روسيا

” الداخل البيلاروسي” ..قراءة في مشهد مضطرب

تسارعت وتيرة الأحداث بشدة خلال الآونة الأخيرة على الصعيد الداخلي البيلاروسي بمجرد أن أعلنت اللجنة المركزية للانتخابات في بيلاروسيا –الاثنين 10 أغسطس- فوز ألكسندر لوكاشينكو الرئيس الحالي للبلاد بولاية رئاسية سادسة بعد أن حصل على نسبة 80,23% من الأصوات خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة. 

و اندلعت مظاهرات حاشدة في العاصمة مينسك وعبر عددً من المدن الأخرى في أعقاب الإعلان عن فوز الرئيس لوكاشينكو، الذي يحكم البلاد بالفعل منذ فترة تتجاوز الربع قرن.

فيما تضمن إعلان اللجنة المركزية للانتخابات، عن الإفصاح عما أحرزته أبرز منافسي لوكاشينكو، وهي سفيتلانا تيخانوفسكايا والتي تعد منافسا رئيسيا للوكاشينكو. ووفقًا لليديا يرموشينا رئيسة اللجنة المركزية للانتخابات، فإن تيخانوفسكايا حصدت  9.9% من إجمالي الأصوات. فيما حصل  باقي المرشحين الثلاث على أقل من 2%. 

نظرة على خلفية المنافسة الانتخابية 

تبلغ المُرشحة الرئاسية السابقة سفيتلانا تيخانوفسكايا من العمر 37 عامًا. قضت حياتها في فترة ما قبل انخراطها في العمل السياسي بالعمل إما مترجمة أو ربة منزل. وبدأت حياتها السياسية الفعلية منذ لحظة إقدامها على التسجيل والترشح في الانتخابات الرئاسية بتاريخ مايو 2020، بدلاً عن زوجها الذي رفضت اللجنة المركزية للانتخابات قبول أوراقه للترشح واعتماد التوقيعات التي جمعها، بسبب وجوده رهنالاحتجاز الإداري في تلك الفترة.

 يُذكر أيضًا أن زوجها سيرجي تيخانوفسكي، هو مدون روسي شهير ومُقدم إحدى البرامج التليفزيونية، ومعارض بيلاروسي وسجين سياسي. واضطرت تيكانوفسكايا –يوليو 2020- أن تقوم بإرسال اطفالها الى الاتحاد الأوروبي بعد تلقيها لتهديدات من السُلطة تُفيد باحتمالية سحب حقوقها في الحضانة على أطفالها. كما غادرت سفيتلانا بسرعة مدهشة باتجاه ليتوانيا -10 أغسطس- الجاري بمجرد أن تم الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية.                                         

أسباب الاستياء العام في الداخل البيلاروسي

للوهلة الأولى، قد يبدو الشعب البيلاروسي في عين السائح أو الزائر كما لو كأنه شعب طيب للغاية يمتلك قائمة واسعة من الاهتمامات تخلو تمامًا من بند يشتمل على الاكتراث بالحياة السياسية في بلاده. لكن الحقيقة ووفقًا للشواهد المسبقة، يبدو جليًا أن حالة الاستياء التي تجري في الوقت الراهن ليست وليدة اللحظة، أو حتى وليدة الحدث.

فقد عانت بيلاروسيا من احتجاجات مُشابهة في عدة مواقف سابقة، من ضمنها أثناء الاحتجاجات التي تلت استفتاء عام 2004 الذي تم بموجبه إقرار حق الرئيس لوكاشينكو بإعادة الترشح على منصب رئيس الجمهورية بعد أن كان على وشك الانتهاء من قضاء فترة ولايته الثانية والأخيرة في كرسي الحُكم. وتلي ذلك أن تم اجراء الانتخابات البرلمانية في نفس العام، واندلعت الاحتجاجات في أعقاب كلاً من الحدثين بسبب عدم الرضا الشعبي على النتائج النهائية المُعلنة، كما رافق تلك الاحتجاجات شن حملة اعتقالات واسعة النطاق صاحبتها ردود فعل عنيفة من الشرطة. 

والمشهد الفوضوي الحالي يُعد مشهد ليس غريبا على أعين المتابعين نظرًا لأنه تكرر من قبل في مرات كثيرة من ضمنها اثناء انتخابات 2006 و2010 الرئاسية. وفي كل مرة كانت تندلع احتجاجات ترفض النتائج المعلنة، كانت تلك الاحتجاجات تواجه بالعنف الشديد والقمع والقسوة من تلك الشرطة. وكذا الحال تتلقى بفعلها الدولة البيلاروسية انتقادات غربية وحقوقية لاذعة. كما يجب ألا نغفل ما فعلته الشرطة البيلاروسية بحق المتظاهرين والمُرشحون المنافسون للوكاشينكو خلال انتخابات 2010، فقد تم التنكيل بكل المرشحون وحصلوا على أحكام تعسفية بالسجن لفترات طويلة. كما أنه قد تم التنكيل بالمتظاهرون وتلقوا ردود فعل عنيفة وواجهوا حملة اعتقالات ضخمة. وفي الوقت الذي يرى فيه لوكاشينكو أنه لا يوجد ما يسمى بمتظاهرين حقيقيين وأن هؤلاء الموجودون في الشوارع ليسوا أكثر من مجرد ذوي سوابق إجرامية ومدفوعون لأجل إحداث فوضى.

 يرى الجمهور البيلاروسي أن التضامن مع تيخانوفسكايا لا يعد تضامنا مع شخصها او مع فكرة برنامجها الانتخابي بحد ذاته. لكنه في الأصل تضامن ودعم شعبي حصلت عليه بسرعة مدهشة، بفعل تنامي شعور واسع بحالة الإحباط واليأس، التي عادة ما تعقب كل انتخابات تُعلن الدولة أنها سوف تكون نزيهة وشفافة، ولكن سرعان ما يتضح العكس. وبالنسبة للمتظاهرين البيلاروسيين، الأمر قد يكون مجرد تظاهر لأجل الحصول على حقوقهم في اجراء انتخابات عادلة تتيح الفرصة أمام الجميع. بالشكل الذي يباعد بين تصوير تيخانوفسكايا باعتبارها بطل شعبي خالص، ويجعل منها أقرب الى أن تكون شخص وضعته الظروف في المكان المناسب في أعين المتظاهرين.

سيناريوهات مُتعددة…وقراءة في دلالات ما بين السطور

من خلال مُطالعة متأنية للمشهد الداخلي البيلاروسي، هناك عدة تساؤلات تطرح نفسها. أولها، هل تقف بيلاروسيا الآن بصدد ثورة ملونة جديدة تضاف إلى سجل الثورتين الأوكرانية والجورجية؟! السؤال الثاني، سوف يظهر بمجرد أن تكون الإجابة على الأول بنعم. وهنا ينبغي التساؤل حول الطرف الذي قد يُحقق أكبر استفادة من وراء تطور الأمور على هذا النحو؟!                                                                              

قد تُمثل احتمالية وصول الأمور الى الحد الذي تبلغ معه المسألة الى حد الثورة، وإلى حد الإطاحة بالرئيس والمطالبة بمعاقبته. فرصة ذهبية أمام الغرب وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية، لما تحمله فرصة وصول نظام جديد الى الحكم في منطقة ملاصقة لموسكو، وتعتبرها إحدى مناطق النفوذ الجيوسياسي الأولى. 

وترى أن أي تواجد غربي سواء من خلال شخص موالي للغرب كما الحال بالنسبة لأوكرانيا، أو حتى من خلال أي تحالف مستقبلي قد ينشأ بين رئيس بيلاروسي جديد وحلف الناتو خطورة قصوى على نفوذها وأمنها. نظرًا لأن من يقف في بيلاروسيا يستطيع لا يفصله سوى مسافة 500 كيلو متر كي يصل الى موسكو أو سانت بطرسبرج على سبيل المثال.                                            

  وبما إن احتمالية سقوط الحكم تظل مطروحة بقوة في الوقت الراهن، خاصة مع تنامي أعداد المتظاهرين وعدم وجود أي دلالات تُبشر بالتهدئة. فهذا يجعل من إمكانية وصول شخص موالي للغرب الى الحكم في بيلاروسيا أمرًا غير مستبعد. فقد أعلنت عددًا من الدول الأوروبية لرفضها التام والشامل للطريقة التي أديرت بها العملية الانتخابية خلال الانتخابات الأخيرة. كما أكدت على عدم اعترافها بشرعية لوكاشينكو كرئيسًا للبلاد. وهي جميعها دلالات لا تُبشر بالتهدئة وتؤكد على التأهب الغربي للقفز على المرشح الرئاسي الجديد الذي أشاعت تقارير عن وجود تواصل ألماني مباشر معه. 

و أشاعت تقارير أخرى عن أن مقربين من الرئيس لوكاشينكو يتباحثون في الوقت الراهن في إمكانية هروب لوكاشينكو الى روسيا في حال احتدمت الأمور ووصلت الى المرحلة النهائية.                                                      

 ومن زاوية أخرى، تقف هناك موسكو التي أظهرت رد فعل غامض ونوع غريب من التفاعل مع الأزمة برمتها منذ البداية. إذ أن بوتين لم يتصرف بالطريقة التي تعكس مدى حساسية الوضع المتوتر في بيلاروسيا وانعكاسات هذا الأمر مستقبلاً على بلاده. كما أنه لم يخرج حتى الآن في كلمة متلفزة واحدة مُعلنًا عن خطوات ملموسة تعتزم موسكو اتخاذها لأجل التهدئة أو لأجل أي خطوات أخرى. وكل ما يظهر من ردود أفعال تابعة لموسكو هي ما يُنشر على لسان الرئيس لوكاشينكو نقلاً على لسان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. كما أن وسائل الإعلام الروسية تواصل تقديم متابعة حية لمجريات الأحداث على الأراضي البيلاروسية، وتلك المتابعة على الرغم من أنها تبدو حيادية بحتة وتبدو في صورة الاكتفاء بمجرد نقل ونشر المعلومات، الا أنها تنم عن ميول باطنية لدى الروس نحو تفضيل كفة المتظاهرين. وهو ما يعكس دلالات أخرى حول طبيعة وحقيقة الموقف الروسي إزاء ما يجري في بيلاروسيا.                    لأجل الوقوف على طبيعة الموقف الروسي، تجدر الإشارة أولاً إلى موجز حول خلفية العلاقات بين البلدين، تلك العلاقات التي تجمعها صداقة تاريخية طويلة الأمد. أو بمعنى أدق، يمكن أن نصف تلك العلاقة بأن مينسك لطالما كانت تحرص على أن تعيش وتمارس حياتها السياسية داخل إطار العباءة الروسية. لكن هذه الصداقة القديمة لا تعني أن العلاقات بين البلدين لم تشبها توترات في الآونة الأخيرة حول تفاصيل ما يُطلق عليه أسعار المناورة الضريبية. وما ساعد على تفاقم التوترات بينهما هو رفض بيلاروسيا لإنشاء قاعدة عسكرية روسية على أراضيها. كما أن كل هذه الصداقة القديمة التي كانت طوال سنوات –ما قبل التوترات الأخيرة- تسير على وتيرة واحدة، لم تنفي أبدًا فكرة النفوذ السوفيتي السابق لدى موسكو ولدى بوتين نفسه. والدليل على ذلك يظهر في تصريحات لبوتين خلال أكثر من مناسبة يؤكد من خلالها أن شعوب بلدان الاتحاد السوفيتي السابق هي روسية في الثقافة والهوية وأمور من هذا القبيل. مما يعكس طموح موسكو –الغير منسي- في إعادة ضم بيلاروسيا بشكل رسمي تحت لواء العلم الروسي، وإن جاز التعبير أن هذا الطموح موجود ويضعه بوتين نصب عينيه، لكنه لأسباب منطقية واقتصادية بحتة يعجز عن تكرار نفس سيناريو شبه جزيرة القرم مع مينسك. إذ أن الاقتصاد الروسي المتضرر لن يتحمل أبدًا المزيد من العقوبات جراء اتخاذ خطوات إضافية وضم المزيد من الأراضي، لهذا السبب مارست موسكو نفوذها وسخرت أدواتها خلال الآونة الأخيرة، في محاولة منها لإجبار مينسك على الرضوخ والتقدم بشكل طوعي بطلب الانضمام الى روسيا. لكن هذا الأمر لم يحدث ولن يحدث على الأرجح لأسباب كثيرة، على رأسها وجود لوكاشينكو نفسه وتمسكه بالسلطة بشكل غير منقطع النظير. واستعداده لبذل كل ما هو ممكن وغير ممكن لأجل البقاء في منصب الرئيس، وهذه الرغبة تظهر بوضوح عبر متابعة ردود أفعاله إزاء أي مظاهرات واحتجاجات اندلعت في بلاده. إذ أن الاحتجاجات عادة ما تُقابل بردود عنيفة ودموية للغاية.                                                                        

كما لا يجب أن ننسى الخطوة التي اتخذتها مينسك في ماضي قريب قبيل عقد الانتخابات الأخيرة، واعتبرتها موسكو تحرك استفزازي للغاية.  عندما وقعت الاعتقال بحق 32 مواطنا روسي، ادعت مينسك أنهم مقاتلو فاجنر. بحيث أعلن اندريه رافكون سكرتير مجلس الأمن القومي البيلاروسي للصحافيين -30 يونيو- إن “الأشخاص اللذين تم توقيفهم بالقرب من مينسك كان يشتبه في حضورهم إلى البلاد، لأجل التحضير لعمليات إرهابية على أراضي بيلاروسيا”. مضيفًا “أنه بحسب المعلومات التي وردت إلى أجهزة الأمن البيلاروسية، فإن هؤلاء كان عددهم الرئيسي حوالي 200 مقاتل، وأنه يجري البحث عن الآخرين”. فيما نفت موسكو على الفور من جانبها هذه الادعاءات.

وبناء عليه، قد تبدو فكرة وجود رغبة حقيقية لدى موسكو في استبدال لوكاشينكو مقابل سفيتلانا تيخانوفسكايا –فكرة قائمة- وأكثر ملائمة لموسكو. كما أن شخص سفيتلانا تيخانوفسكايا، قد يكون أكثر ملائمة للخضوع والتحكم من قِبَل بوتين. إذ أنها امرأة صاحبة خبرة سياسية منعدمة، وليس لديها رؤى للمستقبل سوى وعود بعقد انتخابات مستقبلية نزيهة بالإضافة إلى إدراج عددًا من التغيرات الدستورية فقط. كما أنها عندما قررت الهرب اتجهت نحو ليتوانيا، ولم تهرب صوب أوكرانيا على سبيل المثال. كما أنه عندما تم سؤالها عن أي دولة تحديدًا تتبع شبه جزيرة القرم، ردت بعبارة دبلوماسية مُبهمة وغير محددة التوجهات. بأن قالت إنها أوكرانية ولكنها في الحقيقة روسية!

هناك أيضًا سيناريو آخر محتمل، يعكس قدرة بوتين على تحقيق مكاسب خاصة من الوضع الراهن، سواء في حالة وصول تيخانوفسكايا إلى الحكم من عدمه. إذ أن مجرد وصول الأمور إلى هذه المرحلة، كفيل بأن يضع لوكاشنيكو في موقف الضعيف المحتاج إلى الدعم العاجل من موسكو. وعندها حتى لو هدأت الأمور وبقي في منصبه كرئيس وتلاشى عنه خطر الاستبدال، سوف تكفل هذه الاحتجاجات وتتابعتاها بإرغامه على لعب دور الفتى المطيع أمام موسكو لفترة زمنية طويلة مُقبلة.

  وختامًا، في عالم السياسة قد يحمل المستقبل القريب مفاجآت جديدة تضرب بكل السيناريوهات المحتملة عرض الحائط. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى