تركياالعراق

التدخلات التركية في العراق.. عمليات متجددة وكوابح ماثلة

كتب: د. مبارك أحمد

تنوعت التدخلات التركية في شمال العراق والتي حملت أسماء العديد من العمليات التي لم تتوقف في عهود الحكومات التركية المتعاقبة منذ عام 1991، بل زادت وتيرتها منذ الاحتلال الأمريكى للعراق والإطاحة بنظام صدام حسين والذي جعل من العراق ساحة للتجاذبات واختبار النفوذ بين القوى الدولية والإقليمية في مقدمتها إيران التي وظفت نفوذها الديني للتغلغل في العراق، وأضحت تمتلك أدوات ضغط داخل التركيبة الاقتصادية والسياسية في العراق. 

فيما تسعى تركيا لإعادة إحياء أوهام التمدد الإمبراطوري أو ما يوصف بالعثمانية الجديدة، من خلال التمدد في المناطق العربية مثل سوريا وليبيا والعراق، إذ شنت تركيا في الآونة الأخيرة العديد من العمليات العسكرية في العراق كان أبرزها: درع الفرات، والمخلب- النمر، والمخلب- النسر، وغيرها من العمليات العسكرية التي استهدفت شمال العراق للقضاء على مقاتلي حزب العمال الكردستانى كهدف معلن تسوقه تركيا لوقف عمليات الحزب التي تستهدفها انطلاقًا من العمق العراقي الذي يتخذ من مناطق جبال قنديل مقرات لها.

في حين تشير العديد من التقديرات إلى رغبة تركيا في إقامة المزيد من القواعد التركية لتوسيع نفوذها في شمال العراق. وربما هذا التوجه كشفته العملية التي أطلقتها تركيا في17 يونيو 2020 عبر الحدود مع العراق، واتجاهها نحو نشر قوات خاصة (الكوماندوز) في المناطق الجبلية داخل الأراضي العراقية. وهذا أن التصرف التركي ليس جديدًا، بل سبق أن أسست تركيا قواعد لتدريب قوات محلية في الموصل، وتبرر ذلك دائمًا بمحاولة دفع الإرهاب عن دخول أراضيها. 

في السياق نفسه أعلن الجيش العراقي أن طائرة مسيرة تركية قتلت في 11أغسطس 2020 اثنين من عناصر حرس الحدود وسائق السيارة التي كانت تقلهما في منطقة سيدكان في شمال شرق العراق قرب الحدود التركية الإيرانية. الأمر الذي دفع الحكومة العراقية إلى استدعاء السفير التركى بالعراق داعيةً أنقرة للكف عن الأفعال الاستفزازية واحترام حسن الجوار وسيادة العراق. كما أعلنت وزارة الخارجية العراقية عن إلغاء زيارة وزير الدفاع التركي للعراق والتي كانت مقررًا لها في 12 اغسطس 2020.

مواقف متعددة

تنوعت المواقف الرافضة للسلوك التركي وتدخلاته المستمرة في شمال العراق، فعلى المستوى الداخلي، أكد العراق أن الهجمات التركية على أراضيه تسىء للسلم الإقليمي وتعتدى على سيادة البلاد وأرواح وممتلكات العراقيين. وطالب رئيس الوزراء مصطفي الكاظمي في بيان بالوقف الفوري لهذه الاعتداءات التركية التي تسىء لعلاقة شعبي البلدين، وقال إن “القوات التركية تقوم منذ مدة باعتداءات متكررة تجاه الأراضي العراقية”، مبينًا “أننا نرفض وندين بشدة هذه الأعمال التي تسيء للعلاقات الوثيقة الراسخة وطويلة الأمد بين الشعبين الصديقين”.

أما المتحدث باسم وزارة الخارجية أحمد الصحاف فأكد أن “الوزارة ركزت في وثيقة احتجاج شديدة اللهجة سلمت للسفير التركي، على ضرورة الاحتكام إلى القوانين والأعراف الدبلوماسية الدولية، وأعربت فيها عن التأكيد على موقف العراق الثابت والمبدئي في حقه في الدفاع عن سيادته ووحدة أراضيه، وكذلك إمكانية الطلب من مجلس الأمن والمنظمات الدولية والحشد الدولي في الوقوف لمناصرة العراق”. من جهته، أكد حسن كريم الكعبي، النائب الأول لرئيس مجلس النواب العراقي أن الاعتداءات التركية على سيادة العراق وحماة ثغوره من شأنها أن تلحق الضرر بالعلاقات التاريخية بين العراق وتركيا بشكل كامل، واستنكر نائب رئيس البرلمان العراقي بشدة تمادي القوات التركية في عدوانها. وعربيًا أدان أحمد أبوالغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية العملية العسكرية التي أطلقتها تركيا في مناطق شمال العراق بزعم مطاردة عناصر من حزب العمال الكردستاني، مؤكدًا أن التدخل العسكري التركي يمثل اعتداء على السيادة العراقية، ويجري بدون تنسيق مع الحكومة في بغداد، بما يعكس استهانة أنقرة بالقانون الدولي وبعلاقاتها بجيرانها العرب على حدٍ سواء. كما طالب رئيس البرلمان العربي مشعل بن فهم السلمي “مجلس الأمن الدولي بالتحرك الفوري والعاجل لإيقاف الاعتداءات التركية المتكررة على سيادة جمهورية العراق، حفاظًا على الأمن والسلم في المنطقة. وأعرب السلمي عن “استعداد البرلمان العربي للعمل مع مجلس النواب العراقي لحشد التأييد والدعم الإقليمي والدولي لإيقاف الاعتداءات التركية المتكررة على الأراضي العراقية”.

كما أدانت مصر والسعودية والكويت العدوان التركى والإيرانى على الأراضى العراقية، مطالبة باحترام سيادة العراق. واستنكرت وزارة الخارجية المصرية العدوان التركى الإيرانى العسكرى على شمال العراق، ووصفته بأنه “أعمال عدائية تمثل استمرارًا لمسلسل الانتهاكات المتكررة على العراق، بالمخالفة لجميع المواثيق والعهود الدولية التي تنص على احترام سيادة الدول وتبني مبادئ حسن الجوار، وأكدت مصر رفضها التام لأي تدخلات تمس سيادة أى دولة عربية، داعية الأطراف جميعًا إلى احترام سيادة العراق، والنأى به عن أى تجاذبات دولية أو إقليمية تحول دون تحقيق تطلعات حكومة وشعب العراق الشقيق في الاستقرار والتنمية”. 

كما أعربت مصر عن إدانتها ايضًا لاستهداف طائرة مسيرة تركية لإحدى المركبات التابعة لحرس الحدود العراقي في منطقة “سيدكان” شمال العراق مما أسفر عن مقتل عدد من العسكريين العراقيين. وأكدت في بيان صادر عن وزارة الخارجية أن الاعتداء يمثل انتهاكًا مرفوضًا لسيادة العراق الشقيق، وتهديدًا جديدًا للأمن والاستقرار الإقليميين. وشددت، في بيانها، على تضامنها حكومةً وشعبًا مع حكومة وشعب العراق الشقيق في مواجهة تلك الممارسات الاستفزازية، مع التشديد على ضرورة احترام كامل سيادة العراق ووحدة وسلامة أراضيه ضد أي تدخل خارجي.

وأوربيًا طلبت باريس توضيح ملابسات هجوم شنته طائرة مسيرة تركية وأدى إلى مقتل ضابطين عراقيين في حرس الحدود في شمال العراق، وأعلن متحدث باسم الخارجية الفرنسية “تندد فرنسا بهذا التطور الخطير الذي يجب توضيحه بشكل كامل، وفق “وكالة الصحافة الفرنسية. وقالت الخارجية الفرنسية، إنه كما ذكر وزير الخارجية جان إيف لودريان في بغداد في 16 يوليو 2020″ فإن فرنسا حريصة بشدة على الاحترام الكامل للسيادة العراقية” و”تدين أي خرق لهذه السيادة”.

دوافع متنوعة

تتنوع دوافع تركيا من التدخلات المستمرة في شمال العراق، ويمكن إبراز أهمها في التالي:

  1.  منع قيام دولة كردية: تسوق تركيا أسباب القيام بمثل تلك العمليات العسكرية داخل الأراضي العراقية بدعوى مطاردة عناصر حزب العمال الكردستانى المعارض للسياسة التركية، إذ ترى في توجهات الحزب طموحًا لقيام دولة كردية مستقلة في الجزء الجنوبي الشرقي المتاخم لحدودها مع العراق وسوريا. لذلك تسعى تركيا إلى نقل المعركة مع المقاتلين الأكراد سواء في حزب العمال أو غيره إلى العراق وسوريا، كما تحاول الحد من توظيف المناطق التي يوجد فيها الأكراد باعتبارهم يشكلون تهديدًا لأمنها القومي. 
  2. تدمير البنية العسكرية للأكراد: تبنت الحكومات التركية المتعاقبة منذ عام 1991 الخيار العسكري للتعامل مع المشكلة الكردية، وتعليقًا على العملية التركية الأخيرة في شمال العراق قالت وزارة الدفاع التركية – وفقا لصحيفة الشرق الأوسط في 18 يونيو 2020- في سلسلة تغريدات على تويتر “إن «عملية (المخلب – النمر) بدأت… القوات الخاصة موجودون في منطقة هفتانين. عناصرنا من وحدات (الكوماندوز) الذين تؤازرهم مروحيات قتالية وطائرات مسيرة، تم نقلهم بواسطة قواتنا الجوية”. وعزت العملية الجديدة إلى “ازدياد الهجمات في الآونة الأخيرة ضد مراكز الشرطة والقواعد العسكرية التركية، الواقعة قرب الحدود العراقية”. وأشارت إلى أن نشر قوات الكوماندوز سبقته عملية قصف مكثف بالمدفعية، وإن القوات التركية مهدت للتوغل البري بقصف أكثر من 150 هدفًا للعمال الكردستاني في شمال العراق بالمدفعية وراجمات الصواريخ. 
  3. تعزيز النفوذ التركى في شمال العراق: تكشف العمليات العسكرية المستمرة في شمال العراق عن أن تركيا بصدد إقامة طويلة الأمد في المنطقة، لا سيما بعد أن قامت في فترات سابقة بتأسيس أربعة قواعد عسكرية ثابتة، منها قاعدة مركزية في جبال بالكايا على ارتفاع 2400 متر في شمدينلي التابعة لولاية هكاري جنوب شرقى تركيا، وثلاث قواعد في العمق العراقي في جبل كتكين. 
  4. محاولات تفتيت الدولة الوطنية العربية: تشكل مشروعات القوى الإقليمية لاسيما تركيا وإيران إزاء المنطقة العربية تهديدًا مباشرًا للأمن القومى العربي. وهو الأمر الذي وصفه الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط بـ “حالة التكالب التركي- الإيراني غير المسبوقة على المنطقة العربية”، محذرًا مما سوف تخلفه من أوضاع كارثية، تمثل خطورة شديدة على الأمن القومى العريي، ومشيرًا إلى أن الأوضاع الحالية التي تشهدها المنطقة العربية باتت تتطلب الانتباه حتى لا نصحو على وضع تتآكل فيه مقدرات الأمة لصالح قوى إقليمية تريد الهيمنة والسيطرة على مقدرات العرب. جاء ذلك خلال حواره مع صحيفة الأهرام في 14 أغسطس2020 مؤكدًا أيضًا أن القوى الإقليمية التي تسعى للهيمنة على مقدرات المنطقة، تستخدم الطريقة الأكثر فاعلية والأقل تكلفة، عبر تفتيت المجتمعات من الداخل، وهى استراتيجية قديمة جدًا، اتبعتها كل القوى الاستعمارية، فأي مشروع استعماري لا يكتب له النجاح، بدون استراتيجية تفكيك للقوى الوطنية. ونبه “أبو الغيط” إلى أن المشروعين الإيراني والتركي، هدفهما الرئيسي هو القضاء على الدولة الوطنية العربية، بحيث ينقسم العالم العربي إلى مقاطعات طائفية، تُسيطر على كل منها ميليشيا مسلحة، معتبرًا أن كل تآكل للدولة الوطنية، هو خصم من السيادة والاستقلال، وهو ما بات يتعين معه على القوى الحية في العالم العربي مقاومة هذا الخطر المحدق.

كوابح التدخل التركي في العراق

تتنوع الكوابح التي تواجه التدخلات التركية المستمرة في شمال العراق، والتي يمكن إبراز أهمها في التالي:  

1- استعادة الدولة العراقية لقدراتها: يشكل استعادة الدولة العراقية لقدراتها بعد اندلاع الحراك في اكتوبر 2019 حائط الصد الرئيسى أمام تدخلات الخارج ومشروعات القوى الإقليمية الرامية للتمدد في الأراضى العراقية. وربما يمثل نجاح مصطفي الكاظمى في تشكيل الحكومة العراقية الجديدة بعد التوافق مع القوى والمكونات والكتل النافذة فرصة مواتية لتعزيز مناعة العراق ضد التدخلات الخارجية. وذلك من خلال توحيد الجهود الداخلية للنهوض والتنمية ومكافحة الطائفية التي تعد إرثا بغيضًا. وهو الأمر الذي يجسده برنامج الكاظمى في مكافحة الفساد وتعزيز القدرات الاقتصادية للعراق، فضلًا عن اعتباره السياده خطًا أحمر.

 وربما تمثل دعوة الكاظمي لعقد انتخابات مبكرة بعد تشكيل مفوضية الانتخابات والانتهاء من القوانين والتشريعات المطلوبة بإعتبارها أحد مطالب الحراك بعيدًا عن المحاصصة الطائفية خطوة نحو استعادة الدولة العراقية لقدراتها الذاتية لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

2- معاناة الاقتصاد التركي: يعاني الاقتصاد التركي من ركود في معظم القطاعات الأساسية بسبب السياسة الاقتصادية المعادية للتعددية السياسية والاقتصادية التي ينتهجها أردوغان، ما أدى إلى انخفاض قيمة الليرة التركية وفقدانها نحو 13% في فترة تقارب العامين، وارتفاع الديون الخارجية إلى نحو 444 مليار دولار. وربما يشكل هذا الواقع ضغطًا على التمدد التركى في مناطق الجوار لاسيما في العراق وسوريا، حتى وإن كانت بعض التحليلات ترى هذا التمدد هروبًا إلى الأمام من المشكلات الاقتصادية والسياسية التي تواجه سياسة أردوغان التي أضحت مثيرة للمشكلات والاضطرابات في العديد من الدول والتي تمثل انتهاكًا لسيادتها واخلال بقواعد القانون الدولى التي تدعو إلى حسن الجوار.    

3- أفول تنظيم داعش بالعراق: شكلت العلاقات الوثيقة بين تركيا وتنظيم داعش مجالًا رئيسيًا لتوظيف كلا الجانبين للآخر، فقد تناولت العديد من التحليلات استغلال تركيا للتنظيم من خلال عمليات شراء النفط من المناطق التي كانت تقع تحت سيطرته. وبحلول يوليو 2017 تمكن العراق من الإعلان عن تحرير كافة الأراضى العراقية من أى سيطرة جغرافية للتنظيم برغم أن داعش لا يزال يشكل تهديدًا ماثلًا بعد توقع تصريحات عدد من المسؤولين في المنظمات الدولية المعنية بقضايا الارهاب والتطرف بإمكانية استعادة نشاطه على الساحة العراقية. ومع أفول تنظيم داعش جغرافيًا في مناطق نفوذه الرئيسية في العراق وسوريا، فإن ذلك ربما يمثل خصمًا من رصيد التمدد التركى في هذه المناطق.   

  مجمل القول إن التدخلات التركية السافرة في شمال العراق تعد إخلالًا بقواعد القانون الدولي وانتهاكًا للسيادة ومبادئ حسن الجوار، وتقويضًا للأمن والسلم الإقليمي، كما أنها تعكس الطبيعة العدوانية للسياسة التركية كمصدر لعدم الاستقرار في المنطقة، وهو ما يتطلب من المجتمع الدولى اتخاذ الاجراءات الكفيلة للحيولة دون الاعتداءات التركية المستمرة على الأراضى العربية في العراق وسوريا وليبيا، كما يتطلب أيضًا من جامعة الدول العربية إعادة إحياء فكرة القوات العربية المشتركة التي سبق وأن طرحتها مصر في القمة العربية بشرم الشيخ عام 2015 لمواجهة تهديدات الأمن القومى العربي في ظل بيئة إقليمية ودولية شديد التعقيد ومليئة بالاضطرابات والتهديدات العابرة للحدود. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى