مقالات رأي

د. محمد السعيد إدريس يكتب : العثمانية الجديدة و«تمزيق الخرائط»

ما يقال عن التوجه التركي لتمزيق الخرائط مع اليونان وقبرص وسوريا يقال أيضاً عن حرص لتمزيق الخرائط مع العراق واستعادة النفوذ في ليبيا

في معرض التصعيد المدروس ضد اليونان وقبرص (اليونانية)، في الصراع على النفط والغاز في شرق البحر المتوسط، تجاوز الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أطر الخلاف السياسية مع كل من اليونان، وقبرص، وخاض مباشرة في جوهر الصراع من منظور «المشروع التركي الجديد»، وقال مهدداً الطرفين اليوناني والقبرصي «سيدركون أن تركيا تملك القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية لتمزيق الخرائط والوثائق المجحفة التي تفرض عليها».

كان ذلك بمناسبة التهيئة التركية لانطلاق مناورات عسكرية تركية ضخمة بالمشاركة، مع قوات قبرص التركية في الفترة من 6 – 10 سبتمبر/ أيلول الجاري، وهي المناورة التي حملت اسم «عاصفة المتوسط». وجاء تصريح فؤاد أقطاي نائب الرئيس التركي فى السياق نفسه، إذ قال «أتمنى التوفيق لجنودنا الأبطال الذين يمثلون إرادتنا الصلبة ضد الساعين لحبس تركيا في خليج أنطاليا، ولتجاهل القبارصة الأتراك».

استراتيجية «تمزيق الخرائط» بدأها أردوغان في شمال سوريا، عندما جعل بلاده ممراً لدخول الإرهابيين إلى سوريا، وتحالف معهم، وعندما دفع بقواته العسكرية إلى الشمال السوري لاحتلال أجزاء واسعة منه تحت غطاء تأسيس «منطقة آمنة» لحماية الحدود الجنوبية التركية من اعتداءات حزب العمال التركي الكردي المعارض.

وما يقال عن التوجه التركي لتمزيق الخرائط مع اليونان وقبرص وسوريا، يقال أيضاً عن حرص تركي موازٍ لتمزيق الخرائط مع العراق، واستعادة النفوذ في ليبيا، وأخيراً في لبنان. فالهجوم الذي شنته القوات التركية على موقع عسكري عراقي في إقليم كردستان في أغسطس/ آب الماضي، وأدى إلى مقتل ضابطين عراقيين في قصف لطائرة مسيرة تركية، لم يكن الأول، ولن يكون الأخير، فتركيا تتمدد جغرافياً في العراق، وعيونها مركزة على الموصل، وكركوك، ليس طمعاً في الثروة النفطية الهائلة في شمال العراق فقط، ولكن لاستعادة ما يعتبرونه «أرضاً تركية» انتزعت عنوة من تركيا ضمن ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى التي انتهت بتفكك الإمبراطورية العثمانية، تماماً كما حال النزاع التركي «المفتعل» مع اليونان، وقبرص، فهو ليس مجرد نزاع حول ثروات الغاز الهائلة في شرق المتوسط، بقدر ما هو استراتيجية ل«تمزيق الخرائط»، استعداداً للحدث الأهم الذي تستعد له تركيا من الآن، وهو موعد انقضاء «معاهدة لوزان» عام 1923 التي تضمنت تفكيك ممتلكات الإمبراطورية العثمانية، ورسم الحدود الجديدة للدولة التركية، أي بعد ما يقرب من عامين من الآن، حيث يعد أردوغان ترتيباته لإعلان الانسحاب التركي الرسمي من هذه المعاهدة، والبدء بعدها للمطالبة بممتلكات تركيا التي يزعم أنها انتزعت منها عنوة من جانب فرنسا وبريطانيا، اللذين خاضا الحرب العالمية الأولى ضد الإمبراطورية العثمانية وألمانيا، والنمسا، والمجر.

الخروج التركي من «معاهدة لوزان» هو الذي يأخذ الآن اسم «تمزيق الخرائط»، وهذا التمزيق التركي للخرائط الذي يخلط بتعمد بين ما هو أرض تركية تاريخية، وما هو أرض احتلها العثمانيون في تمددهم بالقوة العسكرية في أراضي الدول المجاورة، هذا الخلط المتعمد أكدته الخريطة التي تحدثنا عنها في الأسبوع الماضي، والتي نشرها عضو البرلمان التركي عن حزب العدالة والتنمية الحاكم في أنقرة، ميتين غلونك، تحت اسم «تركيا الكبرى» والتي تضم محافظتي الموصل، وكركوك العراقيتين، ومحافظتي حلب وإدلب السوريتين، ومساحات واسعة من شمال اليونان، وجزر بحر إيجه الشرقية، ونصف بلغاريا، وقبرص، وأرمينيا، إلى جانب مناطق واسعة من جورجيا، باعتبار أن هذه الخريطة هي «العالم التركي»، أو هي الحدود التي تسعى تركيا لفرضها على العالم بعد إعلان إنهاء التزاماتها ب«معاهدة لوزان»، وإعلان عدم التمديد لهذه المعاهدة.

تمزيق الخرائط تحدث عنه بوضوح شديد رجب طيب أردوغان في أحد خطاباته التي كشف فيها عما يمكن اعتباره المضمون الحقيقي ل«الأردوغانية»، أو بوضوح أكثر «المعنى الإمبراطوري للعثمانية الجديدة»، وفي هذا الخطاب ورد الاقتباس التالي الذي ترجمه بدقة أحد الباحثين المتخصصين، وقال فيه أردوغان ما نصه: «تركيا (التي يريدها ويخطط لها) هي أكبر من تركيا الحالية. يجب أن تعلموا ذلك. لن نظل محاصرين ب780 ألف كيلومتر مربع (هي مساحة تركيا الآن)، لأن حدودنا الجسدية والقلبية مختلفة. قد يكون إخواننا في الموصل وكركوك (في العراق)، وفي الحسكة وحلب وحمص (في سوريا)، وفى سكوبي وجزيرة القرم (جورجيا)، خارج حدودنا الفعلية، لكنهم ضمن حدودنا العاطفية وفى قلوبنا».

هذا هو مشروع أردوغان، والعثمانية الجديدة التي تسعى إلى استعادة فرض السيادة على كل الأراضي التي اغتصبتها الإمبراطورية العثمانية في معاركها التوسعية، ولكن من دون التزام بالإطار العقائدي- الأيديولوجي لهذه الإمبراطورية، وهو مشروع يعلن الدفع بتركيا «الكبرى» كقوة إقليمية جديدة مهيمنة.

نقلا عن صحيفة ” الخليج” الإماراتية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى