مقالات رأي

محمد أبو الفضل يكتب : الدوران حول الأزمة الليبية

يقولون إن أقصر طريق للوصول إلى الهدف هو الخط المستقيم. وفي الأزمة الليبية تصمم الكثير من القوى الدولية على الدخول في دهاليز وتعرجات سياسية.
ويقوم الدبلوماسيون بجولات مكوكية بين عواصم مختلفة لطرح مبادرات أو جس النبض تجاه حلول معينة من دون أن تتطرق مباشرة لجوهر المشكلة وهو انتشار الميليشيات والمرتزقة والإرهابيين برعاية سياسية وغطاء عسكري من تركيا، ويتحكم هؤلاء في مفاصل القرارات التي تتخذها حكومة الوفاق في طرابلس.
لم تعد الأزمة بحاجة لمزيد من الشرح والتوضيح، فالقوى المنخرطة في الحرب واضحة، والجهات الداعمة للمتطرفين لا تنكر ذلك، وعناوين الحل معروفة.
فلماذا يستمر اللف والدوران وتصر بعض الدول على تجاهل المقاطع الرئيسية في الأزمة التي أدت إلى هذا المأزق؟ ولماذا الصبر الطويل على كل الخروقات التركية، والانتهاكات التي قلبت التوازنات التقليدية، وتريد لي أعناق ما استقر من ضوابط في مجال الجغرافيا السياسية؟
تشير الإجابة إلى عدم وجود إرادة دولية حقيقية لتسوية الأزمة الليبية، كأن هناك قوى ترتاح لما تقوم به أنقرة من تخريب متعمد وسعي نحو مزيد من تعقيد الأزمة حتى تصبح عصية على الحل، ما يمنحها قدرة أكبر على المناوشات، وتوسيع نطاق الهيمنة.
كل الخطوات التي اتخذت تأتي عند معضلة تركيا وتحاول استخدام عبارات فضفاضة، والقفز فوق المعالم الرئيسية لدورها الذي استغل ضعف حكومة الوفاق وتمترس داخل الكثير من الدولايب العسكرية والسياسية والاقتصادية في غرب ليبيا.
تولد يقين لدى عدد كبير من المتابعين أن هناك دولا كبرى سعيدة بتعويم تركيا في المياه الليبية، والهروب من التوافق حول خطوات محددة لردعها، ونسيان القرارات الدولية الخاصة بتهريب الأسلحة والمرتزقة والإرهابيين وتأجيج الحرب، والتغافل عن عدم شرعية حكومة الوفاق ذاتها التي منحت أنقرة صكوك غفران في المجالات الأمنية والسياسية والبحرية، وما خفي كان أعظم، وعدم التفكير الجاد للشروع في تغييرها.
ترتاح بعض القوى للضجيج السياسي الذي تحدثه زيارات ولقاءات وحوارات مسؤولين أوروبيين وأميركيين مع بعض الجهات المعنية بالأزمة، وتتقاعس عن الترتيبات اللازمة لتدشين ما تتمخض عنه.
في كل المناقشات التي تتم ثمة حرص على الحديث بروح عادلة، قوامها ضرورة عد التمادي في الاقتتال، والحفاظ على وقف إطلاق النار، وتعظيم أهمية دعم الحل السياسي.
لم تتمخض هذه الشعارات عن خطوات ملموسة في أي من هذه الزوايا، بما أدى إلى التعامل معها على أنها نوع من دبلوماسية العلاقات العامة، والتي يريد أصحابها اثبات حضورهم في دفتر الأزمة من دون أن يكلفهم ذلك اتخاذ إجراءات صارمة تجاه الأطراف التي تسببت في الانسداد.
قادت هذه السياسة إلى منح تركيا جرأة نادرة في استعراض عضلاتها في ليبيا، والمضي قدما في توريد المعدات العسكرية وضخ المرتزقة بأرقام فلكية، فقد أيقنت أنقرة أن المعركة مستمرة وتستلزم تكديس كميات هائلة من الأسلحة، وشحن الآلاف من المرتزقة.
وإذا لم تستطع تجاوز الخط الأحمر في الشرق الليبي، الذي حدده الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ شهرين، أي خط سرت الجفرة، بإمكانها السيطرة على الغرب، وزرع قواعد عسكرية تابعة لها، والقبض على مفاتيح موانئ مثل الخُمس ومصراتة.
تجري تفاصيل هذه الخطوات في العلن، ولم تتحرك القوى الدولية الباكية على ما وصلت إليه ليبيا، وربما تسعى إلى زيادة وتيرة الالتفاف عبر طرح مبادرات من نوعية جعل سرت والجفرة منطقة منزوعة السلاح، ما يصب في صالح حكومة الوفاق وتركيا وأعوانهما من المرتزقة والمؤدلجين.
تنطوي الفكرة على مكونات خبيثة، وتصطحب معها تصرفات قد تغير من التوازنات الراهنة في الوسط والشرق الليبي، وتفضي إلى شرعنة الميلشيات.
توفر المبادرات المنقوصة والتصورات العاجزة وقتا لتركيا لترتيب أوراقها في ليبيا، لأن حالة اللاسلم واللاحرب يمكن أن تكون مثالية لها لترتيب أوضاعها، وحل التناقضات المتصاعدة داخل حكومة الوفاق. والأهم زيادة شحن الأسلحة، والتحايل على ما تريده بعض الدول الأوروبية من فرض طوق بحري لمنع تهريبها إلى ليبيا.
من يريد الحل يجب أن يذهب إلى الضغط على تركيا أولا بكل الوسائل الممكنة، وهي كثيرة ومتعددة، بدلا من النفخ في الدور الذي تقوم به شركة فاجنر، وتضخيم الهواجس الغربية من تنامي نفوذ روسيا في ليبيا وجنوب البحر المتوسط.
إذا كانت هذه المسألة صحيحة ودقيقة، فالطريق إليها يأتي من تطبيق التوجه نحو منع التدخلات الخارجية. وهناك أرقام معلنة بشأن المرتزقة السوريين الذين دفعت بهم تركيا إلى ليبيا، وشحنات محددة لأسلحة حملتها سفن تابعة لها وفرغت حمولاتها في وضح النهار داخل موانيء ليبية.
الأخطر أن تركيا وقطر قامتا بتجنيد المزيد من المرتزقة من دول أفريقية، ما يضاعف من المأزق، ويضاعف من صعوبة التخلص من هؤلاء، لأنه قد يتم ادراجهم ضمن المؤسسة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية في حكومة الوفاق، ومنحهم هويات وطنية تمنع التخلص منهم إذا قدر أن يكون هناك حل سياسي مناسب في المستقبل.
يفضي التردد والارتباك والبطء في التعامل مع الأزمة إلى إيجاد واقع مرير على الأرض، يحتاج تغييره إلى جهود مكثفة، يمكن أن تدفع ضريبتها الدول التي وقفت تتفرج وشاهدت تفاصيل الأحداث تمر أمام أعينها ولم تتدخل، واكتفت بقناعة تشي لها بأن ما يجري لن يمس مصالحها الاستراتيجية، أو يمكن أن يؤدي إلى انهاك القوى المنخرطة في الحرب ويسهل تقويضها عندما تأتي اللحظة المناسبة.
يتجاهل هذا السلوك وجود تحولات يمكن أن ترسم خريطة جديدة تتطلب دفع تكاليف مادية ومعنوية باهظة، لأن دول الجوار لن تقف مكتوفة الأيدي وتتفرج على تركيا وهي تقوم بتحركات تمس أمنها القومي، فعند حد معين قد تتحرك مصر عسكريا حتى ولو لم تتجاوز أنقرة والمرتزقة الخط الأحمر المعروف، فهدفه ليس الدفاع عن شرق ليبيا، بل الحفاظ على وحدة الدولة ومنع انهيارها أو تحويلها لدولة فاشلة تماما.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى