الصحافة الإسرائيلية

معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي: اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان “خطاً أحمر” لنظرية “الوطن الأزرق” التركية

عرض- هبة شكري

نشر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي تقريراً بتاريخ 25 أغسطس 2020، تناول فيه اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان، والتي تم التوقيع عليها بتاريخ 6 أغسطس 2020.

واعتبر التقرير أن الاتفاقية تعد رداً مباشراً على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي تم التوقيع عليها بين كل من تركيا وحكومة الوفاق الليبية في نوفمبر 2019. كما اعتبر التقرير أن الاتفاقية تأتي في إطار الخلافات بين تركيا وبين كل من مصر واليونان وقبرص وإسرائيل، والتي دفعت بالمضي قدماً لخلق محور مناهض لتركيا يضم الدول الأربع بدعم من فرنسا والإمارات العربية المتحدة وتمثل الاتفاقية الخطوة الأولى فيه.

وفي السياق ذاته، ذكر التقرير أن الصراع في شرق البحر المتوسط يدور حول الاستفادة من الثروات والتنقيب عن الطاقة، ومن جانب آخر فهناك تنافس على القيادة السياسية للمنطقة بين كل من الدول البراجماتية والدول الداعمة للإسلام السياسي والمتمثلة في قطر وتركيا. وأفاد التقرير أنه بالرغم من وقوف إسرائيل إلى جانب مصر واليونان، إلا أن مصالحها ترتكز على الحد من التوترات الشاملة والحفاظ على الاستقرار في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، بهدف التعاون الاقتصادي مع جيرانها والحد من التسلح الإقليمي.

وركز التقرير على التوترات المتزايدة التي تشهدها منطقة شرق المتوسط على مدى الأشهر القليلة الماضية بسبب الخلافات بشأن الحدود بين كل من تركيا واليونان، الأمر الذي يعزز من خطر اندلاع أعمال عنف في المنطقة، وهو ما تخشاه إسرائيل.

وتناول التقرير عقيدة “الوطن الأزرق” التي تهيمن على الخطاب العام التركي، وترتكز على اعتبار الدفاع عن الحدود البحرية لتركيا مساوٍ في الأهمية لدفاعها عن حدودها البرية؛ وفي هذا الصدد، أجرى الأسطول التركي، في فبراير 2019، أكبر مناورة بحرية في تاريخها تحت مسمى “وطن أزرق”، والتي جاءت بمثابة رد تركي على إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط ​​(EMGF) قبل شهر واحد من إجرائها.

خريطة توضح مناطق الصراع في شرق المتوسط

وفي أعقاب الاتفاق الليبي التركي، أعدت تركيا خطة للتنقيب عن الغاز والنفط في المناطق التي تعتبرها اليونان تدخل ضمن إطار المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لها، وفي يوليو من العام نفسه، أعلنت أنها تعتزم إرسال سفينة بحثية لإجراء بحوث طبوغرافية. ورداً عبى ذلك، رفع اليونانيون مستوى التأهب العسكري، لكن تم تعليق إرسال سفينة الأبحاث بعد جهود الوساطة الألمانية. وفي أعقاب توقيع اتفاقية الحدود البحرية بين مصر واليونان في 6 أغسطس 2020 ، والتي أدانتها وزارة الخارجية التركية واعتبرت الاتفاق “لاغٍ وباطل”، عادت أنقرة وقررت مؤخراً إرسال سفينة البحوث بمرافقة سفن حربية، بينما بعثت اليونان بسفنها الحربية إلى المنطقة. وفي أعقاب ذلك، اصطدمت سفينة حربية يونانية بطريق الخطأ بسفينة حربية تركية مرافقة لسفينة الأبحاث، ما ترك أضراراً محدودة بالسفينة التركية التي اضطرت للعودة إلى قاعدتها للإصلاح.

فضلاً عما سبق، أشار التقرير إلى ساحة متفجرة أخرى في منطقة شرق المتوسط، ألا وهي ليبيا، حيث رجح احتمالية الصدام العسكري بين كلٍ من مصر وتركيا في الحرب الأهلية في ليبيا، وحسبما ذكر التقرير، فالمحور المناهض لتركيا يدعم قوات المشير خليفة حفتر، بينما تدعم أنقرة قوات حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج وتساندها من خلال دعم الميليشيات والمرتزقة.

وذكر المعهد أن مصر لديها مصالح اقتصادية وأمنية في ليبيا، يتمثل أبرزها في منع القوى الإسلامية من التواجد على طول حدودها الغربية، حيث دفعت تحركات القوات الموالية لتركيا في ليبيا بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى تعريف مدينتي سرت والجفرة على أنهما يُعدا “خطاً أحمر”، في إشارة تحمل تحذيرات فيما يتعلق بتغلغل تركيا شرقًا، وبالتزامن مع ذلك، حث البرلمان الليبي الذي يتخذ من شرق ليبيا مقرا له، الرئيس السيسي على إرسال قوات إلى ليبيا ، ومن ثم منح مصر شرعية للتدخل العسكري حال تجاهلت تركيا التحذيرات.

فيما يتعلق بدوافع ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان، تساءل المعهد عن دلالات توقيت الاتفاقية، وربط الإجابة علة هذا التساؤل بإخفاق اليونان مسبقاً بترسيم حدودها البحرية مع تركيا، وتعذرها التوصل إلى توافقات رسمية عقب الخلاف بشأن السيادة التركية على جزء من الجزر اليونانية وترسيم المياه الاقتصادية بين الدولتين؛ ورجح التقرير خشية أثينا من أن قيام أنقرة باستخدام التنازلات المُقدمة لمصر ضدها.

وفي السياق ذاته، أشار التقرير إلى توصل اليونان يونيو 2020 ، قبل اتفاقها مع مصر، إلى اتفاق بشأن ترسيم الحدود البحرية مع إيطاليا، وتجري حالياً اتصالات مع ألبانيا للتوقيع على اتفاق مشابه. وعلى مدى السنين، ورغم توصل قبرص إلى اتفاقات لترسيم المياه الاقتصادية مع مصر (2003)، ولبنان (2007) وإسرائيل (2010)؛ تجنبت اليونان التوقيع على اتفاق مشابه مع نيقوسيا خوفاً من تدهور النزاع في قبرص. لكن يبدو أن هناك  تغيرا في موقف اليونان ويأتي ذلك وفي ضوء السياسة الاستراتيجية التركية الحالية والحاجة إلى العمل ضد الاتفاق الليبي التركي، وانطلاقاً من ذك، تعيد كلا من اليونان وقبرص  النظر مجدداً للتوقيع على اتفاق مشترك.

 وفيما يخص الدوافع المصرية، أكد التقرير أن ترسيم الحدود البحرية مع اليونان يعد تعزيزاً آخر للعلاقات الاستراتيجية المزدهرة بين الدولتين، وتهدف مصر من خلاله إلى رسم “خط أحمر” لطموحات تركيا في شرقي البحر المتوسط، بعد “الخط الأحمر” البري الذي وضع لها في ليبيا؛ كما ألمح أن الاتفاق يستهدف السماح للدولتين بتنمية مقدرات الطاقة في مياههما الاقتصادية والدفع إلى الأمام بالاتفاق الثلاثي لربط شبكات الكهرباء لمصر واليونان وقبرص، ويأتي ذلك في ضوء المحاولات التركية الليبية لترسيم حدود بحرية تشكل عازل بينهما. ورأى المعهد أن هناك ثمة ميزة أخرى تجدها القاهرة في الاتفاق، وهي أن أي محاولة تركية لمواجهة الاتفاق ستضع أنقرة في مواجهة مباشرة مع الاتحاد الأوروبي، حيث يمنح الاتفاق مع اليونان، الذي يستند إلى قانون البحار الدولي، مصر مياهاً اقتصادية أضيق مما كانت ستحصل عليه لو اعترفت بالاتفاق التركي الليبي. ولذلك، فإنه يمثل دليلاً على التزام مصر بالقانون الدولي، كما يؤكد انتمائها أيضاً للمحور المناهض لتركيا، كما يؤكد على فشل جهود أنقرة في شرخ العلاقات بين القاهرة وحلفائها اليونانيين.

يذكر أن اليونان ومصر اعتبرا  الاتفاق بلورة لمنتدى شرق المتوسط، و الذي يتوقع أن يصبح في الأجل القريب منظمة دولية تضم – بالإضافة إلى الدول السبع المؤسسة – فرنسا كعضو كامل والولايات المتحدة كعضو مراقب، ليس ذلك فحسب،  بل أن الاتفاق سيعزز من استكمال مشروع أنابيب “ايست ميد” لتصدير الغاز الطبيعي من إسرائيل عبر قبرص واليونان إلى أوروبا،الذي تمت الموافقة عليه من قبل الدول الثلاث خلال الأشهر القليلة الماضية على الرغم من انهيار أسعار الطاقة، وذلك على الرغم من الشكوك المتزايدة حول جدواه الاقتصادية.

من جانب آخر، رأى المعهد أن اتفاق التطبيع بين إسرائيل والإمارات يعزز المحور المناهض لتركيا الذي يتطور من محور اقتصادي، يرتكز على تصدير الغاز، إلى حلف إقليمي ذو بعد استراتيجي متداخل ” اقتصادي وسياسي وأمني”.

كما استبعد التقرير احتمال دخول اليونان ومصر في صدام عسكري مع تركيا على المدى القريب، وفي الوقت ذاته، فلأنقرة تحفاظاتها التي تحول دون دخولها في مواجهة ساخنة مع دولة عضو في الناتو؛ فضلاً عن ذلك، تواجه مصر في الوقت الحالي تحديات اقتصادية حادة، بالتزامن مع أزمة سد النهضة في إثيوبيا ومع تهديدات الإرهاب في شبه جزيرة سيناء. وعليه، فإن الانزلاق في مواجهة عسكرية مباشرة مع تركيا ستلقي بظلالها على جهود التنمية الداخلية التي تقف على رأس اهتمامها القيادة المصرية. وفي الوقت ذاته، لا تعلق القاهرة وأثينا آمالاً كبيرة فيما يخص التسوية السياسية والتهدئة مع تركيا، خاصة في ظل بقاء الرئيس التركي أردوغان الذي يمسك بزمام الحكم ويتبنى استراتيجية سياسية ترتكز على بناء امبرطورية عثمانية جديدة.

 بعد التوقيع على صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل في 2018، صرح الرئيس السيسي بأن مصر “سجلت هدفاً عظيماً” في الملعب التركي، ومع التوقيع على الاتفاق اليوناني المصري، احتفلت الصحف المصرية “بهدف ثانٍ”. حيث تعتبر مصر ترسيم الحدود البحرية مع اليونان خطوة أساسية في إطار المعركة الدبلوماسية مع تركيا؛ فبالإضافة إلى ترسيم الحدود البحرية والتهديد باستخدام القوة إذا تم اختراقها، تشمل هذه الحملة ضغوطًا دولية من الناتو والاتحاد الأوروبي ؛ فضلاً عن فضح العلاقات بين تركيا والعناصر الإرهابية الإسلامية والسلفية الجهادية، بالإضافة إلى تثبيت منتدى الغاز والمحور المناهض لتركيا ، بهدف التضييق على النفوذ التركي في المنطقة.

وفيما يتعلق بالتوصيات التي أصدرها المركز لإسرائيل، فتمثلت في التأكيد على ضرورة استعداد إسرائيل لمجموعة من السيناريوهات المحتملة في المواجهة اليونانية المصرية مع تركيا، بدءاً بالصدام العسكري بين تركيا وخصومها عبر استمرار المعركة الدبلوماسية، وانتهاء بتحقيق تفاهمات براغماتية. ورأى المعهد أنه في الوقت الذي يتضح فيه الطرف الذي تؤيده إسرائيل، فإن العواقب المترتبة على الانضمام إلى المحور المناهض لتركيا في شرق البحر المتوسط ​​لم يتم تقييمها بشكل صحيح بعد؛ هناك ثمن قد تدفعه إسرائيل سواء في الصراع اليوناني التركي أو بالصراع في ليبيا. كما دعا إسرائيل إلى ضرورة تكريس الاهتمام المتزايد بالمنطقة نظراً لما تشهده من تحديات متعددة ناجمة عن جائحة  كوفيد-19. إلى جانب التحديات الخارجية الموجودة بالفعل. التحديات التي لم يمحها الوباء. كما أكد التقرير على أن معظم النشاط التركي في المنطقة ينعكس على إسرائيل سلبيًا ، ويمثل جزء منه تهديدًا مباشرًا لإسرائيل ويستدعي ردها.

وأضاف التقرير، أن إسرائيل تولي أهمية متزايدة لشرق البحر الأبيض المتوسط ​​بسبب موارد الغاز وأهميته الاستراتيجية المتعددة الأبعاد ، وبالتالي لها مصلحة في منع الأزمات في المنطقة والحفاظ عليها كمنطقة سلمية. حيث أن إنشاء تكتلات في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​سيزيد لا محالة من حدة التنافس بين تركيا وإسرائيل. فضلاً عن أن الانقسامات العميقة بين المعسكرين المتنافسين ، ستؤدي إلى سباق تسلح متسارع من قبل القوات البحرية والجوية الإقليمية مما يخل بميزان القوى الحالي ، وهو ما لا ترغبه إسرائيل. في حين رجح التقرير أن الوساطة الألمانية في الصراع الليبي والتركي اليوناني يمكن أن تخدم المصالح الإسرائيلية. وعلى صعيد آخر، أوصى التقرير بضرورة قيام إسرائيل بتشجيع واشنطن على زيادة مشاركتها في جهود الوساطة والقيام بدور رائد في المنطقة.

و اختتم التقرير توصياته بضرورة أن يتوصل الطرفان إلى تفاهم في ظل التناقض بين الاتفاق اليوناني المصري والاتفاق التركي وحكومة الوفاق الوطني ، كما شدد على ضرورة تجنب خطر تدهور الأوضاع بما قد يفضي إلى نزاع مسلح.

وتوقع التقرير أن يمهد اكتشاف الغاز في البحر الأسود الذي أعلنه أردوغان ، في 21 أغسطس ، والذي يمثل أول اكتشاف لمصدر مهم للوقود الأحفوري في الأراضي التركية ، لفتح الأفق نحو بعض المرونة التركية، لكن اعتبر ان استمرار تصلب الكتل يدعو للقلق  وهو ما سيقيد هذا الانفتاح ويبقيه ضيقًا غير كافٍ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى