تركيا

وثيقة موت العدالة في تركيا.. وفاة محامية بعد إضراب عن الطعام لمدة 238 يومًا

“إيبرو تيميتك” محامية تركية تنتمي للقومية الكردية وتبلغ من العمر 42 عامًا، كانت قد دخلت إضرابًا مفتوحًا عن الطعام في فبراير الماضي وهو الإضراب الذي استمر 238 عامًا حيث انضم إليها لاحقًا زميلها “آيتاج أونسال” والمحكوم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات وستة أشهر، وهو الذي تدهورت حالته الصحية أيضًا خلف القضبان، وقد لاقت “إيبرو” حتفها الخميس الماضي على خلفية الأضرار الناجمة عن إضرابها الطويل عن الطعام والذي أدى لانخفاض وزنها إلى ما يقرب من 30 كيلوجرامًا.

“إيبرو تيمتك” التي كانت كل مطالبها محاكمة عادلة انتهى بها الحال جثة هامدة، وتعالت الهتافات عند قبرها مطالبة بتحقيق العدالة والقصاص من النظام القاتل، فتحول الأمر إلى مظاهرات حاشدة من المحامين والناشطين والحقوقيين بالإضافة إلى أعضاء من البرلمان التركي، وهي المظاهرات التي قمعتها الشرطة التركية بوحشية. حيث احتشد المتظاهرون أمام نقابة المحامين في الوقت الذي كان ينتظر فيه تشييع الجثمان. وقد اعتقلت السلطات الأمنية عددًا من المتظاهرين بينما لم تسمح لشقيق المحامية بمغادرة محبسه لحضور تشييع جثمانها.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\الرعاية الصحية\محامية تركيا 9.jpg

المحامية المتوفاة كانت قد غادرت محبسها في “سيليفيري” متجهةً إلى مشفى “سعدي كونوك” في إسطنبول بعد أن ساءت حالتها الصحية في السجن، وكانت قد اشتهرت بمواقفها المعارضة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حيث كان قد تم القبض عليها في 2017 مع عدد من زملائها المحامين، ووُجهت إليها تهمة الاتصال بحزب جبهة التحرير الشعبي الثوري حتى صدر الحكم عليها في عام 2019 بالسجن لمدة 13 سنة وستة أشهر، وكان كل جرمها هو المدافعة عن حقوق العمال والجماعات اليسارية في البلاد.

غضب داخلي وخارجي

وحول الواقعة أعرب الاتحاد الأوروبي عن عميق أسفه لوفاة المحامية التركية مساء الخميس الماضي، وطالب تركيا بتحسين أوضاع حقوق الإنسان لديها والاحتكام إلى دولة القانون، حيث أشارت بروكسل إلى أن جوهر علاقاتها مع أنقرة هو احترام تلك الدولة لحقوق الإنسان وإعلاء قيم القانون. وجاء ذلك في إطار الانتقادات الشديدة للقضاء في تركيا واتهامه بعدم الاستقلالية والانحياز. كما أعرب مجلس النقابات والجمعيات القانونية في أوروبا، الذي يمثل النقابات في 45 دولة أوروبية، عن “صدمته” في رسالة إلى الرئيس رجب طيب أردوغان.

أما على المستوى الداخلي فقد حمّلت مؤسسات وأحزاب تركيا المعارضة مسئولية وفاة المحامية للرئيس التركي مباشرة، وقال حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للقومية الكردية أن وفاة المحامية كانت نتيجة طبيعية لما وصفه الحزب بالإهمال الحكومي لظروفها الصحية منذ عام ،2017 مطالبين بإزالة النقاب عن الوجه القذر للفاشية التركية، كما طالب الحزب المؤيد للأكراد الحكومة بالإفراج الفوري عن المحامي التركي من أصولٍ عربية “آيتاج أونسال” والذي تدهورت حالته الصحية أيضًا خلف القضبان إثر إضرابه عن الطعام منذ أشهر.

ووجهت سلطات العدالة والتنمية تهمة (الانتماء إلى جماعة يسارية محظورة في أنقرة) بحق “أيتاش أونسال”، وعلى إثرها اعتُقل مع إبرو في عام 2018، وزُج به في سجن برهاني بمدينة بالكسير التركية. فيما طالب اتحاد الأطباء الأتراك، الجمعة الماضية، بالإفراج عن المحامي التركي المعتقل أيتاش أونسال كذلك.

وكانت السلطات التركية قد منعت تسليم جثمان المحامية المتوفاة حتى وقت متأخر من ظهر يوم الجمعة الماضي وذلك خشية من الاحتجاجات التي قد ترافق تشييع الجثمان إلى مثواه الأخير، حيث أعادت السلطات الأمنية التركية نهاية شهر يوليو الماضي، المحامية الكردية وزميلها إلى السجن بعد أن خضعا لاختبار صحي في مديرية الطب العدلي في إسطنبول.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\الرعاية الصحية\محامية تركية 10.jpg

وأطلقت الشرطة التركية الغاز المسيل للدموع وطاردت مئات المشيعين أثناء مراسم الدفن، وحسب وكالة فرانس برس، تخطف (السلطات) الجثامين وتدفنها في أماكن مجهولة عند منتصف الليل.

تلفيق القضايا.. وعمال المناجم

القضية المرفوعة ضد المحامين استندت إلى دليل من عام 2013، حيث لم يتم نسخ الملف الرقمي أو حفظه بشكل مناسب. وكانت العديد من الحوادث المدرجة في لائحة الاتهام كدليل على نشاط إرهابي من قبل المحامين هي فقط كونهم الوكلاء لعائلات من عمال المناجم الذين لاقوا حتفهم في بلدتين في تركيا! 

 وغير ذلك من العوار الذي صاحب القضية هو قيام شخص مجهول الهوية بإثبات التهمة ضد 220 شخصًا في 2013 متهمًا إياهم بأنشطة إرهابية. وقد تم الاستشهاد بالأدلة الرقمية التي تم جمعها خلال مداهمة مركز ثقافي في إسطنبول في عام وإدراجها في لائحة الاتهام في شكل تعليقات من قبل نفس الشخص، الذي عاملته المحكمة كشاهد خبير، وفي عام 2018 حُكم على صحفي يدعى كانان كوشكون بالسجن لمدة عامين وثلاثة أشهر لأنه كشف هوية الشاهد السري.

 إضافة إلى ما تقدم فقد تم عزل المدعين العامين والقضاة من القضية بعد مطالبتهم بالإفراج عن المحامين خلال فترة الحبس الاحتياطي السابقة للمحاكمة، أما المحكمة التي تم تشكيلها لاحقًا فقد رفضت طلبات جمعية المحامين التقدميين للتحقق من الملفات الأصلية للقضية التي وجهت الاتهام لـ 18 محاميًا.

حيث حكم على تيمتيك والمحامين الآخرين بما مجموعه 159 عاما في السجن في مارس من العام الماضي، بينما تم الانتهاء من الأحكام في صيغتها النهائية في 8 أكتوبر. وكان تقرير المحكمة الابتدائية الذي كان ينبغي أن تأخذه محكمة الاستئناف بعين الاعتبار بتاريخ 9 أكتوبر. “مما يثبت أن المحاكم لم تجر تقييمًا قانونيًا”، بحسب ما قالت جمعية المحامين التقدميين.

ليست أول الوقائع ولا آخرها، فالمؤشرات على انحياز القضاء التركي كثيرة لا تحصى، وحتى عندما يتعلق الأمر بقضايا انتخابات أو إعادتها تخرج الأحكام مسيسة بشكل فاضح وهو ما شهد عليه العالم في الانتخابات المحلية التركية العام الماضي، أما قضايا حبس الصحفيين والحقوقيين فقد وضعت تركيا في مصاف الدول الأسوأ من حيث حرية الرأي واحترام حقوق الإنسان وسط تجاهل متزايد من الحزب الحاكم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى