الانتخابات الأمريكية

هل يعزز ظهور “ميلانيا” المكثف من فرص فوز “ترامب” في الانتخابات القادمة؟

في أعقاب إعلان المرشح الديمقراطي “جو بايدن” اختيار السيناتور “كامالا هاريس” كنائبة له خلال الانتخابات المزمع عقدها في نوفمبر القادم، تعالت التكهنات بشأن اتجاه الرئيس “دونالد ترامب” لسلك المسلك ذاته عبر اختيار سيدة في منصب نائب الرئيس. إلا أن “ترامب” فضل بقاء نائبه “مايك بنس” لخوض معركة الرئاسة معه مجددًا. إلا أنه في المقابل، اتجهت بعض التحليلات إلى قيام حملة “ترامب” باستغلال كارت موازي عبر الظهور المكثف لـــ“ميلانيا” زوجة “ترامب”. وفي أجواء كهذه يُثار التساؤل بشأن الدور الذي قد تقوم به “ميلانيا” لتعزيز فرص فوز زوجها في السباق الرئاسي الحالي.

خطاب إيجابي:

تحدثت “ميلانيا” في الليلة الثانية من مؤتمر الحزب الجمهوري، في خطاب خيمت عليه الأجواء الدافئة والأبعاد الإنسانية. يبدو أن “ميلانيا” تعلمت من دروس الماضي، وعملت على قطع الطريق أمام محاولات إثارة الجدل بشأن خطابها مثلما حدث مع الخطاب الذي ألقته في السباق الرئاسي 2016 بعدما تم الكشف عن كونه مماثل – إلى حد ما – لخطاب “ميشيل أوباما” الذي ألقته في المؤتمر الديمقراطي في عام 2008. 

وفي السياق ذاته، تركز بعض التحليلات على قدرة هذا الخطاب على امتصاص الآثار السلبية لخطابات “ترامب” المثيرة للجدل. ومن بين الملامح البارزة لخطاب “ميلانيا” أمرين، تجنب تقديم تقييم عملي لفترة “ترامب الأولى” على شاكلة ما قدمه “ترامب” في خطاب “حالة الاتحاد”، بجانب الحديث عن تجربتها الشخصية، ومحاولة تأويلها وتوظيفها سياسيًا. إذ ذكرت “نشأت كطفلة صغيرة في سلوفينيا، التي كانت تحت الحكم الشيوعي في ذلك الوقت، وسمعت دائمًا عن مكان رائع يسمى أمريكا – أرض الحرية والفرص”.

تضمن هذا الخطاب إيماءة بليغة ورحيمة، ولهجة شديدة التعاطف تجاه ضحايا جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، مع التأكيد على تضحيات رجال الخطوط الأمامية في هذا الوقت العصيب، وناقشت الجهود المشتركة للأمريكيين. مشيرة إلى أن الرئيس “ترامب” سيستمر في النضال لمواجهة هذا الوباء قائلة “لن تتوقف إدارة زوجي عن القتال حتى يتوفر علاج أو لقاح فعال للجميع. ولن يهدأ “دونالد” حتى يفعل كل ما في وسعه لرعاية كل من تأثر بهذا الوباء الرهيب”.

وعلى الرغم من النبرة التي تبدو معادية للمرأة التي يتبناها “ترامب”. لفتت “ميلانيا” إلى الذكرى المئوية للتصديق على التعديل “التاسع عشر”، الذي منح المرأة حق التصويت. فقد عملت على استغلال هذه الذكرى في صالح حملة زوجها قائلة “فكرت في تأثير أصوات النساء في قصة أمتنا، وكم سأشعر بالفخر للإدلاء بصوتي مرة أخرى لــــ”دونالد” في نوفمبر”. وذكرت أيضًا أن ” إدارة “ترامب” تضم عددًا غير مسبوق من النساء في مناصب قيادية”.

ونظرًا لأن الانخراط في الحروب الخارجية هو أكثر ما يؤرق الشارع الأمريكي، أعربت “ميلانيا” عن تقديرها للجهود والتضحيات التي يقدمها جنود الوطن. قائلة “شكرًا لجميع الذين يخدمون بلادنا في الجيش”. كما ركزت على مشكلة الإدمان، وقد يرجع هذا التركيز لسببين، الأول: لبلورة جهودها في مواجهة هذا التهديد عبر حملة “Be Best”، الثاني: لصرف النظر عن المشكلات التي تسببت إدارة “ترامب” في استفحالها. إذ قالت “علينا أن نتذكر أن حالات الانتحار آخذة في الازدياد، لأن الأشخاص الذين يعانون من الوحدة والإدمان يشعرون أنه ليس لديهم مكان يلجؤون إليه”.

ومن الملفت للنظر – وفي رسائل غير مألوفة بشكل كبير – تم التركيز على دور الأسرة في حياتها الخاصة وبشكل عام في المجتمع الأمريكي، مشيدة بالدور المهم الذي يقوم به الوالدين، بجانب التوجه للأمهات على وجه الخصوص فيما يتعلق بكيفية توعية أبنائهم. باعثة برسالة طمأنة للأسر، قائلة “لديك رئيس لن يتوقف عن القتال من أجلك أنت وعائلتك”.

ولم يخلُ الخطاب من الإشارة إلى الاحتجاجات المتجددة عبر رسالة مناهضة للعنصرية بنبرة مقاربة للنبرة الديمقراطية، مشيرة إلى ما اعتبرته دورًا مؤثرًا لإدارة زوجها في رأب الصدع العرقي. إذ شددت على “إننا جميعًا اليوم مجتمع واحد يتألف من العديد من الأعراق والأديان. عملت إدارة زوجي على محاولة إحداث التغيير فيما يتعلق بالقضايا المتعلقة بالعرق والدين في هذا البلد”. لافتة إلى أن “ترامب” قد قام “باستثمارات كبيرة في كليات وجامعات السود”.

ولأن الشخصنة والنيل من الخصم هما السمتين الرئيسيتين للمشهد الانتخابي، نأت “ميلانيا” بنفسها عن السير في ذات المسلك، مؤكدة على رغبتها في عدم الخوض والنيل من الطرف الآخر. إذ ذكرت “لا أريد أن أستغل هذا الوقت الثمين في مهاجمة الجانب الآخر لأن هذا النمط من الحديث لا يؤدي إلا إلى مزيد من تقسيم البلاد”.

إعادة توجيه الدفة:

في أعقاب اختيار “بايدن” لــــــــ”هاريس” كنائب له، اتجهت بعض التحليلات إلى اعتبار أن “هاريس” باتت رقم مهم في معادلة فوز “بايدن”، ويرجع ذلك إلى كونها امرأة ملونة لأب من جامايكا وأم هندية، تتمتع بشخصية مفعمة بالحماس والحيوية، تستطيع أن تطلق خطابًا يصل لقطاعات مختلفة من الشارع الأمريكي. 

وارتباطًا بذلك، وعلى الرغم من محدودية الدور المنوط بزوجة الرئيس، إلا أنه بدا بإمكان “ميلانيا” أن تلعب دورًا مؤثرًا في السباق الرئاسي الذي يجري حاليًا. وقد يتم ذلك عبر تكثيف ظهورها وإطلاق الخطب التي تحمل رسائل إيجابية تستوعب الرسائل السلبية التي يطلقها “ترامب” بين الحين والآخر، والتي تحمل نبرة عنصرية وموقف معادي للهجرة ورفض واضح للآخر. 

ذكر الصحفي “هنري زيفمان” أن “الحزب الجمهوري سيستخدم “ميلانيا” بشكل استراتيجي في الانتخابات الرئاسية على أمل أن تصل إلى الناخبين الذين لن يتمكن “ترامب” من الوصول إليهم”. وقد يرجع ذلك لعدد من الأسباب، أبرزها: 

  • أمريكية مجنسة: “ميلانيا” لم تحصل على الجنسية الأمريكية بالميلاد، وإنما هاجرت إلى الولايات المتحدة عندما كان عمرها 26 عامًا، وبعد 10 أعوام أصبحت مواطنة أمريكية عام 2006. لذا، فهي ثاني سيدة أولى أمريكية مولودة في الخارج بعد “لويزا آدامز” – التي ولدت في لندن – زوجة الرئيس “جون كوينسي آدامز”، وأول مواطنة أمريكية متجنسة تصل لهذا المنصب. وبالتالي فإن تكثيف ظهور “ميلانيا” يعني بشكل مباشر دحض الخطاب الديمقراطي القائم على النيل من “ترامب” بسبب خطابه المناهض للمهاجرين، ويعني أيضًا تمزيق كارت المهاجرين الذين يستخدمه الحزب الديمقراطي لضمان أصوات المهتمين بهذه القضية أو المنتمين إليها. 
  • لديها قصة ملهمة: لدى “ميلانيا” قصة ملهمة كونها ولدت في يوغوسلافيا تحت الحكم الشيوعي ثم عاشت مغامرة الهروب من الاستبداد في محاولة للوصول إلى الحريات والفرص التي توفرها الولايات المتحدة. وهي مغامرة لم يقم بها أغلب الأمريكيين الحاليين، وإنما قام بها بعض أباءهم وأجدادهم، الأمر الذي قد يجعل قصتها مصدر إلهام للأمريكيين لا سيما النساء. لذا، فإن حديث “ميلانيا” عن قيم الحرية والعمل والنجاح يحمل في طياته رسائل إنسانية وخبرات حياتية بطريقة تجعله أكثر مصداقية. 
  • مرأة من أسرة عاملة: لا تنتمي “ميلانيا” إلى أسرة غنية، وإنما إلى أسرة عاملة، الأمر الذي دفعها إلى دخول سوق العمل مبكرًا في عروض الأزياء والإعلانات التجارية. إذ نشأت في بيئة متواضعة، والدها “Viktor Knavs” تاجر سيارات ورجل أعمال، ووالدتها “Amalija” مصممة أزياء للأطفال تعمل في مصنع بمقاطعة “سيفنيتسا”. الأمر الذي يعني أن خطاب “ميلانيا” المشيد بدور المرأة سيجد آذان صاغية لاسيما وأنها عاشت حياة شبيهة بأغلب الأمريكيين الذين ينتمون لأسر عاملة. بعبارة أوضح، خطاب “ميلانيا” لن يحمل حالة من الانفصام بينها وبين ما يشعر به الشارع الأمريكي.
  • سجلها في العمل الاجتماعي: تمثل حملة “كن الأفضل Be Best” المثال الأكثر وضوحًا لعملها الاجتماعي داخل وخارج الولايات المتحدة لمواجهة إدمان المواد المخدرة وتعزيز رعاية الأطفال ومكافحة التنمر والعنف عبر الإنترنت. تقوم الحملة على العديد من البرامج التي تزود الأطفال بالأدوات والمهارات اللازمة للصحة النفسية والاجتماعية والبدنية. وحين سألها “توم لاماس” في حوار أجرته معها ABC News، “ماذا دفعك بشكل شخصي لتبني هذه القضية”؟ أجابت “بوسعي القول إنني الأنسان الأكثر تعرضًا للمضايقات في العالم”. الأمر الذي قد يبلور صورة واضحة على قدرتها على توظيف الأمور لصالحها، وكذا قدرتها على رسم سردية لكسب التعاطف.

إجمالاً، يمكن القول بشكل عام أن هناك فرص حقيقية قد تدفع “ترامب” وحملته لوضع “ميلانيا” في الصدارة من أجل التغطية على الرسائل السلبية التي يطلقها “ترامب” بين الحين والآخر. إلا أنه في المقابل ليست هناك ثمة دلائل مؤكدة على اتجاه الحزب الجمهوري لسلك هذا المسلك. كما أن “ميلانيا” قد تفضل مجددًا إبعاد نفسها عن المعارك السياسية، إذ قالت في أحد المقابلات خلال عام 2016: “اخترت ألا أدخل مجال السياسية. السياسة هي عمل زوجي”. إضافة إلى أن هذه القدر من الإيجابية الذي يحمله تصدر “ميلانيا” للمشهد لا يخلو من السلبيات أيضًا، ومن الدلائل على ذلك، في عام 2018 تسببت “ميلانيا” بضجة كبيرة حولها عندنا ارتدت معطفًا مكتوب عليه “أنا حقًا غير مهتمة. هل أنت مهتم؟” أثناء زيارة مركز لعزل الأطفال المهاجرين. فضلًا عن الجدل المثار بشأن نشر صور لها غير لائقة لها سواء ما نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” أثناء حملة “ترامب” خلال عام 2016، أو الهجوم الذي شنته الفنانة الأمريكية “كاردي بي” على “ميلانيا” من خلال نشر صور خارجة لها في أواخر أغسطس الماضي. وكذا الكتاب المزمع صدوره مؤخرًا بعنوان “ميلانيا وأنا” الذي كتبته مستشارتها المقربة “ستيفاني وينستون وولكوف”، والذي تفيد أغلب الأنباء بمحتواه السلبي الذي قد يضر بسمعة السيدة الأولى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى