دول المشرق العربيالعراق

بعد زيارة رئيسه لأنقرة.. ماذا تريد تركيا من إقليم كردستان العراق؟

لم تمر ثمان وأربعين ساعة على زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى العراق ولقائه برئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، في إطار جولة شملت لبنان أيضًا، حتى وصل بارزاني، الجمعة 5 سبتمبر على رأس وفد كردستاني إلى أنقرة لإجراء محادثات مع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وعدد من المسؤولين الآخرين بينهم وزير الخارجية، مولود تشاويش أوغلو.

وشملت الزيارة بحث مجمل الأوضاع بين الجانبين خاصة زيادة حجم التبادل التجاري والشراكة الاقتصادية والاستثمارات التركية في الإقليم، وسبل مواجهة الإرهاب والتصدي لتنظم داعش، وجهود مواجهة جائحة كورونا، إذ أبدى أردوغان استعداد بلاده لتقديم أي مساعدات مطلوبة للإقليم، كما تطرقا لآخر التطورات بشأن للمباحثات بين حكومة الإقليم والحكومة العراقية الاتحادية لحل الخلافات بينهما، فضلًا عن مناقشة أخر التطورات في قضايا المنطقة وجهود إرساء الاستقرار فيها.

دلالات توقيت الزيارة

زيارة بارزاني إلى تركيا ليست الأولى حيث سبقتها زيارة في 21 يونيو 2019، بعد أيام من تنصيبه رئيسًا لإقليم كردستان العراق في 10 يونيو من العام ذاته، في إطار العلاقات الخاصة التي تجمع تركيا بالإقليم، لكن الزيارة الحالية التي لم يتم الإعلان عنها مسبقًا تحمل دلالات مختلفة بالنظر إلى توقيتها، وهو ما يُمكن توضيحه كالتالي:

1. صراع نفوذ مع فرنسا:

جاءت الزيارة الثانية لبرزاني إلى أنقرة عقب يومين من انتهاء زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون للعراق، ولقائه مع برزاني. وبرغم كون زيارة ماكرون مكوكية لم تستغرق سوى أربع ساعات، وتقترب في تصنيفها ضمن سياق برتوكولات الزيارات الدبلوماسية الرئاسية إلى “زيارة خاصة”، إلا أنها أحدثت ردة فعل عالية بالنظر إلى السياق الذي جاءت ضمنه، فقد أعقبت زيارة إلى لبنان هي الثانية لهذا البلد من الأزمة التي خلفها انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس الماضي، كما أنها تأتي في وقت اشتعل فيه الصراع بين فرنسا وتركيا على إعادة بسط سيطرتهما على مناطق نفوذهما القديمة، وهو صراع تدور رحاه على مساحة جغرافية واسعة تمتد من العراق ولبنان وشرق المتوسط شرقًا إلى دول شمال إفريقيا والمغرب العربي غربًا، وحتى دول الساحل والصحراء جنوبًا.

وقد بدى وكأن زيارة برزاني إلى أنقرة، استدعاء من أردوغان لمعرفة ما دار في اللقاء الذي جمعه بماكرون خاصة أنه تطرق لرؤية فرنسا بشأن التعامل مع حزب العمال الكردستاني، ولتوجيه رسالة إلى الأخير بأن بلاده لديها مصالح مع العراق، لن تتنازل عنها، وأن لها حلفاء يُمكن أن تنفذ من خلالهم إلى الساحة العراقية في حال وسعت حكومة بغداد علاقاتها مع فرنسا على كافة المستويات، وأنه يُمكن استخدامهم في مواجهة أي ترتيبات لا ترضى عنها أنقرة بين بغداد وباريس.

وتختلف دوافع تركيا وفرنسا للتمدد في العراق، حيث تنطلق أنقرة من أهداف أربعة تتمثل في ملف المياه والسدود، وملف نقل الطاقة، وقضية مواجهة حزب العمال الكردستاني، والرغبة في الفوز بعقود إعادة الإعمار، ضمن سياق أكبر يحكم تحركاتها في المنطقة ويتعلق برغبة استعمارية لاستعادة الإمبراطورية العثمانية المزعومة.

أما فرنسا فتتحرك من وجهة نظر المصالح الأوروبية التي تريد تجحيم الأدوار الأمريكية والروسية والصينية في المنطقة، ومؤخرًا التركية في ظل توتر العلاقات بين أنقرة والاتحاد على خلفية الاعتداءات التركية المتكررة على المصالح اليونانية والقبرصية في شرق المتوسط، واتجاه موازين القوى في ليبيا –الساحة الخلفية للاتحاد- بعيدًا عن المصالح الأوروبية. وقد باتت فرنسا إلى جانب ألمانيا تلعبان دور القائد في الاتحاد الأوروبي منذ خروج المملكة المتحدة منه.  

كما أن لفرنسا رغبة منفردة لاستعادة نفوذها على الساحة الشرق أوسطية، وفي القلب منها العراق التي كانت ترتبط بعلاقات سياسية واقتصادية قوية معها قبل إسقاط نظام حكومة البعث على يد الولايات المتحدة، خاصة وأن الدور الأمريكي بات غير مرحب بيه إلى درجة كبيرة على الصعيدين السياسي والشعبي مع رغبة أمريكية في تقليل وجودها العسكري والسياسي في العراق ضمن استراتيجية لتقليل وجودها في المنطقة.

وتريد باريس ملئ الفراغ الناتج عن الانسحاب الأمريكي الجزئي من العراق، وعدم ترك مساحة أمام تركيا يُمكن أن تنفذ من خلالها إلى ساحة عربية جديدة، في ظل عدم ممانعة شعبية لدور فرنسي أكبر، وسط إدراك لوجود اختلاف بين المنهجين الفرنسي والامريكي في التعامل مع القضايا المختلفة، وتلاقي الموقفين الفرنسي والشعبي العراقي في شأن رفض الوجود الأمريكي، وهو ما اتضح من تصريحات ماكرون المؤكدة على ضرورة تمتع العراق بكامل سيادته الوطنية وإبداء استعداده لدعم مشاريع التنمية والاعمار في العراق، وتجاوز التحديات والمشاكل الاقتصادية والتنموية التي يواجهها.

ويٌمكن أن تستخدم فرنسا العراق كساحة للتضييق على تركيا من ناحية الجنوب، عبر تقوية حزب العمال الكردستاني ومده بالسلاح، وتوسيع العلاقات مع حكومة إقليم كردستان بما يقلل من اعتمادها على تركيا، وهو أمر دائمًا ما يثير تحفظ أنقرة التي منعت حكومة الإقليم من منح الاستثمارات لفرنسا.

وفي المقابل، يستفيد العراق من إقامة شراكة سياسية واقتصادية وعسكرية مع باريس؛ حيث يُمكن لفرنسا مساعدة العراق على رفع اسمه من اللائحة السوداء الخاصة بغسيل الاموال داخل الاتحاد الأوروبي. كذلك تنفيذ مشروعًا نوويًا سلميًا في العراق يساعده على التغلب على أزمة الكهرباء، وتنفيذ مشروع مترو بغداد، كذلك تشجيع المستثمرين على توجيه أموالهم إلى العراق. وترغب فرنسا بالفوز بصفقات تسليح الجيش العراقي، بعد محاولة فاشلة لبيع منظومة دفاع جوي للعراق في عهد الحكومة السابقة.

وقد اتضح الاهتمام الفرنسي بالعراق، في التوقيع على خارطة الطريق الاستراتيجية في مايو 2019 وهي تشمل جوانب أمنية وعسكرية تخص مكافحة الإرهاب وتدريب الجنود العراقيين وصفقات تسلح، وجوانب اقتصادية تتعلق بالأساس بقضية إعادة الإعمار. فضلًا عن التحركات الدبلوماسية المكثفة من جانب المسؤولين الفرنسيين رفيعي المستوى، إذ شهدت السنوات السبع السابقة 3 زيارات رئاسية إلى العراق، كانت أولها زيارة الرئيس الفرنسي السابق فرانسو أولاند لبغداد في سبتمبر 2014، معلنًا التزام بلاده بمساعدة العراق على مواجهة تنظيم داعش الإرهابي بعد سيطرته على عدة مدن ومناطق عراقية، ثم زيارته الثانية عام 2017، بعد نجاح القوات العراقية في ألحاق هزائم كبيرة بداعش، وأخيرًا زيارة ماكرون في 2 سبتمبر الجاري. هذا إلى جانب زيارات المسؤولين الفرنسيين رفيعي المستوى إلى العراق، ومنها على سبيل المثال؛ زيارة وزير الخارجية الفرنسي، جان ايف لودريان، في يوليو الماضي والتي كرر خلالها التأكيد على أهمية النأي بالعراق عن التوترات المحيطة، وزيارة وزيرة الدفاع، فلورانس بارلي، في أواخر اغسطس الماضي مشددة على ضرورة استمرار مجابهة تنظيم داعش.

2. محالة لتهدئة التوتر بين بغداد وأنقرة:

تأتي الزيارة بعد حالة من التوتر تشهدها العلاقات بين أنقرة وبغداد على خلفية حادث مقتل ضابطتين وجندي من قوات حرس الحدود العراقية في قصف نفذته طائرة تركية بدون طيار على منطقة “سيدكان” الشمالية في إطار عملية “مخلب النسر” التي شنتها القوات التركية ضد إقليم كردستان بزعم ملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني. وهو ما اعتبرته العراق عملًا عدائيًا يمثل انتهاكًا لسيادتها، حيث ألغت وزارة الخارجية جميع الزيارات المقررة للمسؤولين الأتراك في الوقت الحاليّ ومن بينها زيارة لوزير الدفاع التركي كانت مقررة في 13 أغسطس، كما استدعت السفير التركي فاتح يلدز وسلمته مذكرة احتجاج ترفض فيها الاعتداءات والانتهاكات المستمرة للأراضي العراقية، وتطالب الجانب التركي بتوضيح ملابسات هذا الاعتداء ومحاسبة المعتدين.

وفي هذا السياق، يُمكن لبرزاني أن يلعب دورًا في تهدئة هذا التوتر بين بغداد وأنقرة، كونه يعتبر مهندس العلاقات الدبلوماسية في كثير من الأمور، خاصة أن زيارته جاءت بعد زيارة قصيرة إلى بغداد التقى فيها إلى جانب ماكرون، بالرئاسات الثلاث في العراق وقادة بعض الكتل السياسية. ومن المعروف أن أي مسؤول في إقليم كردستان لا يذهب إلى أي دولة إلا بعد التشاور مع الحكومة العراقية. لكن من المستبعد أن تضع حدًا للتدخل العسكري التركي في العراق طالما بقيت قضية حزب العمال الكردستاني بعيدة عن سلطة الحكومة المركزية العراقية.

ويؤكد محللون سياسيون عراقيون أن القصف التركي المستمر على مناطق شمال البلاد ليس حلًا لمشكلة حزب العمال الكردستاني، لكن الحل يبدأ من الداخل التركي عبر تبني مبادرات سياسية ودبلوماسية، وتطوير البنية التحتية للمجتمع الكردي.

3. سياسة خارجية متوازنة للعراق:

زيارة برزاني لتركيا جاءت في وقت تسعى فيه بغداد، بعد تولي مصطفي الكاظمي رئاسة الوزراء، إلى صياغة سياسة خارجية متوازنة تحقق مصالح العراق الوطنية، وتنأى به عن سياسة المحاور، بعد تجاوز بعض القضايا الأمنية وعلى رأسها محاربة تنظيم داعش الإرهابي والسعي إلى إقامة شراكات اقتصادية تساهم في إخراج العراق من أزمته الاقتصادية الحالية، وسوف تكون تركيا على خارطة التحركات العراقية القادمة. 

ويسعى الجانبان العراقي والتركي إلى تحقيق انفراجة في العلاقات الثنائية على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والتجارية بعد مرحلة من التوتر، وهو ما أعرب عنه الطرفين خلال اتصال هاتفي بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والكاظمي عقب تولي الأخير رئاسة الحكومة. ومن شأن تعزيز العلاقات مع دول الجوار، ومنها تركيا، أن تساهم في حل المشكلات الاقتصادية العراقية، المتسبب الرئيسي في التوترات الداخلية، ما يهيئ الفرصة لحالة من الهدوء الداخلي يُمكن معها الالتفات إلى معالجة قضايا أخرى كمحاربة الإرهاب والفساد والتنافس الأمريكي الإيراني على الأراضي العراقية.

الأمر نفسه تتمناه تركيا، إذ تأمل أن يكون عهد الكاظمي فرصة لاستعادة التقارب السياسي والاقتصادي والتجاري والعسكري مع العراق، حتى تسترد نفوذها في هذا البلد، وللاستفادة من السوق الاستهلاكي العراقي الواسع.

وفي ظل هذا التقارب المأمول، ستبرز قضية في غاية الأهمية بالنسبة لإقليم كردستان، وهي فتح معبر أوفا كوي الحدودي القريب من تلعفر، حيث ستنتقل عبره البضائع إلى الموصل مباشر، وهو ما يعني فقدان معبر إبراهيم الخليل الذي يقع في محافظة دهوك ضمن إقليم كردستان، لأهميته كونه أحد أهم مصادر الدخل للإقليم.

دوافع التقارب التركي مع إقليم كردستان

يحتل إقليم كردستان العراق مكانة خاصة في السياسة الخارجية التركية في المنطقة، كونه يمتد على الحدود العراقية التركية، ولا تستطيع أنقرة نسيان أنه كان جزءًا منها قبل “معاهدة أنقرة” 1926 التي وقعها الاحتلال البريطاني مع تركيا لحسم قضية الحدود بين العراق وتركيا، وبموجبها خضعت ولاية الموصل –كانت تضم الموصل وإقليم كردستان- لسلطة الحكومة المركزية، مقابل أن تدفع الحكومة العراقية لتركيا 25% من عائدات نفط الموصل لمدة 25 عامًا، لتتوقف بعدها عن الدفع عقب ثورة 1958.

ورغم أن البلدين تعهدا بموجب الاتفاقية على أن الحدود نهائية ولا يمكن تغييرها وتجنب أي محاولة لتغييرها، إلا أن تركيا تعتبر كردستان جزءًا من مشروعها الإقليمي المزعوم لاستعادة الإمبراطورية العثمانية وتسعى لبسط هيمنتها الكاملة عليه، متخذة من الاقتصاد مدخل لتحقيق هذا الغرض. ويُمكن استعراض المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية لأنقرة في الإقليم على النحو التالي:

1. مواجهة حزب العمال الكردستاني “PKK“:

تحتل قضية مواجهة حزب العمال الكردستاني، الأولوية الأولى على أجندة السياسة الخارجية التركية في دول الجوار؛ سوريا والعراق وإيران، لمنع أي محاولة كردية للحصول على الاستقلال بما يشكل تهديدًا لأمن تركيا. وفي هذا الإطار، نفذت تركيا عمليات متعددة لمطاردة عناصر الحزب في العراق بدأت في وقت مبكر من العام 1988، وكان آخرها العملية “مخلب النسر” التي شنت فيها القوات التركية هجومًا جويًا وبريًا على أماكن تمركز عناصر الحزب في منطقة حفتنين الجبلية الحدودية. وبصفة عامة، تشمل العمليات التركية مناطق قنديل وسنجار وباطوفه ومخيم مخمور.

وتهدف تركيا في نهاية المطاف إلى إقامة منطقة عازلة ممتدة على الحدود مع العراق وسوريا بعمق 30 كيلومتر، وتدمير منظومات القيادة والسيطرة التابعة للحزب في مناطق سنجار وجبال قنديل، وتدمير المعسكرات والمقرات التابعة للحزب في مناطق دهوك وزاخو وغيرها، مع العمل على تغير التركيبية الديمغرافية للمنطقة لصالح العرب على حساب الأكراد، لإبعاد الخطر الكردي عنها.

وقد وجدت تركيا ضالتها لمحاربة عناصر حزب العمال الكردستاني في التحالف مع حكومة إقليم كردستان العراق نظرًا للآتي:

  • معارضتها للجماعات الكردية الأخرى في المنطقة، إلى الحد الذي بات يطلب فيه أكراد العراق محاربة حزب العمال الكردستاني.
  • تفهمها للمخاوف الأمنية لأنقرة من جراء إقامة دولة كردية على الحدود التركية وهو ما اتضح في قبول مسؤولين بارزين في حكومة الإقليم للعملية العسكرية “نبع السلام” التي نفذتها القوات التركية على الشمال السوري في أكتوبر 2019 بهدف إقامة منطقة آمنة على عمق 32 كيلومتر، وذلك على الرغم من أن الإقليم العراقي استقبل نحو 60 لاجئًا من الأكراد السوريين في وقت العملية، واندلعت تظاهرات في مواقع عديدة منه للتنديد بالقصف التركي ضد الأكراد وحُرق العلم التركي خلالها.

وقد كان لصعود حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب في سوريا كأحد تداعيات الأزمة السورية الممتدة منذ 2011، إلى تعقيد جهود الحكومة للموازنة بين العلاقات مع أنقرة ومراعاة المشاعر الكردية.

  • رغبة الحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم في تعزيز مركزة على حساب حزب الاتحاد الوطني الكردستاني المرتبط بحزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب الكردية ومجموعات تميل إلى حزب العمال الكردستاني في سوريا. ومؤخرًا برزت خلافات بين الحزب الديمقراطي وحزب الاتحاد تجلى في رفض الأخير حضور جلسة البرلمان المقررة للتصويت على انتخاب برزاني رئيسًا للإقليم في يونيو من العام الماضي، بعد رفض الديمقراطي تعيين محافظ من الاتحاد الوطني لمحافظة كركوك.

وتجدر الإشارة إلى أنه في وقت سابق، عمل الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني إلى جانب تركيا ضد حزب العمال الكردستاني، نطرًا لاختلاف التوجهات السياسية بينهم (حزب العمال ذا توجه ماركسي، أما الحزبان الديمقراطي والاتحاد ذا توجه ليبرالي ديمقراطي)، وقد هاجم جلال طالباني، الرئيس العراقي السابق ومؤسس حزب الاتحاد، حزب العمال متهمًا إياه بمحاولة إجهاض تجربتهم الديمقراطية وإفشال برلمانهم. وفي 2009، طلب طالباني من حزب العمال مغادرة كردستان العراق.

  • النظرة المشتركة لحزب العمال الكردستاني على أنه خصم، وتصاعد الخلافات بين الحزب وحكومة أربيل، ومنها اتهام الأخيرة للحزب بقتل نائب القنصل التركي، عثمان كوسيه، في يوليو 2019، للتأثير على العلاقات بين الإقليم وأنقرة، وهو ما رد عليه الحزب باتهام أربيل بالعمل ضده لصالح تركيا. وقد أفادت مصادر عراقية أن حكومة كردستان مدت أنقرة بمعلومات استخباراتية عن أماكن وجود عناصر حزب العمال في الإقليم، قبل أنّ تشن عملية مخلب النمر، في مقابل وعود تركية بمساعدات اقتصادية، وإعادة جدولة الديون المستحقة على الإقليم.
  • حرصها على آلا تفقد الدعم التركي، في ظل الرفض الدولي والإقليمي للمشروع الكردي العراقي، حيث إن رفض مواجهة تركيا أو إيران لسلطة الحكم الذاتي في العراق يعني فقدان ما تحقق من مكتسبات وصل إليها أكراد العراق.

ومع ذلك، تنظر سلطات كردستان بحذر إلى الجانب التركي، في ظل رغبته لدفع التركمان المتواجدين في محافظة كركوك الغنية بالنفط إلى السيطرة عليها، وهي المحافظة التي يسعى الإقليم لضمها بعد طرد قوات البشمركة منها عام 2017 عقب استفتاء الاستقلال، لذلك عملت على الانفتاح على الإدارة الكردية الذاتية في شمال سوريا لتكون ورقة ضغط تستخدمها ضد أنقرة.

2. تعزيز الوجود العسكري في المنطقة:

ترتبط هذه النقطة بسابقتها إلى حد كبير، فمنذ سقوط نظام الرئيس العراقي الأسبق، صدام حسين، وإقامة حزب العمال الكردستاني قواعد ومقرات ثابتة في جبال قنديل الواقعة على الحدود بين العراق وإيران وتركيا، عملت تركيا على تأسيس وجود دائم لها بشمال العراق بالاتفاق مع سلطات إقليم كردستان، حيث تؤكد الأخيرة أنها سمحت لأنقرة ببناء قواعد عسكرية بحسب اتفاقية بينها وبين الحكومة التركية نصت على أن تكون تحركات الجنود الأتراك بعلمها.

وحاليًا توجد 15 قاعدة عسكرية تركية في الشمال العراقي على طول الحدود بدءًا من معبر خابور وصولاً إلى منطقة صوران، في مناطق أربيل وبعشيقة وغيريلوك وكانيماسي وسيرسي وبامرني وقلعة جولان وصوران. بعضها يقع على عمق 30 كيلومترا من إقليم كردستان العراق. وتنوي تركيا زيادة عدد قواتها المتمركزة في هذه القواعد رغم رفض الحكومة العراقية، بدعوى تأمين مصالحها الاستراتيجية وعلى رأسها وقت التمدد الكردي في العراق وسوريا. ومن شأن هذا التواجد العسكري الضخم أن يعزز من النفوذ التركي في العراق ويمكنها من لعب دور استخباراتي يتجاوز حزب العمال الكردستاني.

ومن الجدير بالذكر أن القواعد العسكرية التركية في العراق تأتي ضمن سياسة تركية حديثة مفادها التوسع في بناء القواعد العسكرية بالخارج، كجزء من مخطط أكبر للتمدد في الشرق الأوسط وإفريقيا، من أجل تأمين مصالحها الاستراتيجية وضمان بسط نفوذها لعشرات السنوات اللاحقة. وفي هذا الإطار، تم بناء قاعدة عسكرية في قطر وأخرى في الصومال إلى جانب الوجود العسكري التركي في جمهورية قبرص الشمالية غير المعترف بها منذ 1974، فضلًا عن 11 نقطة مراقبة عسكرية في سوريا، ومحاولات مستترة لإقامة قاعدتين عسكريتين في ليبيا.

3. مصالح اقتصادية مشتركة:

ترتبط أنقرة وأربيل بشراكات اقتصادية مهمة بالنسبة لكليهما؛ إذ يأتي الاقتصاد على أولويات سياسة أنقرة الخارجية، في ظل أزمة اقتصادية حادة تشهدها تركيا تتمثل أبرز ملامحها في انخفاض قيمة الليرة مقابل الدولار الأمريكي وتراجع معدل النمو وارتفاع معدلات البطالة وانخفاض أسعار الفائدة، فضلًا عن رغبة تركية في تحسين الوضع الاقتصادي بالإقليم لتقليل النزعة الانفصالية لدى سكانه واقناعهم بالاستمرار في الحكم الذاتي ضمن شكل فيدرالي للحكم، كذلك تهدف تركيا لجعل الإقليم معتمدًا عليها في توفير مقومات الحياة الأساسية واستغلال ذلك لمنعه من انتهاج سياسة خارجية مستقله تدعم استقلاله، عبر فرض عقوبات. وفي المقابل، تسعى أربيل إلى تقوية علاقاتها الاقتصادية وهي في ذلك تعتمد على تركيا في صادراتها النفطية وتجارتها واستثمارها، لتعزيز موقفها في مواجهة الحكومة العراقية والتهديدات الإقليمية المختلفة، حيث سيحرص الفواعل الحكوميين وغير الحكوميين على عدم التعرض للمصالح تركيا.

ولعل الموقف المتشدد الذي اتخذته الحكومة العراقية السابقة برئاسة، عادل عبد المهدي، يفسر لنا سعي حكومة كردستان إلى تقوية علاقاتها الاقتصادية مع الخارج، حيث رفضت حكومة عبد المهدي تسليمها حصتها المالية من الموازنة الاتحادية، بسبب عدم التزامها بتسليم عوائد النفط التي تبيعها خارج نطاق شركة سومو المختصة بتسويق النفط، وكان ذلك بالتزامن مع أزمة جائحة كورونا، ما تسبب في أزمة اقتصادية بالإقليم.

وتتضح حجم المصالح الاقتصادية بين الجانبين، في بلوغ حجم التبادل التجاري بينهما أكثر من 10 مليارات دولار سنويا، وهو يمثل نصف حجم التجارة الكلية مع العراق، إذ تُعد تركيا ثالث أكبر شريك تجاري لأربيل منذ عام 2003. ويعتبر الإقليم سوقًا للبضائع التركية المستوردة أو المصنعة محليًا، ونقطة جذب للأتراك الذين يرغبون في الاستثمار أو إنشاء شركات جديدة، حيث دائمًا ما تفوز الشركات التركية بكبرى المناقصات الاقتصادية في الإقليم خاصة في قطاعات المقاولات والعمران وإقامة مشاريع البنية التحتية كالطرق والمطارات والمنشآت السياحية والعقارية، وقد بلغت عدد الشركات التركية في شمال العراق 1800شركة، منها شركة جنكيز التركية العملاقة التي شاركت في مشروع بناء مطار أربيل الدولي إلى جانب شركة ماك يول للإنشاءات والصناعة والسياحة والتجارة، وشركات “أيه جي إي” و”إي إن كيه أيه” اللاتي شاركتا في مشاريع كبرى بما في ذلك المطارات والمصافي والطرق والمباني الإدارية والحرم الجامعي. كما أن نحو 90% من المواد الغذائية في الإقليم تأتي من تركيا.

ولعل الرابط الأهم في العلاقات الاقتصادية بين أنقرة وأربيل، هو خطوط نقل الطاقة، التي تمتد من مناطق الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك عبر ميناء جيهان التركي. وينتج الإقليم حاليًا نحو 450 ألف برميل يوميًا، ضمن اتفاق “أوبك+” لتقليل الإنتاج، يذهب 250 ألف برميل منهم إلى شركة سومو الحكومية، والباقي يتم تصديره عبر ميناء جيهان التركي إلى أوروبا.

ختاما،

إن النظرة التركية لإقليم كردستان العراق، تأتي ضمن نظرة أوسع لمنع إقامة أي كيان كردي على الحدود مع سوريا أو العراق أو إيران، وهي في ذلك تسعى إلى تطويق الإقليم وضمان خضوعه لسيطرتها واعتماده عليها بشكل كامل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى