مقالات رأي

محمد أبو الفضل يكتب : شبكة أمان لمصر وباكستان

لدى مصر إمكانيات كبيرة تدفعها نحو الحركة خارج الأطر التقليدية في العلاقات الإقليمية والدولية، بعد أن قطعت شوطا مهما في امتلاك الكثير من مقومات القوة الشاملة التي جعلتها رقما رئيسيا في كثير من التوازنات الحالية، وحققت نجاحا لافتا على مستوى المشروعات التنموية والبنية التحتية، وأصبحت بلدا جاذبا. وهو ما يمنحها مساحة كبيرة لاستعادة العافية في أماكن متعددة.
تأتي باكستان في مقدمة الدول المهمة لمصر وتربطها بها وشائج قوية، حيث افتتحت أول سفارة لها في منطقة الشرق الأوسط بالقاهرة عقب استقلالها، أي منذ 72 عاما، وهناك عوامل تشجع على تصحيح المسار العام، ويحاول سفيرنا النشط في اسلام آباد، طارق دحروج، ضخ الدماء في العروق، مستفيدا من الميراث التاريخي الكبير بين البلدين، والعضوية التي تربطهما في كثير من المنظمات والتكتلات والتجمعات الإقليمية، لأن النتيجة الراهنة للتعاون لا تتناسب مع التطلعات والأمنيات المشتركة.
باكستان دولة ليست عادية لمصر، فهي في موقع إستراتيجي متميز، وتملك من المقومات العسكرية ما يجعلها رمانة ميزان في الفضاء الجغرافي الواسع، ولديها كما مصر، وفرة في العنصر البشري، ما يعني أن هناك سوقاً جيدا للمنتجات، وتحوي تجربتها الثرية في مجال التنمية محاور مختلفة للاستثمار، وتبادل الخبرات الناجحة في مجال البنية التحتية.
تملك باكستان بنية علمية متقدمة بكل ما تنطوي عليه من سخاء في المستقبل، ناهيك عن الوشائج المعنوية التي وفرها الأزهر ووجوده الناعم هناك كممثل للإسلام الوسطي، وتقدير إسلام آباد لدوره، حيث يمكن أن يلعب دورا في التعليم الديني، والبناء عليه لتحويله إلى حضور واسع يسهم في تمتين العلاقات، وتقريب المسافات.
تبدو الحصيلة النهائية حتى الآن بعيدة عن المكونات العملية دون مبرر منطقي، فكل دولة تحتفظ حيال الأخرى بحرارة يشوبها قدر من البرود غير المفهوم، مع أن الكيمياء السياسية بين الرئيس عبدالفتاح السيسي ونظيره الباكستاني عمران خان مرتفعة، بما يساعد على التفاهم والتلاقي في كثير من القضايا الخلافية المكتومة، إن وجدت، وتجاوز بعض الحساسيات الإقليمية، التي تحتاج قدر كبير من الصراحة والوضوح، وبدأت التجليات تتوالى في بعض المجالات.
يكفي أن البلدين يخوضان حربا واحدة ضد الإرهاب، ونجحت مصر، كما نجحت باكستان، في السيطرة على الإرهاب، وقطع كلاهما شوطا نحو الآخر للتعاون والتنسيق، حيث الروابط بين العناصر المتطرفة متشعبة، وكل نجاح تحققه إسلام آباد تكون له مردودات مختلفة هنا في القاهرة وغيرها، لأن التنظيمات الإرهابية تتبنى نسقا فكريا متشابها إلى حد كبير، وطريقة التعامل معها أمنيا تكاد تكون متطابقة، مهما اختلفت البيئة أو تباينت الحاضنة المحلية.
تتهيأ المنطقة المجاورة، أفغانستان تحديدا، لتغيرات في المشهد السياسي، فمعركة عض الصابع الجارية بين حركة طالبان وتنظيم القاعدة ستكون لها انعكاسات على باكستان، التي تتحسب من ظهور قوى متشددة جديدة تمثل تهديدا لأمنها القومي، وسط تشابكات اجتماعية معقدة، وحراك يقوم به البعض لربط مصير باكستان بأفغانستان، الأمر الذي وضعها في حالة استنفار على الدوام.
تتحسب إسلام آباد أكثر من تسلل بعض الدول المعروفة بعلاقاتها مع الجماعات المتطرفة، حيث تحاول تعظيم مكاسبها بهذه الورقة، التي أصبحت جزءا أساسيا في منظومة علاقاتها الخارجية، وغير مستبعد أن تعيد إنتاج طبعة منها في باكستان، ما يفرض عليها التريث والحذر، لأن الفخاخ التي يمكن تنصب سرا كثيرة، بعد أن برعت هذه الدول عالميا في توظيف المتطرفين.
قد تتظاهر بوقوفها في خندق واحد مع إسلام آباد من منطلق الدين، بينما تصوراتها وممارساتها تتجه بعيدا عنها، ولا تقتصر هذه المسألة عند حدود العلاقة المعروفة مع الحركات المتشددة التي ترفع لواء الخلافة الإسلامية، بل تتخطاها إلى إزدواجيتها في موقفها من قضية كشمير.
ففي الوقت الذي تحاول هذه الدول التقرب من باكستان ومناصرة قضاياها الإقليمية ورفع مستوى التعاون السياسي والتبادل التجاري، تمضي علاقاتها الاقتصادية بوتيرة متسارعة مع الهند، ما يثير الشكوك حول حقيقة نواياها.
تتحلى مصر بالوضوح في علاقاتها مع باكستان أو غيرها، وهذه واحدة من المزايا التي يجب أن تثق فيها إسلام آباد، كما أن القاهرة تعيد ترتيب الكثير من طموحاتها في إطار الاعتزاز باستقلالية قرارها، وعدم ارتهانه بمواقف وحسابات أي من القوى الإقليمية والدولية، وتعد إسلام آباد واحدة من المحطات المركزية التي من المفيد أن تكون قريبة من القاهرة، حيث يعاد تشكيل الكثير من الخرائط في العالم، والدولة التي تخفق في استثمار علاقاتها لن يكون لها مكان تحت الشمس.
تمتلك إسلام آباد طموحات مماثلة، ويمكن أن تصبح القاهرة أيضا مرتكزا لتحقيقها دون أن يخلّ ذلك بتوازناتها مع أي من القوى الحليفة، ففي عالم اليوم كل دولة تقيم معادلاتها بعيدا عن الصدام، وعدم تحمل تكاليف باهظة نتيجة القبول بعلاقات متوازية، ومن السهل التوافق في ملفات والتباعد في أخرى، وتعظيم المكاسب في الأولى وتقليل الخسائر في الثانية.
وهذه من التوجهات الصاعدة على المستوى الدولي حاليا، وترفع جانبا من الحرج الذي يعتري الدول المترددة في تنويع علاقاتها، مثل باكستان.
في هذا السياق، حققت مصر الكثير من المواءمات، واحتفظت لنفسها بمساحة خاصة مع دول في الشرق والغرب، وعبرت أزمات وتخطت مشكلات، وأقامت توازنا دقيقا بين مصالحها الحيوية وعلاقاتها الإقليمية والدولية.
ولدى باكستان مرونة ورشادة تمكنها أيضا من تطبيق هذه السياسة، ما يجعل الأفق واعدا مع مصر، لأن الفترة المقبلة مرجح أن تشهد تحولات على مستويات عدة، تتوقف فيها مكاسب وخسائر الدول على حجم شبكات الأمان الداخلية والخارجية.

نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى