دول المغرب العربي

رغم نيل الحكومة للثقة.. تحديات على طريق الاستقرار في تونس

نجح هشام المشيشى المكلف برئاسة الحكومة الجديدة في الحصول على ثقة مجلس النواب التونسي، رغم الخلافات الدائرة بين الكتل السياسية واعتراضها على طبيعة الحكومة، ومازال أمام المشيشى عدد من التحديات للوصول بالدولة التونسية إلى مرحلة الاستقرار السياسي وتحقيق التنمية المنشودة، وهو ما سوف يتم مناقشته في هذه الورقة.

بعد استقالة حكومة إلياس الفخفاخ في 15 يوليو 2020، والتي استمرت لمدة خمسة أشهر فقط، حيث تشكلت في 28 فبراير 2020، تم تكليف هشام المشيشى بتشكيل الحكومة من قبل الرئيس قيس سعيد وهو وزير الداخلية في الحكومة المستقيلة، وهو مستقل لا ينتمي لأي حزب سياسي، ومقرب من الرئيس سعيد وهو الذي سبق أن اختاره وزيرا للداخلية. وينتمي المشيشى إلى خريجي المدرسة الوطنية للإدارة في الجامعة التونسية، ولا يلتحق بها إلا الشباب الموالون للدولة ونظام الحكم والحزب الحاكم. وعُرف المشيشى باستقلاليته في كل المهام والمناصب التي تولاها حيث عمل مع يساريين، ومع حزب نداء تونس، وحزب حركة النهضة، وعمل بحكم دراساته القانونية مستشارًا في الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد التابعة للدولة[1].

وتشير دلالة اختيار وزير الداخلية ليرأس الحكومة القادمة إلى رغبة الرئيس قيس سعيد في مواجهة كل من يهدد أمن الدولة التونسية من خلال شخصية حاسمة قادرة على ضبط شؤون الدولة؛ إذ سبق وأن توعد الرئيس قيس سعيد بالتصدي لمن من أسماهم بالمتآمرين على الدولة، وأنه لن يقبل أن تكون تونس مرتعا للإرهابين، ولا أن يكون فيها عملاء يتآمرون مع الخارج، ويهيئون الظروف للخروج على الشرعية.

وقد تم منح الثقة للحكومة في 2 سبتمبر 2020، بتأييد 134 نائبًا، بينما رفض 67 نائبًا من إجمالي 217 نائب في البرلمان التونسي، وأيدتها كل من حركة النهضة وقلب تونس والإصلاح والكتلة الوطنية وتحيا تونس بينما عارض كل من الحزب الدستوري الحر، والكتلة الديمقراطية وائتلاف الكرامة، وتعد الحكومة الجديدة حكومة تكنوقراط تضم شخصيات مستقلة من القضاة والتنفيذيين والأكاديميين والموظفين الحكوميين، حيث تضمّ حكومة “المشيشي” المعلنة 28 عضوًا تشمل 25 وزيرًا و3 كتّاب دولة، ومن بينهم 8 نساء.

وخلال بيانه أمام البرلمان في جلسة منح الثقة، أكد المشيشى العمل على وقف نزيف المالية العامة ومعالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية من خلال إعادة إطلاق إنتاج النفط والفوسفات في جنوب الدولة، حيث يواجه كل منهما انقطاعات منتظمة بسبب الاحتجاجات على التوظيف، أيضًا يرغب المشيشى في استعادة الثقة في الاستثمار في تونس من خلال إصلاح نظام الضرائب، إلا أن هناك العديد من التحديات أمام المشيشى والتي تمثل عقبة في طريق حكومته يتعين عليه مواجهتها في الفترة القادمة وهي فيما يلي:

  • التحدي الاقتصادي

تواجه الحكومة مهمة صعبة في مواجهة تباطؤ مؤشرات النمو الاقتصادي في الدولة؛ إذ شهد الاقتصاد التونسي في النصف الأول من عام 2019 نموًا ضعيفًا بنسبة لم تتجاوز 1.1% مقارنة بـ 2.5 % في عام 2018، ويرجع ذلك إلى انخفاض وتيرة النمو الزراعي وتراجع الصناعة مثل النفط والغاز والصناعات الزراعية، وبلغ التضخم 6.7 % في أغسطس 2019، بالإضافة إلى ارتفاع نسب البطالة بين النساء بنسبة 22.6% عام 2019 و28.2% للشباب حديثي التخرج، وقد بلغ إجمالي نسب البطالة 15.3 % خلال النصف الأول من 2019.

أيضا زاد عجز الموازنة العامة إلى 2.4 مليار خلال النصف الأول من 2019، أي حوالى 2.1 % من إجمالي الناتج المحلى[2]، بالإضافة إلى أن الدين العام تفاقم فأصبحت الدولة تقترض 15 مليار سنويًا، مما يتعين عليها تسديد 7.5 مليار دينار عام 2020 ، وبلغ إجمالي الدين 80 مليار دينار، كما أن نسبة الاستثمار لم تتجاوز 13 % في عام 2020  وذلك وفقا لما جاء في كلمة المشيشى في جلسة منح الثقة.

ويتعين على حكومة المشيشى كذلك استكمال محادثات صندوق النقد الدولي بشأن الحصول على برنامج إصلاح جديد قبل نهاية 2020، وهي المحادثات التي تم تعليقها في يوليو عندما استقال رئيس الوزراء إلياس الفخفاخ، وتمثل هذه المفاوضات تحديًا للحكومة التونسية لأن أحد شروط استئنافها هو ضرورة تشديد السياسة المالية من خلال تدابير خفض الدعم، وتعد هذه الإصلاحات أمر صعبًا قد يواجه اعتراضات من المواطنين ومن النقابات العمالية التي تقود بعض الإضرابات العامة[3].

  • الصراع السياسي

يمثل عدم توافق الكتل السياسية منذ بداية تشكيل الحكومة واعتراضها على شكل الحكومة من حيث استقلاليتها ولاسيما النهضة التي اعتبرت تشكيل حكومة من المستقلين تجاوزًا للأعراف الديمقراطية وتجاوزًا لنتائج الانتخابات البرلمانية السابقة عامل ضغط على حكومة المشيشى الفترة القادمة، وعلى قدرتها على تمرير القوانين داخل البرلمان، كما يتعين على المشيشى احتواء الصراع المستمر منذ انتهاء الانتخابات البرلمانية بين الحزب الدستوري الحر بقيادة عبير موسى وحركة النهضة بزعامة راشد الغنوشي والذى تصاعد مع تولى الغنوشي لرئاسة البرلمان باعتبار أن حزب حركة النهضة له أكبر عدد من المقاعد في البرلمان 54 مقعدًا بما يمثل 25% من إجمالي المقاعد، وهو ما كانت ترفضه الكتل السياسية والأحزاب بأن تتولى شخصية من حزب حركة النهضة رئاسة الحكومة، لذا استمرار هذا الصراع مثل ضغطا على الحكومات المتعاقبة.

بالإضافة إلى رفض الحزب الدستوري الممارسات السياسية لراشد الغنوشي في محاولة لإدخال الدولة في صراعات إقليمية وانحيازها لطرف دون الآخر، لاسيما زيارته لتركيا وتهنئته لفايز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية على استعادة قاعدة الوطية، وأن ما قام به الغنوشي تجاوز لاختصاصاته ويخالف موقف الدولة الوطنية، وأن مهام السياسة الخارجية هي من اختصاص رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية.

  • استكمال المؤسسات الدستورية

مازالت إشكالية تشكيل المحكمة الدستورية قائمة ومن ثم يتعين على حكومة المشيشى، بحث هذه الإشكالية بالتشاور مع الكتل النيابية داخل البرلمان ولا سيما أن المحكمة لها أهمية فيما يتعلق بالفصل في النزاعات أو الاختلافات بين كل من رئيس الدولة ورئيس الحكومة[4].

  • تهديدات الإرهاب

واجهت تونس عملية إرهابية في 6 سبتمبر في مدينة سوسة وهى أولى التحديات التي تشهدها الحكومة الجديدة، بالإضافة إلى وجود عدد من الإرهابين التونسيين المسلحين في غرب ليبيا، ممن شاركوا في سوريا على الحدود الجنوبية الشرقية وهو ما يمثل تحديًا أمنيًا كبيرًا للمؤسسة العسكرية والأمنية[5].

  • تداعيات جائحة كورونا

يتعين على الحكومة مواجهة آثار جائحة كورونا حيث أثرت جائحة كورونا على نمو الاقتصاد التونسي وكان من المتوقع نموه بأكثر من 2% لكنه بقدوم جائحة كورونا أدى ذلك إلى انكماش اقتصادي بنسبة 4% في ظل إجراءات التباعد الاجتماعي والقيود على السفر بالإضافة إلى انخفاض عائدات السياحة الشهرية بنسبة 30% في مارس 2020، كما أن فترة الإغلاق أدت إلى الحد من النشاط الاقتصادي غير الرسمي الذي يستوعب أكثر من 30 % من العمالة في تونس، بالإضافة إلى حصول الدولة على 745 مليون دولار من صندوق النقد لمواجهة جائحة كورونا[6].

  • القطاع الصحي

يعانى القطاع الصحي من انخفاض في الميزانية بالإضافة إلى سيطرة النقابات العمالية التي تعطى أولوية للمطالب الفئوية على إدارة العديد من المستشفيات العامة في تونس، بالإضافة إلى أن 24 مستشفى جامعي و90 مصحة عامة تتركز في المدن الساحلية مما يجعل غالبية السكان دون تغطية صحية[7].

  • الهجرة غير الشرعية

يتعين على الحكومة وضع خطة لمواجهة ارتفاع معدلات الهجرة غير الشرعية في تونس حيث بلغ عدد التونسيين إلى إيطاليا نحو 2500 مهاجر إلى سواحل إيطاليا في يوليو 2020 مقارنة بـ 1611 مهاجر في يونيو[8].

ختامًا، يمكن القول إن استمرار حكومة المشيشى وبقائها في السلطة أكبر مدة ممكنة مرهون بقدرته على إحداث توزان في علاقته بمختلف الكتل السياسية، بالإضافة إلى تحقيق إنجاز حقيقي في القطاعات المختلفة للدولة على المستوى الاقتصادي والصحي والاجتماعي.

المصادر:

[1] رخا أحمد حسن، صراع الديوك في المشهد السياسي التونسي، الشروق،11 أغسطس 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/2RdR6QI  تاريخ الدخول 10 سبتمبر 2020.

[2] تونس، البنك الدولي، 1 أكتوبر2019، متاح على الرابط: https://bit.ly/2R5w46B تاريخ الدخول 8 سبتمبر 2020.

[3] سارة عبد العزيز سالم، الفرصة المقيدة: لماذا يراهن “قيس سعيد” على حكومة المشيشي في تونس؟، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة،6 سبتمبر2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/2ZkL84V تاريخ الدخول 8 سبتمبر 2020.

[4] مهمة صعبة: هل تنجح حكومة المشيشي في مواجهة الأزمات في تونس؟، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة،6 سبتمبر 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/3bEqIZm تاريخ الدخول 9 سبتمبر 2020.

[5] الحبيب الأسود، “تحديات أمام المشيشي.. تونس في مواجهة أزمتها”، العرب، 12 أغسطس 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/3hcWrlL تاريخ الدخول 9 سبتمبر 2020.

[6] التقييم الأوّلي لتأثير جائحة فيروس كورونا على القطاع الاستخراجي وقضايا إدارة الموارد بتونس، معهد حوكمة الموارد الطبيعية، 13 يوليو 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/3hiA2mR تاريخ الدخول 9 سبتمبر 2020.

[7] Dhia Otay, How Tunisia’s COVID Response Demonstrates Governmental Dysfunction, the Washington Institute, 10 July 2020, available at: https://bit.ly/3hfBgzw accessed on 9 September 2020.

[8] أحمد نظيف، تونس.. عودة قوية لموجات الهجرة غير الشرعية نحو إيطاليا، سكاي نيوز عربية، 28 يوليو 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/3k2gyVq تاريخ الدخول 9 سبتمبر 2020.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى