مقالات رأي

وائل لطفي يكتب : ما لم يقلـه الرئيس

تابعت مثل ملايين غيرى الرسالة الغاضبة التى أرسلها الرئيس السيسى عن التعديات على الأراضى الزراعية، حرص الرئيس على الصالح العام وغيرته عليه لا جدال فيهما، لكن المسألة تحتاج إلى الرؤية من زوايا مختلفة.. ما لم يقله الرئيس إن عقوداً من فساد المحليات أدت إلى هذه النتيجة التى صارت تثير الفزع عند رؤية الصورة كاملة، ما لم يقله أيضاً إن الدولة كانت تلجأ لعقود كاملة إلى فكرة رشوة المواطن من خلال التغاضى عن المخالفات التى يرتكبها، سواء فى البناء، أو الكهرباء، أو غيرهما، وكانت الفكرة ببساطة أن يترك كلٌّ منهما الآخر فى حاله.. حيث تترك الدولة المواطن يفعل ما يحلو له، ويترك المواطن الدولة فى حالها أيضاً على ما هى عليه، وقد استمرت هذه الصيغة إلى ما يقرب من أربعين عاماً كاملة، ويحتاج تغييرها إلى ثورة وصدمة حقيقية، الوجه الآخر للمشكلة أن الزيادة السكانية، وزحف نمط الحياة المدينى إلى القرى، وتعيين أبناء المزارعين فى الجهاز الحكومى وتحولهم إلى موظفين كلها عوامل موضوعية أدت أيضاً إلى هذه الظاهرة، وهذه العوامل لا بد من دراستها ومعالجتها، والذين ينتمون إلى قرى الدلتا مثلى يعرفون أن الأهالى كانوا يحرصون على أن تكون مساكنهم بعيدة عن الأراضى الزراعية، حيث يسكن الفلاح بعيداً نسبياً عن (الغيط)، أو هكذا كان الحال فى قريتنا، وكان من المفترض أن تخطط الدولة هذه المناطق السكنية الريفية المبنية بالطوب اللبن وتطورها لتستوعب الأجيال الجديدة من السكان، لكن هذا لم يحدث، وتركت القرى على حالها، وأصبح حلم كل مزارع أن يبنى بيتاً بالطوب المسلح، وموّلت سفريات العراق وليبيا تكاليف البناء، ثم قامت ثورة يناير، وأدت إلى حالة من الانفلات أدت إلى تضاعف حالات البناء على الأراضى الزراعية عدة مرات.. ومن الواضح أن الظاهرة تفاقمت، لكن أساسها إحجام الدولة فى عهود سابقة عن تخطيط القرى والتفكير فى مستقبلها، لا ينفى هذا أن هناك من أقدم بدافع الرغبة فى المكسب على تبوير الأراضى الزراعية وتحويلها إلى أرض بناء، حيث تحولت القرى إلى مدن ممسوخة وتحولت المدن إلى أرياف ترتدى ثياب المدينة. هذا الوضع المركب الذى تواجهه رغبة صادقة فى الإصلاح والتطوير يتحول إلى مادة رخيصة للدعاية السوداء فى استوديوهات الخيانة فى تركيا، وينضم إلى ما سبق أن أثاره هؤلاء عن المصالحات فى مخالفات البناء، والحقيقة أن التصالح فى مخالفات البناء ليس فكرة مصرية، الفكرة الشهيرة والذائعة هى فكرة الاقتصادى البيروفى العالمى (هيرناند دى سوتو) وفكرته تقوم ببساطة على أن الاعتراف بالبناء العشوائى يضيف ثروة للأشخاص الذين بنوا هذا البناء وللمجتمع أيضاً.. بناء قيمته مليون جنيه ولا تعترف به الدولة لا يساوى شيئاً، وفى حالة اعتراف الدولة به فإن صاحبه يملك مليون جنيه فوراً، دى سوتو جاء إلى مصر بالفعل، وطرح أفكاره على الرئيس السيسى فى وقت مبكر، وأظن أن التصالح مع أصحاب البناء المخالف هو الحل فى معظم الحالات، حيث يمكن أن توجّه حصيلة التصالح فى اتجاه مزيد من الاستثمارات فى الإنتاج الزراعى أو التخطيط العمرانى لما تبقى من المدن، بقى أيضاً أن الاتهام بهدم المساجد هو اتهام تقليدى توجّهه جماعة الإخوان المسلمين إلى الدولة المصرية منذ عهد الرئيس جمال عبدالناصر، وقد ألف الداعية الإخوانى محمد الغزالى كتاباً بعنوان (مدافع الحق) اتهم فيه ثورة يوليو بهدم مساجد القاهرة، وأورد فيه ما ادعى أنه إحصاء بهذه المساجد، والحقيقة أن الثورة قامت بحركة عمران كبيرة لمدينة القاهرة، لكن الحقيقة أيضاً أنها بنت مساجد بديلة للمساجد التى أزالتها إن كانت قد أزالت مسجداً بالفعل.. وقد لفت نظرى وجود مسجد ضخم يحمل اسم الشهيد عبدالمنعم رياض فى محور المحمودية الجديد، لكن عين الإخوان عمياء لا ترى سوى ما تريد الجماعة أن تراه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى