دول المغرب العربي

موقف النهضة من حكومة المشيشى فى تونس

تشهد تونس أزمة في تشكيل الحكومة منذ 2011 حيث تعاقبت العديد من الحكومات بداية بحكومة حمادى الجبالى ديسمبر 2011 ثم حكومة على العريض مارس 2013 ثم حكومة مهدى جمعه يناير 2014 وبعدها حكومة الحبيب الصيد في فبراير 2015، ثم حكومة يوسف الشاهد أغسطس 2016، ثم إلياس الفخفاخ فبراير   2020 ويمكن تفسير هذه الأزمة في ضوء الاختلاف السياسي والإيديولوجي الذي سيطر على بعض من هذه الحكومات، وعدم وجود أغلبية برلمانية تنفرد بتشكيل الحكومة، مما أدى إلى عدم استقرار أي منها وآخرها حكومة إلياس الفخفاخ التي استقالت في يوليو الماضي، لذا تم تكليف حكومة برئاسة وزير الداخلية هشام المشيشى.

حكومة المشيشى

تم تكليف هشام المشيشى وزير الداخلية التونسي بعد استقالة إلياس الفخفاخ في 15 يوليو بتشكيل الحكومة، وقد بدأ هشام المشيشى مشاوراته حول تشكيل الحكومة مع عدد من النواب والكتل البرلمانية[1]، وبعض النواب غير المنتمين إلى كتل، بالإضافة إلى رؤساء الحكومات السابقة، وحسب النص الدستورى يقوم المشيشى بتشكيل الحكومة في غضون شهر منذ بداية التكليف في 26 يوليو الماضي، إلا أن هناك اتجاهين بشأن شكل الحكومة القادمة، أحدهما يؤيد تشكيل حكومة كفاءات مستقلة والآخر يرفض. الأول يضم كل من الدستوري الحر(16 نائب) والإصلاح (16 نائب) والكتلة الوطنية (11 نائب) وتحيا تونس (10 نائب) ويؤيد خيار تشكيل حكومة كفاءات مستقلة، والثاني يضم كل من النهضة (54 نائب) والكتلة الديمقراطية( 38 نائب) وكتلة قلب تونس(27 نائب)، وائتلاف الكرامة (19 نائب)، ويرفض خيار تشكيل حكومة كفاءات مستقلة[2]. ويمثل الاتجاه الثانى ما يقرب من 138 نائبًا، مما قد يمثل عقبة فى عدم منح الثقة للمشيشى باعتباره يضم الأغلبية من النواب.

موقف النهضة

في الوقت الذي ترغب فيه بعض القوى السياسية في تونس في تشكيل حكومة المشيشى بدون النهضة، وهو ما عبرت عنه تصريحات زهير المغزاوى أمين عام حركة الشعب بالرغبة في حكومة دون النهضة قائلا “النهضة لا تريد شركاء بل تريد أتباعًا، وأن انتخابات سابقة لأوانها هو أفضل من حكومة تضم النهضة”[3]. أيضا تتخذ رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسى الموقف ذاته برفض تضمين النهضة ضمن الحكومة القادمة، وأن الحزب الدستوري يضم 16 نائباً ولن يزكى حكومة المشيشى في حال قبولها أي شخصية تنتمي إلى النهضة[4].

أيضا مثل موقف الاتحاد العام للشغل في تونس رفضًا لتوجهات النهضة  فى انتقاد حاد عبر عنه الأمين العام للاتحاد نور الدين الطبوبى وذلك في إطار تجمع عمالي في مدينة صفاقس جنوب تونس، والذى اعتبر أن النهضة سبب في تدمير تونس، وأن إخوان النهضة يريدوا تحويل تونس إلى مكتب تشغيل لأبناء طيف سياسي معين[5]، وأن الاتحاد سيكون في مقدمة القوى الديمقراطية التي تؤمن بدولة القانون من أجل تعديل البوصلة نحو الخيارات الوطنية.

لكن النهضة تصر على تمثيلها ضمن الحكومة القادمة، ولن تقبل إقصاء الحزب الأول والثاني منها وهما النهضة وقلب تونس وأن ذلك ينذر بالخطر، وإذا حدث ذلك فإن النهضة تهدد بعدم دفع أجور الموظفين وإيقاف الخدمات العامة كالكهرباء والماء[6]، ورغم تهديدات النهضة إلا أن هناك انقسامًا فى الرؤى داخل الحركة حول الموقف من الحكومة القادمة ما بين فريقين، الأول يرى أن المشاركة في الحكومة القادمة سوف تكون محفوفه بالمخاطر، نظرًا للتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها الدولة، والثاني يرى ضرورة ضمان المشاركة في الحكومة القادمة حتى لا تتعرض الحركة لخسارة في توظيف أنصارها وتعزيز مواقعهم[7].

وتعمل النهضة على تشكيل تكتل يمثل نفوذًا أكبر داخل البرلمان، يضم كل من النهضة 54 نائب وحزب قلب تونس 27 نائب وائتلاف الكرامة 19 نائب وكتلة المستقبل 9 نائب، مما قد يؤدى إلى عرقلة منح الثقة لحكومة المشيشى في حال استبعادها من تشكيل الحكومة.

كما ترغب النهضة في تشكيل حكومة وحدة وطنية ذات صبغة سياسية وفقًا لنتائج الانتخابات البرلمانية السابقة في 2019 وهي تهدف من وراء ذلك ضمان تمثيلها في الحكومة نظرًا لأن حزبها الأكثر تمثيلا في البرلمان، بينما يهدف المشيشى إلى تشكيل حكومة كفاءات مستقلة. وعبرت تصريحات رئيس كتلة الكرامة سيف الدين مخلوف عن أن خيار تشكيل حكومة كفاءات يعد انقلابًا على نتائج الانتخابات وعلى اختيارات الشعب[8]. ويتخذ حزب قلب تونس موقفاً مماثلاً، حيث يدعو إلى حكومة حزبية ويرفض تشكيل حكومة تكنوقراط.

إلا أن هشام المشيشى المكلف بتشكيل الحكومة في تونس رفض الانصياع لرغبة النهضة في تشكيل حكومة وحدة وطنية ذات صبغة سياسية، واستقر على تشكيل حكومة كفاءات مستقلة[9]، بهدف معالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الدولة، دون مشاركة حزبية بسبب الخلافات بين الأحزاب السياسية، وسيجنب هذا الخيار المشيشى عناء توافق القوى السياسية، وهو ما عبر عنه في تصريحاته قائلا “من خلال المشاورات التي أجريتها خلال الأيام الماضية أدركت أن درجة الاختلاف والتناقض بين الفرقاء السياسيين كبيرة جدًا، وهذا ما يجعل إمكانية تكوين حكومة تجمع الأطراف السياسية وتضمن الحد الأدنى من الاستقرار السياسي في البلاد مستحيلة”[10].

إلا أن استقرار رئيس الحكومة المكلف على تشكيل حكومة كفاءات يمثل تفادي مرحلي لحالة عدم التوافق بين القوى السياسية المختلفة داخل البرلمان، ومازال أمام رئيس الحكومة عقبة حصول الحكومة على الثقة بموافقة 109 عضو في البرلمان في ظل رفض عدد من الكتل منها النهضة وقلب تونس والكتلة الديمقراطية وائتلاف الكرامة، لخيار حكومة تكنوقراط كما تمت الإشارة سابقا.

مستقبل حكومة المشيشى

يمكن الإشارة إلى خيارين فى ضوء حالة عدم التوافق حول شكل الحكومة:

الأول: إما تشكيل الحكومة من قبل المشيشى ومنحها الثقة من قبل الكتل البرلمانية، لا سيما أن خيار إجراءات انتخابات نيابية مبكرة لا يضمن للنهضة حصولها على ذات النسب التي حصلت عليها في انتخابات 2019، لا سيما بعد تراجع شعبية رئيسها راشد الغنوشي والخلافات الداخلية بين أعضاء الحركة، وحسب استطلاع رأى لمؤسسة سيغما كونساى يتقدم الحزب الدستوري برئاسة عبير موسى بنسبة 35.8 % بينما تمثل النهضة 21.9 % في حال إجراء انتخابات برلمانية في هذه الفترة.

الثاني: عدم منح الثقة للحكومة وعرقلتها من قبل نواب النهضة أو قلب تونس سيؤدى إلى سيناريو حل البرلمان من قبل رئيس الجمهورية ومن ثم إجراء انتخابات نيابية مبكرة، وذلك وفقا للمادة 89 من الدستور التونسي والتي تضمنت “إذا مرت أربعة أشهر على التكليف الأول ولم يمنح أعضاء مجلس الشعب الثقة للحكومة، لرئيس الجمهورية الحق في حل مجلس نواب الشعب والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة في أجل أدناه خمسة وأربعون يوما وأقصاه تسعون يوما.

المصادر:

[1] تونس.. المشيشي يلتقي عددا من النواب المستقلين، سكاي نيوز عربية،5 أغسطس 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/2PGDn3K تاريخ الدخول 9 أغسطس 2020.

[2] المنجي السعيداني،تونس: مقترح حكومة كفاءات يواجه رفض أحزاب كبرى”، الشرق الأوسط، 14 أغسطس 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/30WANNM تاريخ الدخول 15 أغسطس 2020.

[3] المغزاوي: الانتخابات المبكرة أفضل من حكومة تضم النهضة، الترا تونس، 3 أغسطس 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/31wHS6E تاريخ الدخول 9 أغسطس 2020.

[4] المنجي السعيداني،”الدستوري الحر يطالب المشيشي بـالقطع مع الإسلام السياسي في تونس”، الشرق الأوسط، 13 أغسطس 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/2DO0UO3 تاريخ الدخول 13 أغسطس 2020.

[5]أحمد نظيف، تونس.. اتحاد الشغل يتعهد التصدي للمشروعات الإخوانية، سكاي نيوز عربية، 6 أغسطس 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/2XHUYgl  تاريخ الدخول 9 أغسطس 2020.

[6] أحمد نظيف، النهضة.. محاولات للضغط على المشيشي من أجل مكان بحكومة تونس، سكاي نيوز عربية، 7 أغسطس 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/3adJPci تاريخ الدخول 9 أغسطس 2020.

[7] استطلاع في تونس: الحزب الدستوري الحر “يدهس” حركة النهضة، سكاي نيوز عربية، 14 أغسطس 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/3h2Mk3B  تاريخ الدخول 15 أغسطس 2020.

[8]  المنجى السعيداني، الدستوري الحر يعلن العودة إلى مفاوضات تشكيل الحكومة التونسية، الشرق الأوسط،12 أغسطس 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/2Fmc9xF تاريخ الدخول 13 أغسطس 2020.

[9] تونس.. المشيشي يواجه النهضة ويتجه لتشكيل حكومة كفاءات مستقلة، سكاي نيوز عربية، 10 أغسطس 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/31U8Fdd تاريخ الدخول 15 أغسطس 2020.

[10] تونس: هل سيتمكن المشيشي من تشكيل حكومة كفاءات مستقلة؟، مركز الأمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية،13 أغسطس 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/31VvvBb تاريخ الدخول 15 أغسطس 2020.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى