
د. محمد حسين أبو الحسن يكتب : مصر والسودان.. والنيل الغاضب!
في حدث لم يسبق له مثيل منذ 100 عام، ضرب الفيضان 17 من ولايات السودان الـ18، كارثة عجزت أمامها الحكومة، فالسودان بعد الثورة يمر بمرحلة انتقالية، عانى قبلها حروبا أهلية وأزمات طوال عقود، وإذا كان من فائدة للمأساة الرهيبة فهي أنها كشفت عن الثوابت الأزلية في علاقات المصريين والسودانيين، مثلت الاستجابة المصرية بدءا من رئاسة الجمهورية والتعاطف الكاسح بين المصريين استثناء فريدا بين استجابات جميع الشعوب. صرح فيصل صالح وزير الثقافة والإعلام السوداني بأن ما طلبته بلاده من احتياجات أرسلت مصر أضعافه؛ لافتا إلى استمرار الجسر الجوي المصري لإمداد السودان بالأغذية والأدوية لحين انتهاء الكارثة. التكاتف بين الشعبين الشقيقين ليس جديدا، إنه سمة أزلية، فكم وقفا معا في أوقات المحن، والأمثلة لا تحصى، مصر والسودان توأم غير متماثل، يجمعهما النيل والدم والجغرافيا والتاريخ والثقافة والعقيدة، روابط لافكاك منها، لم تصب مصر بأذى من جنوبها، ولم يصب السودان في وجوده إلا بضعف مصر أو ابتعادها، الرئيسان نجيب والسادات كانت أم كل منهما سودانية، وتستضيف مصر خمسة ملايين سوداني يحيون فيها كمواطنين، وتتجاوز استثماراتها بالسودان 10 مليارات دولار، مقابل 97 مليونا استثمارات سودانية بمصر، ويبلغ التبادل التجاري بينهما مليار دولار وفقا لإحصاءات 2017، باختصار السودان أهم دولة لمصر- لا أستثني أحدا- ومصر الأهم للسودان، كلاهما رئة للآخر؛ بغض النظر عن خطايا الأنظمة، مثلما فعل عمر البشير طوال 30 سنة، زرع الكراهية تجاه مصر بالشحن الإعلامي وتصويرها خصما خارجيا، في نفوس أجيال من الشباب السوداني. أعان على ذلك ضيق أفق وجهل الإعلام المصري بالشأن السوداني، بالإضافة إلى أخطاء سياسية على مدى عقود، في مقابل حساسيات متراكمة لدى السودانيين أكثرها أوهام. أما الأهم فهو أن بعض العجم والأفارقة والعرب يقفون بالمرصاد لعلاقات الدولتين، يعكرون صفوها؛ باعتبارها تهديدا لمصالحهم، نجحوا في بث الشقاق بينهما، مما قزّم علاقاتهما وأصابهما بخسائر فادحة. على سبيل المثال، تتخوف إثيوبيا من أي تقارب بين العاصمتين؛ على خلفية سد النهضة. نجحت أديس أبابا في جذب نظام البشير، ثم قطاع من النخبة الحاكمة حاليا بالسودان، إلى صفها، بغض النظر عن المصلحة السودانية؛ لوبي إثيوبيا هو الأنشط في دهاليز الخرطوم، ومع أنها لم تقدم شيئا للسودانيين خلال الفيضان، فإن الموالين لها يزعمون أن سد النهضة سيحمي السودان من الفيضانات، ويضمن الرى الدائم والكهرباء لشعبه. افتراءات فندها خبراء سودانيون، محذرين من الفخ الإثيوبي، فالسد لو لم ينهر تلقائيا، فإنه لن يصمد أمام فيضان كبير، وستضطر إثيوبيا لفتح بواباته، مما يدمر السودان في الحالتين، وإذا كان قطاع من النخبة السودانية يتحفظ على التقارب مع مصر، فإن قوى دولية لا ترغب أيضا بازدهار علاقاتهما، مثلا، تحتضن الولايات المتحدة (حركة كوش) الناشطة بشمال السودان، حركة تشكك بأي محاولة مصرية للتوسع الزراعي في الولاية الشمالية، وتصفه بالوجود الاستعماري، عبر منصات الإعلام والتواصل الاجتماعي، بينما تتغاضى عن التوسع الخليجي والصيني وغيرهما، ولاتترك الحركة وأتباع الإخوان فرصة لتشويه الحضور المصري، كوصف السلع الغذائية المصرية بأنها فاسدة ومسرطنة.. بالطبع لن أذكرك بأدوار دولة خليجية مثل قطر؛ فالعابثون كثر، والتطبيع بين السودان وإسرائيل مسألة وقت.
تحتاج مصر والسودان- عاجلا لا آجلا- لتجاوز الانتكاسات المزمنة بينهما، وشق طريق المستقبل يدا بيد؛ إن قدرات الدولتين(معا) تكفل- إن وجدت إرادة سياسية مشتركة- تدشين قوة اقتصادية سياسية يكون النيل أقوى ممسكاتها، على قاعدة الاحترام والمصلحة المشتركة والمنفعة المتبادلة. اليوم تمر الخرطوم بظروف قاسية توجب على القاهرة مواصلة تقديم دعم غير مسبوق؛ لإعادة بناء الثقة؛ وقطع الطريق على مخططات تحجيم الحضور المصري، عبر تعميق قنوات التواصل بين الشعبين، كذلك التعاون في التعليم والصحة، هنا لابد من الإشادة بمبادرة الرئيس السيسي لعلاج ربع مليون سوداني من فيروس سي، كذلك الربط الكهربائي ومشروعات الطرق وإمكانية ربط السكك الحديدية، كما أرجو أن تنشئ مصر أربع قرى أومدن متوسطة الحجم بأسماء: القاهرة والإسكندرية وقنا وأسوان (هدية) لمتضرري الفيضانات بالسودان، مع تفعيل أنشطة الوكالة المصرية للشراكة مع إفريقيا بدولتي السودان وجنوبه؛ فلأول مرة في تاريخنا تهب التهديدات على الأمن القومي لمصر من الجنوب، والسودان بموقعه الاستراتيجي وتأثيره الجيوسياسي، أهم ركائز الدفاع عنه؛ فالسياسة ابنة الجغرافيا والجغرافيا لا تتغير إلا بفعل فاعل.


