ليبيا

انتحاري طرابلس.. هل يعود الإرهاب إلى واجهة المشهد الليبي؟

استيقظت العاصمة الليبية “طرابلس” في الساعات الأولى من صباح يوم الثلاثاء 1سبتمبر2020، على دويِّ انفجار كبير هز منطقة جنزور غرب المدينة. وتعددت التفسيرات الأولية لهذا الحادث، إلا أن تقارير ومصادر ميدانية رجحت أن الانفجار نتج عن عملية إرهابية، وأكدت تصريحات بعض المصادر الأمنية وشهود العيان أن الانفجار وقع بعد تفجير انتحاري نفسه على دراجة نارية، قبيل اقتراب إحدى الدوريات الأمنية -التي تزامن مرورها- قُرب موقع تحركه. ويثير هذا الحادث عدة تساؤلات حول طبيعة هذا الهجوم وسياقاته، والأهداف المحتمل أن تكون موجهة ضدها، بالإضافة إلى دلالات وجُملة الرسائل المستهدفة من القيام به، وصولًا إلى محاولة الإجابة عن تساؤل مفاده من يقف خلف الحادث؟

طبيعة الهجوم وسياقاته

تطابقت الإفادات حول أن الحادث الإرهابي وقع في توقيت مبكر من الصباح، في حدود الساعة السابعة إلى السابعة والنصف، قرب جزيرة الغيران بالمدخل الشرقي لمنطقة جنزور غرب العاصمة طرابلس. وأفادت تقارير لاحقة بأن الحادث كان ناجمًا عن تفجير أحد العناصر الإرهابية -كان مستقلًا لدراجة نارية- نفسه باستخدام حزام ناسف أو عبوة ناسفة، قادمًا من جهة الشرق باتجاه الغرب، ولم يسفر الهجوم عن أضرار بشرية أو مادية، إلا أن بعض المتابعات أوضحت وجود إصابتين بسيطتين لأفراد تصادف مرورهم قُرب موقع التفجير. وأوضح شهود عيان أن العنصر الانتحاري فجر نفسه قُرب موقع تحرك إحدى الدوريات الأمنية، إلا أنه نفذ التفجير قبل وصول الدورية.

C:\Users\user\Desktop\Capture.jpg

وتُعد منطقة جنزور المدخل الغربي لطرابلس، فضلًا عن كونها تضم عدة مواقع حكومية ورسمية مهمة، فوفقًا لموقع التفجير واتجاه تحرك العنصر الإرهابي بناء على إفادات وتصريحات شهود العيان والمصادر الميدانية فإن مسار تحرك الانتحاري ومنطقة التفجير تضم العديد من المواقع الحيوية التي يُحتمل كونها قد حُددت كهدف للهجوم. فعلى بُعد أقل من (2) كم من مقر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وموقع إقامتها، كذلك مقر إقامة وزير الداخلية الموقوف عن العمل “فتحي باشاغا”، بالإضافة إلى عدد من المواقع الحكومية المهمة. 

وتتولى مجموعة من مليشيات وزارة داخلية الوفاق مسئولية تأمين القطاع الأوسع من منطقة جنزور، حيث تتولى كتيبة “فرسان جنزور” عملية تأمين المصالح العامة كمديرية الأمن ومقرات البعثة الأممية في هذه المنطقة، بالإضافة للمليشيات التابعة لمدينة مصراته التي تدير عملية تأمين حركة ومقر إقامة وزير الداخلية. لذلك فإن تفجير العنصر الإرهابي نفسه في منطقة تقاطع طرق قُرب دورية أمنية غير مُرجح أن يكون هو الهدف الرئيسي وراء هذا العمل، بل يُحتمل أن مرور إحدى الدوريات الأمنية قد عجل من عملية التفجير؛ خوفًا من الاشتباه بالعنصر الإرهابي وتوقيفه، ومن ثم إحباط العملية، بل ويُرجح أن الهدف الفعلي للهجوم الانتحاري كان متضمنًا لأحدى مقرات البعثة الأممية أو وزير الداخلية أو أيًا من المصارف والمؤسسات الحيوية.

رسائل ضمنية ودلالات مُرجحة

يشير التفجير الانتحاري في قلب واحدة من أهم المناطق الحيوية في العاصمة إلى عدد من الرسائل الضمنية، التي كانت ترغب المجموعة المدبرة للهجوم في إيصالها، ورغم فشل العنصر الإرهابي في الوصول إلى وجهته النهائية، إلا أن تنفيذ التفجير بهذا الأسلوب وضمن هذا النطاق الجغرافي يشير إلى عدة رسائل ودلالات نبرزها كالتالي:

  • محدودية قدرة القبضة الأمنية: إن وصول العنصر الإرهابي إلى مسافة لا تتجاوز أمتار من مقرات ومؤسسات ووزارات حكومة الوفاق والبعثة الأممية يؤكد أن العاصمة الليبية والمنطقة التي تتمركز فيها أقوى مليشيات المنطقة الغربية تعاني حالة متزايدة من الانفلات وضعف الإجراءات الأمنية، وهو ما حفز العناصر الإرهابية على التحرك لضرب واحدة من المناطق التي تشهد كثافة وانتشار أمني واسع.
  • التنظيمات الإرهابية في ليبيا باقية وتتحرك: تسعى التنظيمات الإرهابية للتأكيد أن قواعدها باقية بالدولة الليبية وقادرة على استهداف قلب العاصمة، ما يؤشر على احتمالات تصاعد الظاهرة الإرهابية مجددًا في ليبيا، لاسيما في ظل رخوة المؤسسات الأمنية، وعدم قدرتها على فرض سيطرتها على حدودها المترامية، فضلًا عن الاضطرابات التي تشهدها العاصمة مؤخرًا.
  • إحراج مليشيات وزارة الداخلية: تُعد وزارة الداخلية الليبية، والمليشيات المنضوية تحت هياكلها، من أبرز المستهدفين من تلك العملية؛ فالهجوم يستهدف مناطق نفوذهم، ما سوف يسبب إحراج كبير للوزير الموقوف “فتحي باشاغا”؛ كون محاولاته لمأسسة جهاز أمني عبر الدمج الانتقائي للمليشيات والعناصر المسلحة باءت بالفشل، وهو ما يعزز الاعتقاد بأن المستهدف بالتفجير كان هدفًا أكثر تأثيرًا ونجاعةً.
  • استثمار صراع المليشيات والمجموعات المسلحة: قاد انسحاب الجيش الوطني من محاور القتال حول العاصمة لتجدد صراع الأقطاب السياسية والأجنحة العسكرية الموالية لها، وتستثمر التنظيمات الإرهابية هذا الصراع لتأجيج الاحتقان ودفع تلك المليشيات إلى الترصد والمواجهة. ولعل احتجاز مليشيات الردع الموالية لوزارة الداخلية، والتي تدير سجن معتيقية، لعناصر تكفيرية من تنظيمات أحد أهم محفزات التحول الجاري بين مليشيات الداخلية وتلك المجموعات الإرهابية.
C:\Users\user\Desktop\128458854-location-icon-gps-marker-symbol-map-pin-icon-vector.jpg

وخلاصة القول، فإن عملية البحث في حيثيات ودلالات الهجوم الإرهابي تقود إلى مجموعة استنتاجات، تتضمن الإشارة إلى تورط عناصر داعشية في هذا العمل؛ إذ تتشارك التنظيمات الإرهابية مُعتقد إراقة دماء الآمنين، إلا أنها تتباين في استراتيجيات التنفيذ، وحيث تُرجح أغلب التقديرات اعتماد تنظيم “القاعدة” على تكتيكات متنوعة لتنفيذ هذا النوع من الهجمات، ومنها زرع العبوات الناسفة واستخدام السيارات المفخخة، دون الدفع بعناصر التنظيم والزج بهم في أنشطة انتحارية. وتسود التكتيكات الانتحارية أدبيات تنظيم “داعش”، فنجدها تعتمد أساليب الهجمات الانتحارية بالأحزمة الناسفة والعمليات الانغماسية. ومما سبق فان تنفيذ العملية الأخيرة عبر تكتيك انتحاري، بعبوة أو حزام ناسف وفقًا لعدة مصادر، يؤشر على تورط عناصر داعشية في تنفيذ الهجوم. وعليه فالهجوم الانتحاري بالعاصمة “طرابلس” هو بمثابة ناقوس خطر ينذر من تحرك التنظيمات الإرهابية لاستعراض قوتها وإرباك المشهد الليبي المتأزم، ويجب أن يتم إعادة الانضباط إلى المشهد العسكري والأمني في المناطق الخاضعة لسطوة المليشيات، استباقًا لتحول تلك العناصر الإرهابية إلى نحو تنشيط خلاياها ما يهدد بإعادة إنتاج سيناريوهات درنة وبنغازي التي مازالت المنطقة الشرقية تعاني من تداعياتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى