العالم

شريحة “إيلون ماسك”.. “الإدراك البشري الخارق” في مواجهة “الذكاء الاصطناعي”

كشفت شركة «نيورالينك» الناشئة المتخصصة في علوم الأعصاب والتابعة للملياردير إيلون ماسك، النقاب أن “خنزيرا” جرى زرع شريحة كومبيوتر بحجم العملة المعدنية في دماغه منذ شهرين، فيما يشير إلى خطوة مبكرة نحو تحقيق هدف علاج الأمراض التي تصيب الإنسان بزرع النوع ذاته من هذه الشرائح.

“ماسك” المعروف عنه سعيه الحثيث لتطوير تطبيقات الذكاء الصناعي وتطوير استخدام التكنولوجيا كشف أخيرًا عما كان يبدو أنه خيال علمي، شريحة دائرية الشكل تشبه العملة المعدنية بسمك أقل من سمك الشعرة تتصل بالمخ بها 3 آلاف قطب كهربائي في لوحة إلكترونية متناهية الصغر تستطيع التحكم ومراقبة 1000 خلية عصبية بالمخ، وفقا لتقارير صحفية.

وبدأ المشروع منذ 3 سنوات عندما أعلن ماسك مارس 2017 عن إنشائه لشركة باسم NURALINK التي تعني بالعربية رابط عصبي إلكتروني وسجلت الشركة على أنها شركة أبحاث طبية.

“ماسك” الذي يعد الأن أبرز رائدي الأعمال في “سيلكون فالي” وصاحب الطليعة عالميًا في مجال السيارات الكهربائية عن طريق شركة تسلا، ويقف خلف عدة مشاريع عملاقة منها مشروع Space x الذي يهدف لتسهيل الوصول للفضاء واكتشافه، تشترك مشروعاته دائما في اعتمادها على التكنولوجيا الفائقة والسعي للمستقبل قال في 2017 إن NURALINK التي يمولها بشكل مستقل ستقوم باختراع وتطوير شريحة إلكترونية عصبية تتصل بالمخ ستساعد في العلاج الطبي المتقدم وإجراء العمليات المعقدة والحفاظ على الذاكرة ومساعدة المصابين بالشلل وغيرها من الاستخدامات، ليتهافت الخبراء والعلماء في شتى المجالات العلمية ذات العلاقة للعمل في المشروع الذي نظر له على أنه مدخل جديد لمستقبل البشرية على حد وصف ماسك الذي يؤمن بأهمية دمج العقل البشري بالذكاء الاصطناعي .

وفقا للشركة فإن الشريحة تستطيع الوصول للجزء المحدد من المخ أو تفاعل عصبي معين، كما تستطيع تحليل المعطيات والتفاعلات العصبية لتسهل التعامل مع مواقف أخرى بطريقة أفضل عن طريق تحليل التفاعل العصبي للمخ مع الموقف كما وتتصل مع الأجهزة المختلفة من خلال تقنية “بلوتوث منخفض الطاقة “، لكن يبقى أهم ما في الابتكار المنتظر هو قدرته على دمج العقل البشري بالذكاء الاصطناعي أو كما يصفه “ماسك “الإدراك البشري الخارق”.

شكل التصميم الخاص بشريحة المخ

دوافع المشروع

السبب خلف حماس ماسك لهذا المشروع لدرجة تمويله ذاتيًا، أمر لا يخفيه الرجل الذي أكد في أكثر من مناسبة خوفه من تفوق الذكاء الاصطناعي على الذكاء البشري، كما أن ماسك صاحب رؤية خاصة فيما يتعلق بدمج الذكاءين الصناعي والبشري أو كما يسميه “الذكاء الخارق “حيث يرى في ذلك السبيل الوحيد لضمان عدم تفوق الذكاء الصناعي والروبوتات على البشر مستقبلًا.

كان ماسك صرح عام 2019 بأنه “حتى مع سيناريو الذكاء الصناعي الحميد، ستتخلف البشرية عن الركب” وأشار إلى أنه “من خلال شريحة المخ ذات النطاق الترددي العالي يمكننا المضي قدمًا في الرحلة والحصول على خيار الاندماج البشري مع الذكاء الاصطناعي بشكل فعال”، وهو ما يتفق مع تصريحاته مؤخرًا التي أشار فيها إلى “أن مشروع شريحة NURALINK هو جزء من خطة تفادي سيناريو تفوق الذكاء الصناعي وتعاظم قوته لدرجة تدمير البشرية”. 

خيال أم واقع

كان ماسك وعد على حسابه على منصة تويتر بإجراء تجربة عملية على الشريحة خلال العرض الخاص بها، وهو ما كان حيث ظهر في من خلال الفيديو 3 خنازير اختيرت لإجراء المقارنة حيث زرع في رأس أحدها الشريحة الجديدة، وأخرى زرع على رأسها شريحة من طراز قديم من إنتاج نفس الشركة، أما الأخير فلم يتم زرع شريحة عليه ليتم المقارنة بين الثلاث حيوانات لإبراز الفارق والإشارة لما يمكن للشريحة أن تضيفه للمخ، الخنزير صاحب الشريحة الجديدة والذي أطلق عليه اسم “جيرترود” بدا طبيعيا تمامًا وبصحة جيدة ولا يبدو الجرح الناتج عن عملية زراعة الشريحة في مخه واضحًا، إيلون ماسك أوضح خلال التصوير أن التفاعلات العصبية لـ “جيرترود” سيتم عرضها فور حدوثها، وخلال الفيديو ظهرت شاشة توضح التفاعلات العصبية لمخ “جيرترود” والتي فور ظهورها وتسجيلها لأول التفاعلات العصبية التي بدت واضحة وبدقة على الشاشة هم الحضور بالتصفيق معتبرين ذلك نجاحًا ملموسًا للمشروع .

ماسك شرح أن التفاعلات العصبية لــ “جيرترود” تتغير لحظيًا مع تغير ما يقوم به، وهو ما كان ملحوظًا بالتزامن مع ما تعرضه شاشة تحليل وعرض التفاعلات العصبية في مخه، ومع لمس المختص لأنف “جيرترود” بدأت الإشارات العصبية في التغير، وهو ما تم ملاحظته وعرضه وتسجيله وتحليله في نفس زمن حدوثه بفضل الشريحة وفقًا لصاحب الابتكار الذي من الممكن أن يغير شكل الحياة التي نعرفها مستقبلًا.

تجدر الإشارة إلى أنها ليست المرة الأولى التي يتم تجربة الشريحة فيها فقد أشار ماسك في وقت سابق أنه تم تجربتها على القردة كذلك ونجحوا في التحكم في جهاز حاسوب من خلال الإشارات العصبية من دماغ القرد للشريحة التي ترجمتها في شكل معطيات لجهاز الحاسوب.

وخلال جلسة للأسئلة بعد العرض المباشر على شبكة الإنترنت برز سؤال لماذا يتم تجربة الشريحة التي من المفترض أنها مخصصة للبشر على الحيوانات وما مدى واقعية ذلك؟

ماسك رد على السؤال الذي أثار فضول عدد من المتابعين للعرض قائلًا “الخنازير تشابه البشر، علميًا إذا ما كنا سنخترع شيئًا للبشر، تكون الخنازير خيارًا جيدًا لتجربة”، وأضاف ماسك “إذا ما بقيت الشريحة تعمل بشكل جيد وقوي داخل مخ الخنزير لشهرين أو ثلاثة دون أي مشكلة يكون ذلك أشاره جيدة إلى أن الشريحة مناسبة للبشر”.

واقعية المشروع والتحديات

إعلان ماسك خلق حالة من الجدل داخل الأوساط العلمية والأكاديمية حيث اختلف العلماء حوله وحول إمكانية قبوله وتطبيقه في الواقع، الأستاذة في العلاج الفيزيائي وإعادة التأهيل بجامعة بتسبيرج بولاية بنسيلفينيا جينفر كولينجر وصفت ما يقوم به ايلون ماسك على أنه “تداخل في مساحة ضيقة بين التقنية التخريبية الحديثة والتكنولوجيا الطبية” وقالت عن الشركة المصنعة للشريحة تعليقًا على إمكانية الوصول لهدفها “أن لديها إمكانات وموارد مهمة وضخمة، وفريق متحمس من العلماء والمهندسين والأطباء الذين يعملون لتحقيق هدف مشترك مما يمنحهم فرصة كبيرة للنجاح، لكن حتى مع وجود هذه الموارد فإن تطوير الأجهزة الطبية التكنولوجية يستغرق وقتًا، كما أن احتياجات السلامة تشكل أولوية قصوى لذا أعتقد أن المشروع سيأخذ وقتا أطول مما يتوقعون “

أما الأستاذة أري بنجمين من جامعة بنسلفانيا مركز أبحاث “كوردينج لاب” ترى أن تعقيد العقل البشري سيحول دون تقدم المشروع، وهو ما أوضحته في تصريحاتها لوكالة “بي بي سي” التي توجهت لها بالسؤال حول واقعية المشروع، وقالت الخبيرة في مجال وظائف العقل والتفاعلات العصبية للمخ “إن شركة NURALINK ستتمكن من تسجيل الإشارات والتفاعلات العصبية من خلال الشريحة وبمجرد الحصول على هذه التسجيلات ستحاول الشركة تحليلها وفك تشفيرها، في وقت ما سيصطدمون بالحاجز الذي يتمثل في افتقارنا للفهم الأساسي لكيفية عمل الدماغ بغض الظر عن عدد الخلايا والتفاعلات العصبية التي يستطيعون متابعتها وتسجيلها”.

وقد اتفقت الخبيرتان فيما يخص أن المشروع حتى وإن وصل لهدفه النهائي لن يصل له وفقًا للوقت المتوقع وهو ما يعتبره البعض عادة لدى رائد التكنولوجيا الفائقة ماسك الذي أعتاد على إطلاق التصريحات الجريئة حول مشاريعه التي ينتهي بها الأمر إلى وقت أكثر من المخطط لها مثل مشروع “سبايس أكس” ومشروع السيارات الكهربائية “تسلا” أشهر مشروعات ماسك.

أما الأستاذة في مجال الذكاء الاصطناعي من مركز أبحاث “فورينتير ديفلوبمنت” التابعة لوكالة ناسا الأمريكية كريتيك دا سيلفا والتي حضرت العرض المباشر ترى أن المعضلة الأخلاقية قد تعيق المشروع، رغم اعترافها بأن التكنولوجيا قد تحل جزءًا كبيرًا من هذه المشكلة، وقالت الخبيرة بعد حضورها للعرض المباشر “ستتطلب الخطط التي يسعون لتنفيذها سنوات عديدة من العمل للتعامل مع التحديات الأخلاقية والفنية للمشروع، لكن هذه التكنولوجيا يمكن أن تكون خطوة كبيرة في تخفيف حالات طبية خطيرة مثل الصرع ومرض باركنسون “

هذا الطرح الخاص بالتحديات الأخلاقية رد عليه ماسك من خلال تصريحاته الأخيرة يوم الجمعة حيث أشار لحصول مشروعه على ما يعرف بــــ “توصيف جهاز متطور” من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية المعروفة باسم FDA، وقال “إن شركته NURALINK تعمل بتعاون وثيق مع إدارة الغذاء والدواء الأمريكية وعدد من الجهات الحكومية الأخرى”.

حصول NURALINK على شهادة “توصيف جهاز مطور “يعني أن بإمكانها البدء في التجارب البشرية، وينفي أي سبة تتعلق بالتجاوزات الأخلاقية لصالح الوصول لأهداف المشروع، وهو ما قصده ماسك من تصريحاته.

وبالرغم من إشارته السابقة إلى أن التجارب البشرية ستبدأ بنهاية 2020 إلا أن الخبراء يشككون من واقعية ذلك، ويرون أن المشروع يحتاج للمزيد من الوقت والعمل لتجاوز المعوقات السابق ذكرها مثل معوقات مثل تقبل البشرية للفكرة التي لاتزال مجهولة التأثير على الفرد والمجتمع ككل.

يذكر أن شركة NURALINK ليست الوحيدة الساعية لدمج الدماغ البشري مع الذكاء الصناعي، فشركة “كرنيل تكنولجي” التي أنشأها رجل الأعمال براين جونسون تحاول القيام بمشروع مماثل لشريحة الدماغ قالت عنه إن هدفها منه “تحسين وتوسيع الإدراك البشري بشكل جذري”.

فيسبوك كذلك قالت في وقت سابق إنها تعمل على تطوير جهاز لاسلكي يمكن الشخص من إرسال الرسائل الإلكترونية فقط من خلال التفكير. وشركة “SYNCHRON” ومقرها سان فرانسيسكو كانت أعلنت هذا الأسبوع كذلك عن حصولها على “تصنيف جهاز مطور” من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية لجهاز لا سلكي من تطويرها يستطيع التحكم في تدفق الدم وسريانه في الأوعية الدموية مما يعني أنه اختراع قد يكون بديلًا لجراحات الأوعية الدموية.

فهل نحن على أعتاب عالم جديد حيث تدمج الأجهزة بالإنسان، والذكاء البشري بالصناعي، هل سيصب ذلك في صالح البشرية أم أن الأمر قد يخرج عن سيطرة البشر؟ أسئلة كثيرة استفزت العقل البشري “البسيط” بعد عرض ماسك الطموح لما قد يكون عليه العقل فائق القدرة والذكاء “في المستقبل.

المراجع والمصادر

تقرير عن الإعلان لأول مرة عن الشركة والمشروع في 2017 

https://www.wsj.com/articles/elon-musk-launches-neuralink-to-connect-brains-with-computers-1490642652

تقرير بي بي سي حول العرض الأخير يوم الجمعة 

https://www.bbc.com/news/technology-53921596

تقرير عن شركة nuralink  2017 

https://www.bbc.com/news/technology-39416231

تحديات المشروع 

https://www.bbc.com/news/technology-53921596

تقرير عن العرض المباشر ورأي الخبراء في المشروع “سي أن أن “

https://edition.cnn.com/2020/08/28/tech/elon-musk-neuralink/index.html?utm_source=twCNN&utm_term=link&utm_content=2020-08-31T06%3A31%3A03&utm_medium=social

موقع إدارة الدواء والغذاء الأمريكية

https://www.fda.gov/medical-devices/how-study-and-market-your-device/breakthrough-devices-program

حساب تويتر الخاص بإيلون ماسك

تقرير عن المشروع من موقع “أم تي تكنولجي ريفيو” 

https://www.technologyreview.com/2020/08/30/1007786/elon-musks-neuralink-demo-update-neuroscience-theater/

موقع “سي نت “تقرير عن المشروع وأليته 

https://www.cnet.com/news/elon-musk-shows-neuralink-brain-implant-working-in-a-pig/

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى