سياسة

“شراكة الأفراد ” سلاح الدولة للإصلاح ومواجهة السلبيات

برزت مؤخرا في المجتمع المصري ظواهر اجتماعية غريبة  عليه مثل ” التنمر والتحرش “ورغم الاختلافات الكبيرة بين هذه السلوكيات، فهي تعد أمراضا اجتماعية، تحتاج للدراسة لفهم دوافع ظهور مثل هذه السلوكيات ووضع أطر للتعامل معها للحد منها.

يُنظر إلى السلوك الاجتماعي المرضي على أنه سلوك هدّام وسلبي وغير سوي يؤدّي إلى الإضرار بأفراد المجتمع ويهدّد أمنهم واستقرارهم وقدرتهم على ممارسة حياتهم بالشكل السليم، فأصحاب الأمراض الاجتماعيّة بكافة أشكالها يُعدّون مصدر تهديدٍ لغيرهم من الأفراد الأسوياء.

 ومن أبرز الأمثلة على الأمراض الاجتماعية ما يأتي:

أولًا: التنمر

التنمر“Bullying”, هو ظاهرة عدوانية وغير مرغوب بها تنطوي على ممارسة العنف البدني أو اللفظي من قِبل فرد أو مجموعة أفراد، حيث يستعرض فيه المعتدي قوته ضد الضحية، مستغلًا ضعفها الجسدي أو الاجتماعي أو الأسوياء.

كان أبرز حالات التنمر وأحدثها هي تعرض الطالب “لويس أجوك” إلى الاعتداء البدني والإهانة بسبب بشرته السمراء من قِبل بعض المراهقين. حادثة لويس أجوك ليست الأولى من نوعها ولن تكون الأخيرة فقد خلصت دراسة أجراها المجلس القومي للأمومة والطفولة بالاشتراك مع يونيسيف مصر لعام 2018 بعنوان ” العنف ضد الاطفال” أن79% من الأطفال في مصر يتعرضون للتنمر، 70% من تلك الحالات تحدث داخل المدرسة، ويتعرض لها 70% من الذكور مقابل 30% من الإناث، وأن الأطفال في الفئة العمرية من 10 الي 15 عام هم الاكثر تعرضًا لحالات التنمر.

لم تقتصر ظاهرة التنمر على الأطفال فقط، بل طالت البالغين وكل من اختلف مع المتنمر لأنه يستهدف جزءًا جوهريًا من هوية الضحية كاللغة أو الشكل أو اللون، ولم تنته الظاهرة أيضًا في الشوارع والأماكن العامة ولكن انتشر أيضًا ما يعرف بالتنمر الإلكتروني الذي يتمثل في المضايقات اللفظية والكلامية، والتحرش اللفظي أو النفسي والتهديد.

وفي سبيل الحد من هذا السلوك المعتل، وافق مجلس الوزراء يوم 15 يوليو 2020، على مشروع قانون بتعديل بعض أحكام قانون العقوبات، بإضافة مادة جديدة لقانون العقوبات، برقم “309 مكررا ب “، والتي أوردت لأول مرة تعريفًا للتنمر.

ونصت المادة الجديدة على أنه يعد تنمرًا “كل استعراض قوة أو سيطرة للجاني، أو استغلال ضعف للمجني عليه، أو لحالة يعتقد الجاني أنها تسئ للمجني عليه، كالجنس أو العرق أو الدين أو الأوصاف البدنية، أو الحالة الصحية أو العقلية أو المستوى الاجتماعي، بقصد تخويفه أو وضعه موضع السخرية، أو الحط من شأنه أو إقصائه عن محيطه الاجتماعي“.

وأقر مشروع القانون عقاب المتنمر بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر، وبغرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه، ولا تزيد على 30 ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

ثانيًا: التحرش 

التحرش هو فعل ذا طابع جنسي، ينتهك جسد أو خصوصية أو مشاعر شخص ما، ويجعله يشعر بعدم الارتياح، أو التهديد، وعدم الأمان، والترهيب. 

و رصد الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، مجموعة من أهم المؤشرات الإحصائية في بيان له بمناسبة اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة لعام 2019، أعلن فيه عن تعرض ما يقرب من  2.5 مليون سيدة للتحرش في السنة السابقة للبيان كما أشار الي أن 1.5% من النساء تعرضن لعنف بدنى وجنسي على يد أحد أفراد العائلة والبيئة المحيطة منذ بلوغهن 18 عام، كما بلغت نسبة النساء اللاتي تعرضن لأي شكل من أشكال التحرش في المواصلات العامة حوالي 6,6%، بينما بلغت نسبة النساء اللاتي تعرضن للتحرش في الأماكن العامة ما يقرب من 9.6%. بالإضافة الي 1.3 % في المؤسسات التعليمية و3.7 % في أماكن العمل.

كما تشير دراسة “العنف ضد الاطفال“، إلى أن 97% من الأطفال في الفئة العمرية ما بين 13-17 عام يتعرضون للمضايقات الجنسية بأشكال مختلفة من قِبل البالغين سواء الغرباء أو حتى من أفراد اسرتهم.  

لا تعكس الأرقام سوى جزءً هين  من الواقع، وذلك لعزوف أغلب الضحايا عن الإبلاغ عن مثل تلك الوقائع، حتى لا يتعرضن للوصم المجتمعي أو جلب العار لأسرهن. ومع هذا فإن السنوات الأخيرة قد شهدت تحلي الضحايا بالشجاعة، واتجاه شرائح من المجتمع لتقديم الدعم لهم، وهو ما ظهر في واقعة الشاب “أحمد بسام”، الذي تحرش بعشرات الفتيات اللاتي قمن بإنشاء صفحة “assault police” على تطبيق التواصل الاجتماعي “إنستجرام” للبوح بما فعل بهم الجاني، مما دعي المجلس القومي للمرأة إلى تقديم بلاغ للنائب العام وتم ضبط الجاني وإحضاره.

وقد أسفر الوعي المجتمعي المتزايد بأهمية محاصرة هذه الظاهرة عن موافقة مجلس الوزراء المصري، الأربعاء 8 يوليو 2020، على مشروع قانون يقضي بحماية سمعة المجني عليهم في جرائم هتك العرض والتحرش، عبر عدم الكشف عن هويتهم.

وجاء في نص المشروع “أن يكون لقاضي التحقيق لظرف يُقدره، عدم إثبات بيانات المجني عليه في أي من الجرائم المنصوص عليها في الباب الرابع من الكتاب الثالث من قانون العقوبات، أو في المادتين 306 مكررا أو 306 مكررا ب، من ذات القانون، أو في المادة 96 من قانون الطفل الصادر بالقانون رقم 12 لسنة 1996، وينشأ في الحالة المشار إليها، ملف فرعي يضمن سرية بيانات المجني عليه كاملة، يعرض على المحكمة والمتهم والدفاع كلما طُلب ذلك”.

ويهدف هذا التعديل إلى حماية سمعة المجني عليهم من خلال عدم الكشف عن شخصيتهم في الجرائم التي تتصل بهتك العرض، وفساد الخلق، والتعرض للغير، والتحرش، الواردة في قانون العقوبات وقانون الطفل، خشية إحجام المجني عليهم عن الإبلاغ عن تلك الجرائم.

ويأتي هذا القانون ليتكامل مع تعديلات هامة كان قد تم إدخالها في عام2014 على قانون العقوبات، وتضمنت تشديد عقوبة التحرش الجنسي، والذي تم النص عليه بهذا اللفظ لأول مرة، لتتراوح العقوبات بالحبس مدة تبدأ من 6 أشهر وتصل الى 5 سنوات وغرامة تصل إلى 50،000 جنيه مصري.

ثالثًا: التحريض على الفسوق

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي في الوقت الراهن قوة رئيسية، حيث لعبت دورًا فعالًا في حياة المجتمع من خلال مخاطبة مستخدميه وتوجيه سلوكهم، فساهمت في التأثير على منظومة القيم والأخلاق من خلال تشكيل المواقف وأراء المجتمع تجاه القضايا المختلفة.

ونظرًا للدور الحيوي الذي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي في حياة الأشخاص، ومع تنامي اعتماد الأفراد عليها تعددت أنواعها وكان أحدثها وأشهرها “تطبيق تيك توك” الذي ظهر مؤخرًا، واحتل مساحة واضحة بعد نجاحه في جذب واستقطاب الفئات العمرية ما بين المراهقين والشباب.

12 Truly Fascinating TikTok Statistics 2020

شكل توضيحي يعرض الفئات العمرية المستخدمة لتطبيق تيك توك

ومع ظهور تلك المنصة ازداد الحديث عن التحرش والقضايا الأخلاقية التي كان التطبيق سبب من أسباب انتشارها, حيث قام عدد من مستخدميه بنشر الكثير من مقاطع الفيديو يقومون فيها بالتحريض على الكثير من السلوكيات اللاأخلاقية تحت غطاء “حرية ابداء الرأي والتعبير” في عالم بعيد عن القيود المجتمعية مع غياب الرقابة الاسرية أو لغرض اخر وهو التسلية والترفيه لمجرد الحصول علي القبول المجتمعي واجتذاب اكبر قدر من المتابعين لتعزيز ثقتهم بأنفسهم والحصول علي الشهرة وتحصيل بعض المكاسب المادية في حال انتشار تلك المقاطع دون النظر إلى أخلاقية الأسلوب أو مناسبته للعادات والتقاليد.   

ما أثار حفيظة الكثيرين على الجانب الأخر وجعلهم يحذرون من التعامل مع التطبيق وسن القوانين لمواجهته من خلال رفع العديد من الدعاوى القضائية التي تطالب بوقفه لما فيه من محتوي يؤثر على عقول النشء والذي يمثل تهديدًا مباشرًا للقيم الاجتماعية والسلم والاستقرار الاجتماعي ومكمنًا للإطاحة بالعادات والتقاليد بجانب الترويج للعنف والبلطجة بين الشباب والمراهقين خاصة بعد انتشار الكثير من المقاطع التي تنشر ثقافة العرى، والتحرر من القيم والتحريض على خرق الآداب العامة.

بناء عليه، طالب قانونيون بتغليظ العقوبات في المادة ١٧٨ من قانون العقوبات حيث نص بأن “يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين وغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه كل من نشر مقاطع تصويرية على مواقع التواصل الاجتماعي إذا كانت خادشه للحياء” والمادة 1 من قانون مكافحة الدعارة رقم 10 لسنة 1961، “كل من حرض شخصًا ذكرًا كان أو أنثى على ارتكاب الفجور أو الدعارة أو ساعده على ذلك أو سهله له، وكذلك كل من استخدمه أو استدرجه أو أغواه بقصد ارتكاب الفجور أو الدعارة يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات وبغرامة من مائة جنية إلى ثلاثمائة جنية”

هذا اللغط المجتمعي حول التطبيق الإلكتروني تيك توك يجعلنا نطرح العديد من الاسئلة حول مفهوم الأخلاق والقيم واختلافها معطياتها ومعايير قياسها والالتزام بها بين الجيل الناشئ والأجيال الأخرى، وكيفية اقتحام هذ العالم الافتراضي ومحاولة تحليل وفهم توجهات مستخدميه لتقليل الفجوة بين الجانبين. 

 ختامًا، وفي ظل التغيرات المتلاحقة التي يشهدها المجتمع المصري، ورغم جهود الدولة في إرساء منظومة القيم الأخلاقية سواء بتغليظ القوانين أو تدشين الحملات التوعوية من خلال مؤسساتها المختلفة إلا أن الإصلاح يجب أن يكون بالشراكة بين الأفراد مع كل قطاعات الدولة بالإضافة إلى منظمات المجتمع المدني، حتى تكون الدولة أكثر قُـدرة على قيادة الإصلاح ومواجهة السلبيات وإرساء السلوكيات الاجتماعية الإيجابية في المجتمع المصري. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى