كورونا

الهجوم على اللقاح الروسي… مخاوف حقيقية أم دوافع سياسية؟

خرج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين –الثلاثاء 11 أغسطس- ليُعلن للعالم، الخبر الذي طال انتظاره. ويؤكد انفراد روسيا بتسجيل أول لقاح ضد فيروس كورونا. ولأجل التدليل على مدى كفاءة وفاعلية المصل الذي يثق فيه بوتين كثيرًا، قال إن إحدى بناته قد تم تطعيمها باللقاح الجديد ضد فيروس كورونا.

وأضاف بوتين خلال اجتماعه مع أعضاء حكومته عبر تقنية الفيديو كونفرانس، قائلاً “آمل أن نتمكن من بدء الإنتاج الضخم لهذا الدواء في المستقبل القريب”، مشيرا إلى أن العمل على لقاحات من هذا النوع في روسيا لازال مستمرا في مؤسسات أخرى. معربا عن تمنياته بالنجاح لكافة المتخصصين.

ومن جانبه، أعلن كيريل ديمترييف رئيس الصندوق السيادي الروسي المشارك في تطوير اللقاح، أن عشرين دولة أجنبية طلبت مسبقا “أكثر من مليار جرعة”، من دون أن يحدد من هي تلك الدول، لكنه أشار إلى أن الإمارات والسعودية وإندونيسيا والفليبين والبرازيل والهند أعربت عن “اهتمامها” باللقاح. وبحسب الصندوق السيادي، فإنّ روسيا جاهزة لإنتاج 500 مليون جرعة في العام في خمس دول، مضيفاً أنّ بدء الإنتاج التجاري مقرّر في سبتمبر. كما أكدت وزارة الصحة الروسية أن التلقيح المزدوج سوف يسمح بتشكيل مناعة طويلة قد تمتد نحو عامين.

اللقاح الروسي والانتقادات الغربية

على الرغم من أن دولا كثيرة حول العالم كانت قد انهمكت منذ بدأ التفشي في محاولة التوصل إلى العقار الملائم لاستخدامه كلقاح للفيروس، ومن أن خبرا كهذا كان من شأنه أن يجلب البهجة على المزاج السياسي العام لتلك الدول بوجه خاص وللعالم أجمع بوجه عام. إلا أن العقار الروسي قد تلقى انتقادات منذ اللحظات الأولى للإعلان عنه.                                                                                     في الولايات المتحدة الأمريكية، أعلن أنطوني فاوتشي خبير الأوبئة ومدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المُعدية، أنه يشك جديا في إمكانية أن تكون روسيا نجحت بالفعل في إنتاج لقاح فعال وآمن لفيروس كورونا. وبالنسبة لإسرائيل، علق يولي ادلشتاين وزير الصحة الإسرائيلي، “إن إسرائيل ستفحص لقاح كورونا الروسي وستدخل في مفاوضات جادة على شرائه في حال تبين أنه مُنتج فعال. مُضيفا، أن إسرائيل تتابع بحذر كل التقارير الواردة بخصوص اللقاح وبغض النظر عن الدولة، وأنهم بالفعل قد قاموا بتداول النقاشات حول تطوير اللقاح الروسي.                                         

           وفي ألمانيا، أعلن ينس سبان وزير الصحة الألماني –الأربعاء 12 أغسطس- أن اللقاح الروسي المضاد لفيروس كورونا لم يُختبر على النحو الكاف. مضيفا أن الهدف من ابتكاره هو خلق منتج آمن، وليس أن يكون بلدًا ما هو الأول في توفير اللقاح فحسب.

فيما ذكر أوليفييه فيران وزير الصحة الفرنسي، أن بلاده تتعاون مع كبرى المختبرات لأجل الحصول على لقاح. مضيفا أنه في الوقت الذي تؤكد به روسيا أنها قد نجحت في تطوير أول لقاح ضد فيروس كورونا، تقوم بلاده باتباع نهج أوروبي منفتح يتعاون مع كافة المختبرات حتى يتم التوصل الى تطوير اللقاح.

وأضاف الوزير الفرنسي، “لست مضطرا لأثق باللقاح الروسي، مجمل الدول الأوروبية تعمل بإشراف المفوضية الأوروبية مع كافة المختبرات لكي نتمكن فور تطوير أحدها للقاح –فور ثبات فاعليته- من أن نسمح فورا للشعب الفرنسي بالاستفادة منه وكذلك كل الشعوب الأوروبية” والدول “العاجزة عن الوصول إلى سوق اللقاحات”. 

الهجوم على اللقاح الروسي… مخاوف حقيقية أم مجرد دوافع سياسية؟!

عمل مركز جامالي الروسي للأبحاث بالعمل على تطوير اللقاح المُعلن عنه ضد “كوفيد-19”. بحيث يُعلن المركز عن أنه قد طور منصة تكنولوجية باستخدام فيروسات غذائية موجودة في الزائدة الأنفية، وعادة ما تعمل على نقل نزلات البرد في تطوير اللقاح. إذ أن هذه الناقلات الأنفية يمكنها تحفيز نقل المادة الوراثية لفيروس آخر، إلى الخلية وعندها يتم إزالة جينات الفيروسات الغذائية التي تسبب العدوى، ويتم إدخال جينات خاصة بكود بروتين تابع لفيروس آخر. يقول المركز أن هذا العنصر الذي يتم إدخاله صغير للغاية، ولا يُشكل تهديدًا للفيروس وهو آمن للجسم، لكنه لا يزال يساعد جهاز المناعة على الاستجابة وإنتاج الأجسام المضادة التي تحمي الجسم من العدوى.                                   وفي الوقت الذي يُعلن فيه المركز عن تلقيه لطلبات دولية للحصول على إجمالي مليار جرعة من اللقاح، وتوصله الى اتفاقيات دولية لإنتاج 500 مليون جرعة سنويًا، مع توجه نحو رفع حجم الجرعات. قام البروفيسور ألكسندر تشوتشالين بإنهاء عمله في مجلس أخلاقيات وزارة الصحة الروسية، بعد أن شن هجومًا حادًا على لقاح كورونا الجديد ومُبتكريه. كما وصف تشوتشالين اللقاح بأنه يتضمن انتهاكات جسيمة لأخلاقيات مهنة الطب، بفعل الإعلان المستعجل عن الانتهاء من لقاح كورونا.  كما اتهم تشوتشالين اثنين من الأطباء البارزين المشاركين في تطوير لقاح كورونا بأنهما وضعا أخلاقيات الطب جانبا، عبر التصريح بإنتاجه.                                                                   وعلى الرغم من أن كلاً من الولايات المتحدة والصين قد خصصتا مبالغ طائلة تحت إمرة الفرق البحثية بهدف الوصول الى اللقاح المنتظر، وعلى الرغم أيضًا من أن المنافسة الاقتصادية التي لا تخلو من غيرة سياسية بين الدول الكبرى حول العالم لأجل توفير وإنتاج اللقاح وبيعه لكل العالم محتدمة على أوجها. إلا أن هذا قد لا يعني أن الاتهامات والشكوك التي تحيط باللقاح المستجد قد تقتصر على الغيرة السياسية فقط. إذ أن روسيا لم تنشر حتى الآن دراسة مفصلة عن نتائج التجارب السريرية التي سمحت لها بالتأكيد على فاعلية اللقاح المُعلن عنه. كما أن مسألة حصول ابنة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على اللقاح، باعتبار حصولها عليه بمثابة رمز يبعث على الأمان في نفوس العالم. في الحقيقة لا تعكس ذات الأمان الذي كان مرجو من هذه الخطوة منذ الأساس. بل أنها على الأرجح تطرح تساؤلات حول السبب الذي يجعل بوتين يستخدم ابنته باعتباره آلة دعائية للفيروس الجديد بدلاً عنه. بمعنى آخر، لماذا لم يعلن بوتين عن أنه هو نفسه من حصل على المصل وتم تجريبه عليه شخصيا! هل من الممكن أن تعني تلك الخطوة أن هذا اللقاح غير مخصص لكبار السن؟! وأنه يعمل بفاعلية أكبر على الشباب فقط؟!                                                                                                              ختامًا، يجب على روسيا أن تعي أنه لأجل الحصول على ثقة العالم، وجذب أكبر قدر ممكن من المهتمون بشراء اللقاح الجديد. فإنه ينبغي عليها أن تُقدم دلائل واضحة لها شفافية أكبر بخصوص تفاصيل الاختبارات السريرية، التي أجريت على اللقاح قبل إطلاقه بشكل رسمي.

عرض- داليا يسري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى