مقالات رأي

د. صبحي عسيلة يكتب : “كاسك يا وطن”

“كاسك يا وطن” هو عنوان واحدة من أشهر المسرحيات العربية كتبها المبدع السوري محمد الماغوت وأبدع في أدائها على المسرح الفنان السوري الكبير دريد لحام، وهي ليست موضوع ذلك المقال، وإن كان يحمل اسمها. الكأس تصير في العامية كاس وتشير إلى معنى إيجابي حينما يتعلق بفوز في أمر ما، ومعنى سلبي حين يتعلق الأمر بشرب الخمر وما شابه. المقال ليس موضوعه بطبيعة الحال الكاس بالمعنى السلبي ولكنه أي المعنى السلبي حاضرا فيما آل إليه المعنى الإيجابي للكاس مؤخرا. المقال عن كاس الأمم الإفريقية التي اختفت أو سرقت من اتحاد الكرة المصري بعد أن احتفظت به مصر نتيجة فوزها بها ثلاث مرات متتالية. وبكل تأكيد فإن المقال ليس بحثا أو تحقيقا عمن سرق تلك الكأس، فتلك مهمة تتولاها اللجنة التي شكلها على الفور السيد وزير الشباب الدكتور أشرف صبحي، ولكن المقال يعني في المقام الأول بما وراء اختفاء الكاس وعدم الإعلان عن ذلك إلا الأن، بكل ما يطرحه ذلك من مخاوف أو على الأقل علامات استفهام حول مصير أمور أخرى في اتحاد الكرة قد تكون حدثت ولا نعلم عنها شيئا.
المصائب والفضائح التي تأتي من كرة القدم باتت أكثر مما يحتمل. باتت تذهب العقل ومعه الحكمة كما يفعل كاس النبيذ بشاربه في الحانات الليلية. الوسط الرياضي والكروي تحديدا أصبح متخصصا في تعكير صفحات فرح المصريين. قبل عدة أسابيع خروج لاعب نادي الزمالك السابق فاروق جعفر مفاجئا المصريين بإدعائه أن المنتخب المصري كان يحرز البطولات بتقديم الرشى للحكام ما أحدث هجوما غير مسبوق بل وأشعل حالة من السخرية على الكرة المصرية من قبل منافسيها خاصة في شمال إفريقيا. اليوم تكتمل الدائرة ويصدم المصريين مجددا بخبر اختفاء بعض الكئوس من اتحاد الكرة وفي مقدمتها وأهمها على الإطلاق كأس الأمم الإفريقية. فهل ترفع المسئولون في اتحاد الكرة على الاحتفاظ بكأس قال جعفر أنها أتت بطريق غير مشروع، وكيف لاتحاد لعبة ما ألا يكتشف ضياع أو سرقة أهم مقتنياته، وهل من الطبيعي أن تظل كأس الأمم الإفريقية ملقاة في مخزن الاتحاد أم أن مكانها الطبيعي في قلب مبنى الاتحاد ليسعد بها كل يوم جميع العاملين والزائرين للاتحاد. التعامل مع كأس الأمم الإفريقية بتلك الاستهانة هي الجريمة الأولى والرئيسية التي يجب أن يعاقب عليها القائمون على اتحاد الكرة قبل أن يحاكموا جنائيا على ضياع أو سرقة الكأس والسكوت على ذلك سنوات عديدة. خروج مصر من كأس الأمم الإفريقية العام الماضي كان كفيلا باستقالة اتحاد الكرة، فما بالنا بضياع الكأس بعدما حصلنا عليها واحتفظنا بها للأبد باعتبارها ملكا لمصر وليس ملكا لاتحاد كرة القدم الذي له أيضا ملكا لمصر ويخضع لقوانينها قبل أن يكون ملكا خاضعا لجمهورية الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا). التعامل باستهانة مع رمزية وقيمة كأس الأمم بدأ حتى قبل أن تختفي الكأس. بدأ بالسماح لكابتن المنتخب القومي أحمد حسن بالاحتفاظ بالكأس كما قال لعدة أيام في منزله لأخذ بعض الصور معه تلبية لرغبات أو بالأحرى أوامر الشركة الراعية! وكأن اتحاد الكرة ليس مكانا ملائما لأخذ تلك الصور مقارنة بمنزل كابتن المنتخب، ثم من كان يتحمل نتيجة فقدان الكأس من منزل اللاعب لأي سبب من الأسباب، وأية إجراءات تلك التي اتخذها الاتحاد لتأمين الكأس خلال فترة تواجدها مع اللاعب! من أين اكتسب اتحاد الكرة آنذاك كل تلك الجرأة والتهور للموافقة على مثل هكذا إجراء؟
ورغم مأساة ضياع كاس تميز الوطن في مجال كرة القدم فإن المأساة الحقيقية والأكبر هي فيما يعبر عنه ضياع الكأس بتلك الطريقة ثم التعامل معه وكأن كأس شراب عصير أو غيره قد فقد من المنزل وأن تعويضه شئ سهل لدرجة أن الاتحاد الإفريقي طرح فكرة تعويض مصر بكأس بديلة ستكون بالطبع نسخة مقلدة معتمدة من الاتحاد، ولكن شتان بين النسخة الأصلية التي فرح بها المصريون وبين النسخة المقلدة حتى وإن كانت طبق الأصل. اللوحات الأصلية لا تعوضها أخرى مقلدة ولو رسمها الفنان نفسه أو من هو أمهر منه. الترهل الإداري والفساد البيروقراطي والإهمال وعدم تقدير المسئولية ومعاملة الأشياء التاريخية على أن مكانها الأرشيف ويجري عليها ما يجري على الأشياء التي تؤول بحكم التقادم إلى الأرشيف وربما الإعدام لاحقا أو التخلص منها كنفايات هو الفيروس الذي يسبب الوباء الحقيقي المسبب لما شهدته مصر وتشهده من أزمات ومصائب. وهذا الفيروس تكاثر خلال العقود الأخيرة بشكل بات يهدد الكثير من مقدرات الوطن، وأظن أن تداعياته لا تقل خطورة عن فيروس كورونا، وأعتقد أن الدكتور أشرف صبحي وزير الشباب والرياضة يدرك أكثر منا جميعا خطورة بقاء الأوضاع التي أوصلتنا إلى تلك النقطة على ما هي عليه، واعتقد أنه قادر على التدخل بأكثر من تكوين لجنة للتحقيق في ضياع الكأس للقضاء على ذلك الفيروس ووقف انتشار الوباء قبل أن يصبح جائحة أخرى لا يستفيد منها سوى المتاجرون بالوطن تاريخا ومستقبلا، أو على الأقل توسيع نطاق عمل اللجنة ليطال مساحات وقضايا أو محطات أبعد من محطة معرفة مصير تلك الكأس. فاتحاد كرة القدم بتلك الواقعة لم يعد ذلك الاتحاد الذي يمكن الثقة فيه بصرف النظر عن القائمين على إدارته. سحب الثقة من الكيان المسمى اتحاد الكرة بعد أن فقد أهليته في القيام بمسئولياته تجاه تاريخ مصر الكروي بات واجبا، وليس سحب الثقة من القائمين عليه كما حدث إبان الخروج المهين من كأس الأمم الإفريقية التي نظمتها مصر صيف العام الماضي على أروع ما يكون. اتحاد كرة القدم أفسد فرحة المصريين التي كانت وأفسد فرحة المصريين الكائنة بالمنظر المشرف لقرعة كأس العالم لليد، وعلى ذلك يجب أن يكون الحساب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى