مقالات رأي

د.محمد حسين أبو الحسن يكتب : مصر.. وحلفاء إثيوبيا

في أوقات الشدة يظهر المعدن الحقيقي للشعوب، ولعل مصر لم تشهد عبر تاريخها تحديا أخطر من تعدي إثيوبيا على أمنها القومي؛ عبر إقامة سد النهضة وعرقلة الاتفاق حول ملئه وتشغيله، وسعيها لرسم خريطة جديدة لتقاسم المياه بين دول منابع النيل ودولتي المصب، مما يعني تصعيدا حادا في الصراع يصعب تصور نتائجه.
تهدف إثيوبيا وحلفاؤها وداعموها لإعادة نحت موازين القوى وتشكيل المشهد الإقليمي، وتبرز القاهرة عقبة وحيدة أمام إخلاء الميدان لقوى يجري تسمينها لتحكم المنطقة: إسرائيل وإيران وتركيا وإثيوبيا.
كل هذا يبدو ظاهرا، لكن المحجوب عن الأنظار، أن شقا كبيرا من ذلك يجري بأموال عربية، لاسيما الخليجية، ولعل تدفق استثمارات العرب على إثيوبيا في ظل اشتعال أزمة السد مع مصر والسودان، مثال السوء في هذا السياق، إذ تسهم هذه الأموال بمواصلة النظام الإثيوبي المراوغة والجموح، لايرتاح الشعب المصري لذلك، نعم من حق كل دولة أن تتخذ خطوات تكفل مصالحها، لكن ليس على حساب “الشقيقة الكبرى”، إن أهم لبنة في مفهوم “الأمن القومي” المصري – ومن ثمّ العربي- هى ضمان جريان مياه النيل للسودان ومصر، لذلك يعتب رجل الشارع على الأشقاء دعم إثيوبيا، بينما تنهب حقوق دولتي المصب.
النقطة الأهم أن المصريين لو تفهموا دوافع الدول الشقيقة للاستثمار الكثيف بإثيوبيا، فإنهم يتعجبون أنه لا دولة منها استغلت نفوذها لدى صانع القرار الإثيوبي لتليين موقفه المتعنت؛ وصولا إلى اتفاق متوازن- لن نتحدث هنا عما تفعله أموال قطر وإعلامها في ملف السد- بعضهم اكتفى ببيانات “شكلية” من مقاعد المتفرجين، دون انغماس مطلوب في تقريب وجهات النظر أو الضغط على إثيوبيا بسلاح لا يرد، سلاح المال الذي تبرع هذه الدول في توظيفه، وكأن القاهرة والخرطوم لا تتعرضان لتهديد وجودي؛ بما يدفعنا للتساؤل: ترى لو أن إيران أو تركيا هددت جديا هذه الدولة الشقيقة أو تلك، فهل تغفر لمصر لو وقفت منها الموقف نفسه الذي تتخذه تجاه إثيوبيا اليوم؟!.
أيضا، لا مجال للتذكير بالدور الأساسي للسودان تحت حكم البشير، في صنع الأزمة، فلولا سياسة المكايدة التي اتبعها تجاه مصر وارتمائه على عتبات إثيوبيا، ما نجحت أديس أبابا في العدوان على حقوق السودان قبل مصر. في ظني أن سقوط الأقنعة عن الوجه الإثيوبي وانكشاف نواياه هو ما أسهم في تغيير الموقف السوداني بدرجة ما، بعدما أفاق على الخديعة. هنا لابد من الإشادة بزيارة رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي للسودان هذا الأسبوع، بوصفها خطوة لإعادة بناء شراكة استراتيجية شاملة بين شعبي وادي النيل، بأمل ردم الفجوات التي خلفتها سياسات خاطئة للأنظمة السابقة جنوب وشمال خط عرض 22، وبعيدا عن العقد النفسية التاريخية السودان أهم دولة لمصر، ومصر أهم دولة للسودان الذي يمر بمفترق طرق حاليا.
كذلك لا أريد التذكير ببقية طابور حلفاء إثيوبيا: إسرائيل العقل المدبر والمستفيد الأكبر من سد الخراب الإثيوبي، والولايات المتحدة القوة العظمى التي فشلت بفرض “اتفاق واشنطن” على إثيوبيا التي تهربت من توقيعه، في تمثيلية متفق عليها. تركيا التي تربطها اتفاقية دفاع مشترك مع أديس أبابا (ضد من؟!) وإيطاليا التي تبني السد، وألمانيا التي تقدم التوربينات، المدهش أن بعض هذه الدول تربطه علاقات متينة مع مصر، مثلا الصين التي شاركت في السد تمويلا وبناء، متناسية أن مصر هي أول دولة اعترفت بها في العالم الثالث، وأن الدولتين تربطهما اتفاقية شراكة استراتيجية، والتبادل التجاري بينهما 13 مليار دولار سنويا، ولم تساوم القاهرة أبدا بالورقة التايوانية، بل إن مصر بقدراتها وموقعها أحد أحجار الزاوية لمشروع القرن الصيني (الحزام والطريق).. فكيف لا يضع الأشقاء والأصدقاء شواغل القاهرة في اعتبارهم وهم ينزلون إلى النيل!.
حبر كثير يمكن سكبه في الكتابة عن الأمر، لكن الثابت أن علاقات الدول تقوم على المصالح، وإذا كانت مصر تتعرض لجحود الأشقاء، فالمؤكد أن أدوار الدول لا تشترى، بل تصنع وتفرض، بثقل التاريخ ومعادلات القوى الطويلة، يشقى بعضهم في تحصيلها دون أن يجد إليها سبيلا، يظل يعاني دوارا سياسيا مستمرا. العرب اليوم في أسوأ حالاتهم ضعفا وتفككا وغياب الرؤية، يحتاجون لدور مصر أكثر مما تحتاجهم؛ حتى لو توهم بعضهم غير ذلك؛ لذا تمثل قضية السد فرصة لتصحيح المسارات عربيا، ولجم الصلف الإثيوبي؛ فالمعدن المصري غير قابل للكسر.

نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى