العراق

مستقبل الوجود الأجنبي في العراق بعد الانسحاب من معسكر التاجي

أعلن التحالف الدولي ضد داعش (23 أغسطس) تسليم الموقع رقم 8 في معسكر التاجي الذي يضم قواتٍ للتحالف إلى قيادة العمليات المشتركة العراقية، وانسحاب القوات الموجودة فيه، تزامنًا مع الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي إلى الولايات المتحدة والتي بدأت (19 أغسطس) وإجرائه الجلسة الثانية من الحوار الاستراتيجي بين واشنطن وبغداد الذي كانت جلسته الأولى في (11 يونيو).

 وذلك في وقت تتزايد فيه المطالبات بانسحاب القوات الأجنبية من العراق منذ مقتل قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس (3 يناير). وتُوّجت هذه المطالبات بتصويت البرلمان العراقي على قرار يلزم الحكومة بالعمل على إنهاء أي وجود للقوات الأجنبية بالعراق.

التاجي.. معسكر استراتيجي

يقع معسكر التاجي على بعد نحو 20 كم شمالي بغداد، وهو ثامن قاعدة عسكرية تنسحب منها القوات الدولية هذا العام. ويضم نحو 2000 جندي من قوات التحالف غادر غالبيتهم هذا العام، حسب بيان قيادة التحالف الدولي، وشملت العناصر الرئيسية المتمركزة في معسكر التاجي كتيبة طائرات هليكوبتر إسبانية ومدربين عسكريين من أستراليا وكندا وفنلندا وألمانيا والمجر وإيطاليا وهولندا ونيوزيلندا وبولندا وبريطانيا والولايات المتحدة والناتو، وكان الموقع 8 يُستخدم لتدريب الكوادر العراقية من قِبل القوات الأمريكية والأسترالية والنيوزيلندية.

اتجاهات ودوافع

شهد العام الجاري 2020 توجهًا من الولايات المتحدة والتحالف الدولي لسحب القوات من بعض القواعد العسكرية المنتشرة في العراق وإعادة تمركزها في قواعد تتمتع بحماية أكبر، في ضوء الهجمات التي طالت عددًا من هذه القواعد، وهذه القواعد التي جرى الانسحاب منها هي قاعدة القائم (19 مارس) وقاعدة القيارة الجوية (26 مارس) وقاعدة كركوك الجوية (29 مارس) ومواقع القصور الرئاسية (30 مارس) وقاعدة التقدم الجوية (4 أبريل) وقاعدة أبو غريب (7 أبريل) وقاعدة بسماية (25 يوليو).

ويتبقى للقوات الأمريكية وقوات التحالف بعض القواعد الأخرى أُعيد توزيع القوات فيها، وهي قاعدة بلد الجوية وقاعدة النصر في مطار بغداد، وقاعدة رينج في كركوك، بجانب قاعدتي عين الأسد بالأنبار والحرير في أربيل اللتين استهدفتهما إيران (8 يناير) ردًا على مقتل سليماني. وهناك عدة أسباب وراء هذا الانسحاب:

  • الاستهدافات الصاروخية

تواجه القوات الأجنبية في العراق ضغوطًا متزايدة منذ مقتل سليماني بفعل الهجمات الصاروخية على مواقعها من قِبل الميلشيات العراقية المدعومة إيرانيًا، وأحدثها “خلايا الكاتيوشا” التي ألقت القوات العراقية القبض على 14 عنصرًا منها، منهم ثلاثة إيرانيين (25 يونيو)، وهي الضربات التي أوقعت عشرات المصابين في صفوف القوات. ومن ثم لا يمكن استبعاد كون هذه الضربات أحد الأسباب التي دفعت قوات التحالف للانسحاب، ولكنها لا تسهم في انتصار إيران في معركة الوجود في العراق.

  • دعم الكاظمي

يعمل مصطفى الكاظمي منذ تشكيل حكومته (مايو 2020) على إعادة تشكيل وتحديث النظام السياسي العراقي تلبية لمطالب العراقيين. ويواجه في سبيل تحقيق ذلك الكثير من العراقيل والضغوط، وأهمها الميلشيات والفصائل المسلحة ومطالبها المستمرة بتنفيذ قرار البرلمان بإنهاء الوجود العسكري الأجنبي. وقد أضحت هذه المسألة أمرًا يؤرق الكاظمي ويضعف موقفه في ظل إصرار الميلشيات وكتل نيابية على هذا الخيار، وفي الوقت ذاته إصرار الكاظمي على سحب سلاح الميلشيات، وخاصة بعد الوقائع الأخيرة لاغتيال الميلشيات لناشطين عراقيين والتي تُظهر الحكومة عاجزة عن فرض سيطرتها.

ومن هنا كان الاتفاق بين رئيس الوزراء العراقي والرئيس الأمريكي على تنسيق هذا الانسحاب لتسكين الوضع الداخلي، وسحب هذه الورقة من أيدي الميلشيات والكتل النيابية المؤيدة لها، ومن ثم مُضي الكاظمي قُدمًا في مساره الإصلاحي.

  • الحفاظ على النفوذ الأمريكي في العراق

كانت الولايات المتحدة أمام خيارين بشأن انسحاب قواتها من العراق بعد قرار البرلمان، الأول: التصعيد والإصرار على وجود القوات وفرض العقوبات الاقتصادية، ومن ثم خسارة مصالحها الاستراتيجية وترجيح كفة النفوذ الإيراني. والثاني: احتواء المطالب العراقية والعمل على سياسة توافقية مع الحكومة العراقية في هذا الصدد.

اتبعت واشنطن الخيار الأول فور صدور قرار البرلمان؛ إذ هدد ترامب (6 يناير) بفرض عقوبات شديدة على العراق في حال الإصرار على مغادرة القوات الأمريكية، مؤكدًا عدم نية واشنطن سحب قواتها من العراق. ولكن سُرعان ما تراجعت واشنطن عن هذا الخيار، واعتمدت الخيار الثاني للحفاظ على مصالحها عبر إعادة نشر قواتها داخل العراق، والوعد بتقليص عددها. وتزايد هذا التوجه مع تولي الكاظمي رئاسة الحكومة، وتأكيد واشنطن في البيان الختامي للجلسة الأولى للحوار الاستراتيجي مع بغداد مواصلتها تقليص قواتها في العراق. وتأكيد ترامب للكاظمي خلال زيارة الأخير إلى واشنطن أن الانسحاب الكامل للقوات سيتم في غضون ثلاث سنوات.

  • تنفيذ الوعود الانتخابية

وعد الرئيس الأمريكي بتقليص الوجود العسكري الأمريكي خارج البلاد، وهو ما جاري تحققه في أفغانستان بتوقيع الاتفاق بين واشنطن وحركة طالبان (29 فبراير) والذي يقضي بسحب كامل القوات الأمريكية من أفغانستان خلال 14 شهرًا. ويعمل البنتاجون على سحب 4000 عنصرًا قبل نوفمبر.

وكذلك الأمر في سوريا إذ قرر ترامب (ديسمبر 2018) سحب القوات الأمريكية من سوريا، قبل أن يقرر الإبقاء على 400 مقاتل لحماية المواقع النفطية في الشمال الشرقي. يأتي الانسحاب الأخير من معسكر التاجي ضمن نفس الاستراتيجية التي يتبعها ترامب؛ إذ يهدف إلى التأكيد للأمريكيين أنه ماضٍ في تنفيذ وعوده واستثمار ذلك كورقة انتخابية قبيل الانتخابات (نوفمبر المقبل).

انسحاب تكتيكي

يمكن وصف الانسحاب الأخير من معسكر التاجي بأنه انسحاب تكتيكي، أو إعادة انتشار للقوات، سواء في قواعد أخرى داخل العراق مثل الانسحابات السبعة الأخرى، أو إعادة انتشارها وتوزيعها في قواعد أخرى خارج العراق وقريبة منه، مثل القواعد الموجودة في الجانب السوري من الحدود السورية العراقية، مثلما حدث (22 أغسطس) بإدخال رتل يضم 50 آلية عسكرية إلى القواعد الأمريكية بالسويدية في ريف الحسكة قادمة من العراق. أو نشرها في قاعدة عريفجان الأمريكية في الكويت. التحركات الأخيرة لن تُفضي إلى انسحاب كامل للقوات من العراق، وذلك لعدة أسباب، ومنها:

  • المواجهة مع إيران

يصعب على واشنطن أن تتخذ قرارًا بانسحاب كامل قواتها من العراق في ظل المواجهة المستمرة مع إيران وسياسة الضغط الأقصى التي تتبعها ضد طهران، فمن شأن هذا الانسحاب أن يعزز ترسيخ وجود إيران في العراق وإبراز وترسيخ قوتها في المنطقة، وزيادة التهديد الإيراني لمصالح واشنطن وحلفائها بالمنطقة؛ فالعراق يُعدّ نقطة محورية في صراع واشنطن وطهران، والوجود العسكري في العراق هو الذي مكّن الولايات المتحدة من موازنة النفوذ الإيراني الذي تصاعد هناك منذ 2003.

ومن ثم فالانسحاب من العراق يقوض جهود واشنطن في مواجهة إيران في العراق وخارجه، ويفتح الباب لطهران للسيطرة على الوضع الأمني والعسكري عبر الحرس الثوري والميلشيات التابعة لها. بجانب الإمساك بزمام الأمور داخل الحكومة العراقية، خاصة وأن الكاظمي بقدر تفاهماته مع الإدارة الأمريكية يمسك العصا من المنتصف بشأن الصراع بين واشنطن وطهران. وقد التقى قبيل توجهه إلى واشنطن قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني حسب بعض التقارير.

  • الحرب على داعش

أسهمت القوات الأمريكية وقوات التحالف في العراق في إعلان القضاء على وجود تنظيم داعش، وقد يؤدي انسحاب القوات من العراق إلى تزايد نشاط التنظيم على الأراضي العراقية، وتزايد مخاطر استهداف التنظيم للمصالح الأمريكية في العراق أو سوريا، وصعوبة مواجهته في ظل عدم امتلاك القوى الأمنية العراقية القدرة على ملاحقة ما تبقى من عناصره، في ظل اعتمادها لفترات طويلة على الدعم التدريبي واللوجستي والمعلوماتي لقوات التحالف، وهو ما سيؤدي إلى لعب طهران هذا الدور. كما سيحول انسحاب القوات من العراق دون وجود مناطق دعم قريبة للقوات الأمريكية المتمركزة شمال شرق سوريا.

  • الاهتمام الروسي والصيني

أصبحت منطقة الشرق الأوسط نقطة مهمة في المنافسة بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، ويُعدُّ العراق أحد أبرز الساحات المرشحة لهذه المنافسة، في ضوء اهتمام الصين بالعراق باعتباره جزءًا أساسيًا من مبادرة الحزام والطريق، وشريكًا اقتصاديًا وتجاريًا مهمًا.

وتسعى روسيا إلى منافسة الولايات المتحدة في العراق، وتقوية العلاقات معه لإعادة تسويقه كقوة مهمة في الشرق الأوسط، وتعظيم التعاون العسكري معه عبر زيادة مبيعات السلاح وتقديم الدعم للقوات الأمنية والعسكرية، فضلًا عن تعزيز استثمارات شركات النفط والغاز الروسية في العراق.

ومن ثم سيمثل الانسحاب الأمريكي من العراق فرصة مهمة ستعمل روسيا والصين على استغلالها عبر تعظيم علاقاتهما الدبلوماسية أو الاقتصادية أو العسكرية مع العراق.

إجمالًا، لا يُعدّ انسحاب قوات التحالف الدولي ضد داعش من معسكر التاجي في العراق إيذانًا بانسحابها تمامًا من الأراضي العراقية، أو التسليم بقرار البرلمان العراقي لإنهاء الوجود الأجنبي في العراق. وبقدر الأسباب العديدة التي قد تقف وراء هذا القرار بالانسحاب الذي سبقته انسحابات من قواعد أخرى في العراق، فإن العواقب التي سيخلفها ذلك الانسحاب لن تقبل الولايات المتحدة ودول التحالف تحققها، ومن ثمّ فإن خيار الانسحاب الكامل من الأراضي العراقية غير وارد حاليًا في الرؤية الاستراتيجية لواشنطن، رغم تحديد الرئيس الأمريكي ثلاث سنوات لتحقيق الانسحاب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى