الاقتصاد المصري

دور صندوق مصر السيادي في تحقيق التنمية المستدامة

يُعرف الصندوق السيادي بإنه محفظة استثمارية تمتلكها الدولة من أجل إدارة ثرواتها و فوائضها المالية وأصولها الغير مستغلة، ولكنه غير تابع لوزارة المالية أو البنك المركزي، ويتكون الصندوق السيادي من مجموعة مختلفة من الأصول منها الأراضي و الأسهم و السندات وغيرها.

وفي الوقت الحالي، تستخدم بعض الدول الصناديق السيادية كأداة لتحريك اقتصادها في مواجهة التباطؤ العالمي، وانخفاض حجم التجارة الناتج عن انتشار فيروس كورونا المستجد وإجراءات الإغلاق التي اتخذتها الدول لتحجيم تفشي الفيروس؛ حيث تعمل تلك الصناديق في الوقت الراهن على جذب التمويل من الخارج، وتشجيع الاستثمار في داخل الدولة لتحفيز النمو و تحقيق التنمية المستدامة.

أولًا – نشأة وأهداف صندوق مصر السيادي:

         سعت الحكومة المصرية إلى توفير مصادر غير تقليدية للإيرادات، وإيجاد سبل جديدة لتعظيم التدفقات الاستثمارية والاستفادة من الأصول الغير مستغلة بالطريقة المُثلى، ومن هنا جاءت فكرة تأسيس صندوق مصر السيادي. 

وفي 2018، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قانون رقم 177 الخاص بإنشاء صندوق مصر السيادي، وينص القانون على إنشاء الصندوق بموجب قانون خاص لتمكينه من العمل وفقًا لمعايير واضحة، برأس مال مرخص 200 مليار جنيه و رأس المال المصدر يبلغ 5 مليارات جنيه، كما يشمل موارد الصندوق على عائدات و إيرادات استثمار أموال الصندوق واستغلال أصوله، بالإضافة إلى العائدات المرتقبة من إسهامه في أي من الصناديق الاستثمارية أو الشركات الأخرى.

 ويخضع الصندوق السيادي للرقابة من قبل الجهاز المركزى للمحاسبات، ويُقدم تقارير سنوية يتم رفعها للجمعية العمومية وترفع لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب، وترتكز استراتيجية الصندوق على زيادة الاستثمارات وتنمية ثروات مصر من الأصول والموارد الطبيعية، ويقوم الصندوق بعدة مهام من أبرزها ما يلي:

  1. المساهمة في تحقيق التنمية المستدامة، وتعظيم الاستفادة من الأصول الغير المستغلة.
  2. القيام بكافة الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية بما في ذلك المساهمة في تأسيس الشركات أو زيادة رؤوس أموالها، والاستثمار في الأوراق المالية المقيدة بأسواق الأوراق المالية، وغير المقيدة بها، وأدوات الدين، وغيرها من الأوراق المالية داخل وخارج البلاد.
  3. الاقتراض، والحصول على التسهيلات الائتمانية، وإصدار السندات وصكوك التمويل، وغيرها من أدوات الدين، كما للصندوق القدرة على شراء وبيع وتأجير واستئجار واستغلال الأصول الثابتة والمنقولة والانتفاع بها، وإقراض أو ضمان صناديق الاستثمار والشركات التابعة التي يملكها أو يساهم فيها مع الغير.

ثانيًا – جهود الصندوق السيادي في مجال التنمية المستدامة:

منذ إنشاء صندوق مصر السيادي في 2018، نجح في جذب مستثمرين وشركاء التنمية، حيث وقع الصندوق على العديد من الاتفاقيات سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي أو المحلي، كما أن الحكومة تسعى الآن إلى جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية لتعزيز مسيرتها الاقتصادية والإصلاحية، ومن أبرز الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي وقعها الصندوق، ما يلي:

على المستوى الدولي، فقد وقع الصندوق مذكرة تفاهم في يناير 2020 مع شركة الاستثمار المباشر الرائدة في الأسواق الناشئة “أكتيس”؛ للتعاون الاستراتيجي والاستثمار في عدة قطاعات داخل مصر حيث تهدف تلك المذكرة إلى جذب وتوجيه الاستثمارات الخاصة نحو القطاعات الحيوية في الاقتصاد المصري مثل قطاع الطاقة والبنية التحتية، مما يساهم في إطلاق الإمكانات الكامنة للأصول والموارد المصرية في القطاعات المذكورة.

وعن المستوى الإقليمي، فقد عقد الصندوق برنامج استثمارات مشترك مع شركة أبوظبي التنمويّة في 2019، بقيمة 20 مليار دولار، وتُمثل تلك المنصة الاستثماريّة استراتيجيّة مشتركة في مجموعة متنوعة من القطاعات أبرزها الصناعات التحويليّة والطاقة التقليديّة المتجددة والتكنولوجيا والأغذيّة والعقارات والسياحة والرعايّة الصحية والخدمات اللوجستية والخدمات المالية والبنية التحتية وغيره، وهو ما يحقق عائدًا اقتصاديًا مربحًا للطرفين.

أما عن المستوى المحلي، في 2019، وقع صندوق مصر السيادي اتفاقيتين الأولى مع وزارة قطاع الأعمال العام، و الثانية مع بنك الاستثمار القومي، ويأتي توقيع اتفاقيتي التعاون في ضوء حرص الدولة على ضخ استثمارات من القطاع الخاص من خلال الصندوق لتطويرها وتشغيلها وزيادة العائد عليها وخلق محفظة من الأصول المتاحة للتسويق والاستثمار من قبل الصندوق، كما أن تلك  الاتفاقيات تهدف إلى تشجيع الشراكة بين القطاع العام والخاص، وتثمن وضعية الصندوق كالشريك الأفضل للقطاع الخاص.  

كما تم توقيع اتفاقية تعاون بين الصندوق السيادى وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية في فبراير 2020؛ بهدف عمل دراسات استثمارية لبعض شركات الجهاز لاستغلالها استثماريًا لتعظيم قيمة هذه الأصول و تطويرها بالشراكة بين الجهاز والقطاع الخاص.

وفي يونيو 2020، وقع المجلس الأعلى للآثار مع صندوق مصر السيادي عقدًا لتطوير وتقديم وتشغيل وإدارة خدمات الزائرين بمنطقة “باب العزب” الأثرية بقلعة صلاح الدين الأيوبي، على أن يتولى المجلس الأعلى للآثار وحده دون غيره إدارة المنطقة الاثرية، وفي المقابل يتولى الصندوق تقديم وتشغيل وإدارة خدمات الزائرين بهدف إحياء المناطق الاثرية وإعلاء قيمتها التاريخية والاقتصادية، كما يسعى الصندوق في هذا الصدد إلى إنشاء متاحف ومسارح وأسواق تقليدية، مما يساهم في زيادة إيرادات الدولة.

وفي أغسطس 2020، وقع رئيس مجلس إدارة صندوق مصر السيادي هالة السعيد، بروتوكول للتعاون المشترك مع قطاع الكهرباء ؛ لتعظيم الاستفادة من المشروعات والأصول المملوكة للهيئات والشركات التابعة لوزارة الكهرباء والطاقة المتجددة المملوكة للدولة المصرية وضخ الاستثمارات اللازمة لتطويرها و تأهيلها وتشغيلها وتصديرها  وذلك من خلال صندوق فرعي أو شركات مساهمة يساهم فيها للصندوق، مما يسهم في تعزيز مكانة مصر بصفتها مركزًا إقليميًا وعالميًا للطاقة وبما يحقق القيمة المضافة للدخل القومي لمصر.

وخلال الفترة من 2018 وحتى الآن استطاع صندوق مصر السيادي رفع محفظته من الأصول الحكومية غير المستغلة إلى حدود 10 مليارات جنيه خلال أقل من عامين مضيا على تأسيسه، وفيما يلي أبرز أصوله:

  • أرض ومبنى مجمع التحرير بمساحة 12.8 ألف متر مربع.
  • أرض ومباني المقر الإداري لوزارة الداخلية بمساحة 19.3 ألف متر مربع.
  • أرض تابعة للحزب الوطني المنحل بجوار المتحف المصري.
  • أراضٍ ومبانٍ تابعة للقرية الكونية في السادس من أكتوبر.
  • أرض ومبانٍ ملحقة بـمعهد ناصر، وأرض حديقة الحيوان بطنطا
  • أرض المعارض بمدينة نصر وأرض تابعة لمكتبة الإسكندرية.
  • استغلال شركات القطاع والتي تتنوع ما بين أصول جاهزة للاستثمار وأخرى تحتاج لتطوير.
  • الاستحواذ على 30% من محطات الطاقة التي تنفذها شركة سيمينز في البرلس وبني سويف والعاصمة الإدارية الجديدة.
  • الاستحواذ على حصة لا تقل عن 76%من رأسمال بنك الاستثمار العربي.

ثالثًا- كورونا يعيد ترتيب أولويات صندوق مصر السيادي:

وعقب انتشار فيروس كورونا المستجد في معظم دول العالم في أواخر عام 2019، والذي أدى إلى تدهور في معظم القطاعات الاقتصادية، قام صندوق مصر السيادي بإعادة ترتيب أولوياته الاستثمارية لذا وضع الصندوق على قائمة أولوياته التحول للتصنيع الغذائي والدوائي والصناعات ذات الأهمية في ظل الأزمة الحالية، وفي هذا الصدد أنشاء الصندوق السيادي أربعة صناديق فرعية جديدة تابعة له في مجالات الرعاية الصحية، التصنيع الغذائي والزراعة، البنية الأساسية، الخدمات والتكنولوجيا المالية.

وفي مجال الرعاية الصحية، وقع الصندوق مذكرة تفاهم مع شركة إدارة الاستثمارات كونكورد إنترناشيونال انفستمنتس الأمريكية  CONCORD INTERNATIONAL INVESTMENTS؛ لتأسيس شركة مشتركة لإدارة صندوق متخصص في قطاع الرعاية الصحية، ويبلغ حجم الصندوق 300 مليون دولار أمريكي كمرحلة أولية، ويعمل هذا الصندوق على خلق منصة رعاية صحية متنوعة تستفيد من تزايد عدد السكان في مصر الذين يحتاجون لخدمات رعاية صحية مختلفة.

كما يسعى صندوق الرعاية الصحية إلى إنشاء كيانات رعاية صحية عالمية موجهة للتصدير لتغطي الأنشطة الصحية المختلفة، إلى جانب تعظيم قيمة الأصول الغير المستغلة ودعم التخصصات الجديدة في هذا القطاع الحيوي، مستغل الانخفاض النسبي لتكاليف الإنتاج والخدمات الصحية بمصر لتصديرها إلى أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا.

وفي مجال التكنولوجية المالية، أصدر رئيس مجلس إدارة الصندوق هالة السعيد، قرار رقم 7 لسنة 2020 الخاص بتأسيس صندوق مصر الفرعي للخدمات المالية والتحول الرقمي برأس مال الصندوق المرخص به 30 مليار جنيه مصري فقط لا غير، ورأس ماله المصدر 500 مليون جنيه مصري فقط، على أن يسدد صندوق مصر منه مبلغ 125 مليون جنيه مصري عند التأسيس في الحساب المصرفي للصندوق ويسدد الباقي نقدا وخلال ثلاث سنوات.

ويهدف هذا الصندوق إلى الاستثمار في مجال الخدمات المالية الغير المصرفية والتحول الرقمي والشمول المالي والتكنولوجيا المالية، وله في سبيل ذلك التعاون والمشاركة مع الصناديق العربية أو الأجنبية النظيرة أو المؤسسات المالية المختلفة أو الشركات؛ لتحقيق العائد الاستثماري المحدد بموجب سياسة الاستثمار الخاصة بالصندوق.

ولصندوق الخدمات المالية الحق في تأسيس الشركات أو الصناديق وأي كيانات أخرى أو المساهمة فيها، بما يتفق مع أغراض الصندوق، داخل جمهورية مصر العربية أو خارجها، إلى جانب الاقتراض والحصول على التسهيلات الائتمانية وإصدار السندات وصكوك التمويل وغيرها من أدوات الدين.

وفي مجال البنية التحتية، تم إنشاء صندوق مصر الفرعي للمرافق والبنية الأساسية والذي تمت الموافقة على تأسيسه بغرض الاستثمار في مجال المرافق والبنية الأساسية وفقًا لأفضل وأحدث المعايير الدولية ويحق للصندوق الشراكة مع الصناديق الممثلة سواء عربياً أو أجنبياً أو مع المؤسسات او الشركات لتحقيق افضل العوائد الاستثمارية، ويكون رأس مال الصندوق 30 مليار جنيها.

وفي مجال السياحة، تم إنشاء صندوق مصر الفرعي للسياحة والاستثمار العقاري وتطوير الآثار، ويهدف الصندوق الي الاستثمار في قطاع السياحة والمنشئات السياحية من خلال التعاون مع الشركات والمؤسسات الكبرى ، ويكون رأس مال الصندوق 30 مليار جنيها.

وفي الوقت الحالي، يقوم الصندوق بدراسة استغلال مجمع التحرير على ثلاثة محاور وهي دراسة إشراك القطاع الخاص في إقامة مشروعات استثمارية جديدة في منطقة ميدان التحرير، كما يعقد الصندوق حوارًا مع عدد من المستثمرين في القطاع العقارى والسياحي لتنشيط السياحة في هذه المنطقة مما يعمل على زيادة العملة الأجنبية لدى الدولة، علاوة على ذلك قام الصندوق بالحديث مع ثلاث مجموعات من الفنادق العالمية لوضع رؤية لتطوير المجمع.

لذا، يعتبر وجود صندوق سيادي مصري قوي رسالة إيجابية إلى شركاء الاستثمار والتنمية المحليين والدوليين، حيث تؤكد جهود الصندوق السيادي على حرص الدولة المصرية على تحفيز الشراكة مع القطاع الخاص والكيانات الدولية في تدشين المشروعات الاستثمارية المختلفة في محاولة جادة منها لتخفيف الآثار السلبية الناجمة عن انتشار فيروس كورونا المستجد.

ختامًا، يساهم صندوق مصر السيادي في فتح آفاق أوسع لإبراز الفرص والمجالات الجديدة ذات الأولوية لجذب المستثمرين للسوق المصرى، وإذا استطاع الصندوق السيادي تحقيق هدفه الأساسي وهو استغلال الأصول المعطلة، فإن ذلك سيكون بمثابة خطوة هامة في طريق الدولة لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام وما يتبعه أثار إيجابية منها على سبيل المثال خفض معدلات البطالة، ورفع معدل النمو الاقتصادي وتحسين الأوضاع الاجتماعية وزيادة الرفاهية الاقتصادية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى