمكن أن تقدمه لمصر وتحصل مقابله على تنازل ما.

ومن الجدير بالذكر، أن مصر لن تؤجل أية ملفات لأنه لا ثقة في موقف أردوغان، وبالتالي لن تقبل مصر أن تناقش بندًا وتترك الباقي لجولات لاحقة، فبمتابعة سياسات أردوغان على مدى الفترات الماضية، بل ومنذ جاء للسلطة عام 1997 وعودته إليها مجددًا عام 2002، كان لديه طموح أعلى، لكنه كان يبدي تنازلات تكتيكية بنمط لا يؤثر على موقفه النهائي. و”أردوغان” معادٍ لسياسات الدولة المصرية بوضوح، وفي الوقت الراهن يبدي استعداده لتقديم تنازلات تكتيكية، وبنمط لا يؤثر على مواقفه الكلية والنهائية. ومصر والقيادة السياسية فيها تعي جيدًا هذا الأمر بصورة كبيرة، ولن تسمح له بتهديد أمنها القومي أو أمن ومصالح الدول المتحالفة معها، أو إحداث اختراق للتحالف الرباعي (مصر-السعودية-الإمارات-البحرين) أو للتحالف المصري القبرصي اليوناني بشرق المتوسط، وحتى استمرار تحركاته في دعم وتوظيف التنظيمات الإرهابية لزعزعة الأمن القومي المصري، ولن تسمح مصر بطبيعة الحال بهيمنة تركيا على ليبيا واستنزاف ثرواتها.

وختامًا، سنشهد في فترة قريبة تغيرًا بالموقف التركي؛ لأنه موقف غير حقيقي، بل هو موقف تكتيكي يظن “أردوغان” أنه قابل للطرح بالوقت الذي تتصاعد فيه احتمالات فرض عقوبات دولية عليه لسلوكياته. وسيسعى أردوغان للقول إنه رجل سلام، لكن بعد فترة ما سيجد أن حديثه ذهب أدراج الريح دون تحقيق أية فوائد له. بالإضافة إلى أن المنطقة تشهد تغيرات جيوسياسية بدأت في الظهور، باقامة علاقات طبيعية بين دول خليجية وإسرائيل، وهو متغير يفرض أبعادًا جديدة على الواقع الجيوسترايتيجي بالمنطقة، ويؤثر على دور القوى الإقليمية الطامحة بالنفوذ والتأثير، وهو ما يدفع تركيا لمزيد من القلق لأنه سيدفع لتشكيل تحالفات جديدة لمواجهة الدول المثيرة للتوتر بالمنطقة وهي (إيران وتركيا).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى