دول الخليج العربي

“هيومان رايتس ووتش” : انتهاكات أجور العمال الوافدين في قطر

أصدرت منظمة “هيومان رايتس ووتش” تقريرًا أعدته في الفترة ما بين يناير إلى مايو 2020، بعنوان ” انتهاكات أجور العمال الوافدين في قطر عشية كأس العالم فيفا قطر 2022″ تحدثت فيه عن انتهاكات الأجور التي يمارسها أصحاب العمل على العمال الوافدين في قطر، والذين يشكلون حوالي مليوني عامل مهاجر، بما يمثل حوالي 95% من اجمالي القوى العاملة في قطر، أغلبهم من الهند ونيبال و الفلبين وبنجلاديش و كينيا وأوغندا ,هؤلاء العمال هم المسؤولون عن بناء الملاعب ووسائل النقل والفنادق من أجل كأس العالم لكرة القدم فيفا 2022 , وهم المسؤولون أيضًا عن تشييد البنية التحتية وتشغيل قطاع الخدمات في الدولة القطرية بأكملها.

خلفية الأحداث

فازت قطر في ديسمبر 2010 بحق استضافة كأس العالم فيفا 2022, ومنذ تلك اللحظة قامت قطر بصرف مبالغ طائلة علي البنية التحتية لاستقبال هذا الحدث، فمنحت الحكومة القطرية 11 عقدا بمليارات الدولارات لشركات دولية ومحلية لبناء مترو الدوحة وغيره من المنشآت التي لا تزال قيد الانشاء ، وعلى الرغم من الاستثمارات والأرباح التي تجنيها الدولة الا ان العديد من العمال الوافدين الذين يعملون في بناء تلك المنشآت وغيرها من البنى التحتية اللازمة لاستضافة ملايين الزوار الذين يتوقع ان يجذبهم كأس العالم, يتلقون اجورا زهيدة ومتدنية, ويعملون تحت ظروف غير ادمية من طول ساعات العمل ونقص الموارد الغذائية التي يحصلون عليها.

تدني الأجور و سوء بيئة العمل

ذكر التقرير أن هناك مجموعة من العوامل في قطر تشجع علي ممارسات انتهاكات الأجور من أصحاب العمل اولها؛ ” سياسة الدفع عند القبض”  والتي تسمح للمقاولين الفرعيين بتأخير اجور العمال حتي يتلقوا المدفوعات من المقاولين الاساسيين, وعدم اتاحة سبل الانتصاف الفعالة للعمال الوافدين, ثانيها؛ “نظام الكفالة”  والذي يمنح اصحاب العمل المسؤولية عن العمال الوافدين وبالتالي السيطرة عليهم حيث يقترن هذا النظام بممارسات ضارة اخري, مثل المصادرة الروتينية لجوازات سفر العمال من قبل أصحاب العمل، وتحميل العمال رسوم الاستقدام، ما يبقيهم مدينين لسنوات. إلى جانب الحظر على الاضرابات العمالية حيث يحظر القانون القطري على العمال الوافدين الانضمام إلى النقابات والمشاركة في الاضرابات.

 كما يمكن لصاحب العمل إلغاء تصريح إقامة العامل الوافد في أي وقت حيث ان العامل الذي يترك صاحب العمل 24 ساعة بدون إذن يمكن أن يعاقب بالسجن، والغرامات، والترحيل، والاعتقال بتهمة “الهروب”.

ساهمت كل تلك العوامل في خلق بيئة للعمل الجبري، ما جعل من المستحيل فعليًا على العمال مغادرة أصحاب العمل المسيئين، مع أنهم يعانون غالبًا من عدم دفع الاجور، وساعات العمل الطويلة، وظروف العمل الخطيرة، وظروف السكن السيئة.

أجور متأخرة وخصومات تعسفية

وثقت هيومان رايتس ووتش، أن افظع الانتهاكات المتعلقة بالأجور تتمثل في الاجور المتأخرة وغير المدفوعة, فضلًا عن حجب الاجور عمدًا من قِبل الشركات القطرية تجاه عامليها, تلك الممارسة التي تندرج مباشرة ضمن مؤشرات منظمة العمل الدولية بشأن العمل الجبري, والذي تعرّفه ” اتفاقية العمل الجبري” علي انه كل اعمال أو خدمات تُغتصب من اي شخص تحت التهديد بأي عقوبة, ولم يتطوع هذا الشخص بأدائها بمحض ارادته”

وذكر التقرير أن العمال في قطر يتعرضون للخصم التعسفي من الأجر, فبموجب القانون القطري يستطيع صاحب العمل خصم اجور العمال لأسباب متعددة منها اتلاف العامل للآلات أو الممتلكات الا ان الواقع في قطر عكس ذلك حيث يخضع العاملين للخصومات التعسفية من صاحب العمل دون ابداء اي اسباب وبما ان اغلب اصحاب العمل لا يسّلمون قسائم اجور, لذلك يعجز العاملين عن احتساب أو تدوين أو حتي اثبات المبلغ المخصوم من اجورهم.

عدم دفع مستحقات العمل الاضافي واستبدال العقود

حدد قانون العمل القطري ساعات العمل العادية بـ 48 ساعة اسبوعيًا، بمعدل ثماني ساعات يوميًا, وفيما يتعلق بالعمل الاضافي, ينص القانون بأنه يمكن  مطالبة العامل بالعمل عشر ساعات في اليوم  ويكون اجر الساعتين الإضافيتين باحتساب الأجر الأساسي وزيادة قيمتها 25% , ورغم وجود القانون الا انه غير مطبق فحسب التقرير ان اغلب اصحاب العمل ينتهكون بنود القانون بشكل معتاد فيما يتعلق بدفع مقابل العمل الاضافي.

في ذات السياق واجه العديد من العمال المهاجرين ما يسمي بـ” استبدال العقود” حيث انهم اجبروا بعد وصولهم الي قطر علي القبول بعقود لا تتوافق مع شروط العقود التي وقعوها في بلدانهم مما عرض فئة كبيرة من العمال الي العمل القسري.

فيروس كورونا يزيد من وضع العاملين سوءًا 

رغم ان جميع المشاكل المتصلة بالأجور والتي واجهها العاملين في ظل تفشي الوباء ليست جديدة بما فيها الاجور المتأخرة والغير مدفوعة والانهاء القسري والترحيل دون الحصول علي المستحقات, الا ان الوباء كشف وعزز سبل انتهاك حقوق العاملين المهاجرين التي طالما انتهكت, حيث استخدم اصحاب الاعمال الجائحة كذريعة لحجب الاجور وبحسب صحيفة الغارديان فان العاملين الذين تعرضوا لمثل تلك الانتهاكات قد واجهوا خطر الجوع والتشرد في ظل عدم حرص الحكومة القطرية علي تنفيذ اجراءات الحماية الخاصة بانتهاك الاجور بالشكل اللازم.

جهود وهمية من جانب قطر

قامت قطر في عام 2015 بإدخال تعديلات علي قانون العمل, واطلقت نظام حماية الاجور, وهو نظام الكتروني لتحويل الرواتب, زعمت قطر انه مصمم بهدف ” ضمان التزام اصحاب العمل بدفع الاجور في المواعيد المحددة عن طريق تسلم العمال اجورهم عبر بطاقات الصراف الالي وحساباتهم المصرفية وما لا يأخذه نظام حماية الاجور في الحسبان هو  ان  أصحاب العمل يأخذون بطاقات الصراف الآلي الخاصة بالعمال قسرا ّ ومعها ارقامها السرية ويقومون بسحب الاموال نيابة عنهم.”

 وبكثير من الصخب ادخلت قطر عدد من الاصلاحات المجزأة فيما يتعلق بانتهاكات الاجور, ورغم تلك الاصلاحات الا انها كانت غير جدية, فلا يزال قرابة 700 الف عامل دون حماية, فضلًا عن الذين يعملون في الشركات الصغيرة, وعاملات المنازل واللاتي يشكلن حوالي 174 الف عاملة تحت العمل القسري علاوة علي عمال المصانع والمزارع الصغيرة, كل تلك الفئات  تم استبعادها عمدًا من نظام الحماية الذي لا يشمل حتي عقوبات كافية لمعاقبة حوادث انتهاك الاجور.

لذلك اعتبرت منظمة ” هيومان رايتس ووتش” أن جهود السلطات القطرية لحماية حق العمال الوافدين “غير ناجحة”

قطر ترد ” حالات فردية” 

اعترضت الحكومة القطرية  علي تقرير  منظمة ” هيومان رايتس ووتش” واصفة اياها بمحاوله تضليل الرأي العام ولكن المثير للسخرية هو انها في البيان الذي اصدرته لتعترض فيه علي التقرير, اعترفت ضمنيًا بوجود انتهاكات ضد العمال لديها، إلا أنها قالت إنها “حالات فردية”، وهي حجة اعتادت قطر التهرب بها من الانتهاكات التي ترصدها المنظمات الدولية خاصة وان كانت تلك الانتهاكات موثقة وهو في الواقع يُظهر عدم وجود النية والارادة من الجانب القطري في معالجة تلك الانتهاكات ورفع الأذى عن العاملين الذين طالتهم يد البطش لأصحاب الاعمال.

وضع محتقن واستجابات دولية

اتي تقرير هيومان رايتس ووتش بمثابة استجابة لصرخات استغاثة الكثيرين من العمال المهاجرين بقطر والذين تظاهروا بالمئات في مايو 2020, احتجاجًا علي عدم دفع اجورهم وسوء الاوضاع المعيشية لهم , لتضرب قطر اسوء الامثلة في معاملة العمال الوافدين علي اراضيها والتي وصفها الاتحاد الدولي لنقابات العمال في تقرير سابق بأنها “شكل من أشكال العبودية الحديثة”.

مما دعي تأسيس لجنة حقوقية معنية بمقاضاة قطر دوليًا في ملف أوضاع العمالة الأجنبية، و كان اهم اهداف اللجنة هو “إنصاف حقوق 1500 عامل فقدوا أرواحهم في قطر في بناء المنشآت الرياضية لكأس العالم لكرة القدم المقرر عام 2022.”

ختامًا, ووسط تصاعد وتيرة الانتقادات الدولية لحالة حقوق العاملين الوافدين في قطر, صرح  الاتحاد الدولي لكرة القدم  بأنه لديه سياسة لعدم التسامح مطلقًا مع أي شكل من أشكال التمييز وانتهاكات الاجور  فيما صرح مايكل بيج، نائب مدير الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومان رايتس ووتش، ان “لدى قطر سنتين قبل الركلة الأولى في مباريات كأس العالم. الوقت يمر بسرعة، وينبغي على الدوحة أن تُظهر الالتزام بوعدها في إلغاء نظام الكفالة، وتحسين أنظمة مراقبة الأجور، وتسريع آليات الانتصاف، ووضع تدابير جديدة لمعالجة انتهاكات الأجور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى