سياسة

الأحزاب المدنية بعد رحيل الوصاية الفاشية: مصر بعد الإخوان وتجربة ألمانيا بعد النازية

تدخل الحياة الحزبية والبرلمانية المصرية مرحلة جديدة عام 2020 بإجراء ثلاثة استحقاقات نيابية على التوالي، بدأت بمجلس الشيوخ وتستكمل بمجلس النواب وتنتهي بالمجالس المحلية.

ورغم أن مصر شهدت انتخابات مجلس النواب عام 2015، ولكن طبيعة عمل هذا المجلس من اجل استكمال قوانين الدستور الذي تم الاستفتاء عليه عام 2012 ثم تم تعديله في يناير 2014، ولاحقًا تعديل ثانٍ في أبريل 2019، جعل لمجلس النواب 2015 طبيعة انتقالية مختلفة عن الاستقرار السياسي والبرلماني والحزبي الذي تشهده مصر أثناء انتخابات 2020.

تأتي الانتخابات النيابية الثلاث في غياب تنظيم الإخوان للمرة الأولى منذ بدء تجربة التعددية الحزبية عام 1977، ورغم عدم وجود حزب سياسي يمثل تنظيم الإخوان في الفترة ما بين عامي 1977 و2011، إلا ان الأحزاب المدنية دأبت على التحالف مع تنظيم الإخوان منذ اليوم الأول لبدء تجربة أحزاب 1977، مقابل دعم عناصر الإخوان الذين ترشحوا كمستقلين، أو أعضاء داخل الأحزاب الشرعية المعترف بها.

تحول الأحزاب المدنية إلى جسر انتخابي للفاشية الدينية

في انتخابات عام 1976 وقبل تأسيس المنابر السياسية ثم الأحزاب، نجح تحالف اليساريين مع الإخوان وبقايا الوفد في إيصال الإخواني صلاح أبو إسماعيل إلى مقاعد البرلمان، وفى برلمان 1979 استمر التحالف ودخل البرلمان صلاح أبو إسماعيل وحسن الجمل من تنظيم الإخوان.

وفي الثمانينات كانت التحالفات الانتخابية أكثر صراحة بين الأحزاب المدنية والجماعة الإسلامية، ففي انتخابات 1984 تحالف تنظيم الإخوان مع حزب الوفد الجديد برئاسة فؤاد سراج الدين وزير الداخلية في وزارة مصطفى النحاس الليبرالية الأخيرة قبل ثورة 23 يوليو 1952، وفاز الإخوان بـ 6 مقاعد.

وفى انتخابات 1987 نجح الإخوان في أخونة حزب العمل الاشتراكي، واستقطاب حزب الاحرار الاشتراكيين رغم أن رئيس الحزب وقتذاك هو مصطفى كامل مراد عضو حركة الضباط الاحرار، وخاض تنظيم الإخوان مع حزب العمل وحزب الأحرار الانتخابات بقائمة موحدة تحت عنوان التحالف الإسلامي، وفى محاولة لجذب التيار المدني قبل التنظيم أن يترشح على قوائمه سياسي مسيحي هو جمال أسعد عبد الملاك.

الأحزاب المدنية في بيت الطاعة الإخواني

ساهمت تلك التحالفات في دخول الأحزاب المدنية طواعية في بيت الطاعة الإخواني، رغم أن تنظيم الإخوان مصنف باعتباره فاشية دينية إلا أن الأحزاب الليبرالية والاشتراكية تسابقت على تقديم فروض الولاء والطاعة لمرشد الإخوان من أجل الظفر بتأييد مكتب الإرشاد وما يعنيه ذلك من استغلال الحماسة الدينية للبسطاء في سباق حصد الأصوات.

تساهلت الأحزاب المدنية وبدلًا عن النزول للشارع والاختلاط بالشعب والعمل على بناء قواعد جماهيرية وشعبية، ارتكنت إلى وجود الإخوان في الشارع، ورأت ان الاستثمار في التنظيم غير الشرعي وغير القانوني أسهل من النزول إلى الشارع وبناء شعبية على الأرض، وللمفارقة فإن تلك الأحزاب التي وضعت يدها في تنظيم إرهابي صنع إرهاب الإسلام السياسي طيلة تسع عقود من الزمان كانت تشتكي الحكومة المصرية لأنها لا تفسح المجال لعمل الأحزاب في الشارع، بينما استطاع تنظيم إرهابي غير رسمي أن يعمل في الشارع وسط تضييق أمني، في حين أن الدولة المصرية أغدقت على الأحزاب المدنية بالفرص والتسهيلات من أجل الوصول للشارع.

ومع انتخابات 1995 قرر تنظيم الإخوان الترشح على مقاعد المستقلين بعد أن أصبح قوة ضاربة قادرة على العمل الحزبي بشكل منفرد دون الحاجة إلى قناع حزبي تقليدي وإن استمر التنسيق مع الأحزاب المدنية في بعض الدوائر الانتخابية وايضًا داخل البرلمان، إضافة إلى أن تنظيم الإخوان قد نجح في تأسيس جناح له في أغلب الأحزاب الليبرالية واليسارية، ولم يعد بحاجة إلى تحالف برلماني يضبط الوجود الإخواني داخل الأحزاب المدنية. ويكفي القول إن قطبًا إخوانيًا بثقل صلاح أبو إسماعيل قد قضى حياته في صفوف حزب الوفد الجديد!

حصد الإخوان مقعدًا واحدًا في صفوف المستقلين عام 1995، ارتفع إلى 17 مقعدًا في انتخابات 2000، ثم حصد الإخوان 88 مقعدًا في انتخابات 2005 ليشكلوا 20 % من مجلس الشعب المصري أمام 72 % حصدها الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم وقتذاك.

إهدار فرصة التحول الديمقراطي عقب يناير 2011

مع بدء الاستعدادات لانتخابات مجلس الشعب عام 2012، ورغم الإعلانات الدستورية وإلغاء دستور 1971 وفتح الباب والمساحات للأحزاب المدنية من أجل العمل السياسي والحزبي الحر دون قيود ما قبل يناير 2011 وفقًا لتعبيرات المعارضة المصرية، إلا أن الأحزاب المدنية في أشد لحظات الاستقطاب بين التيار الديني والتيار المدني قد تسابقت للتحالف مع حزب الحرية والعدالة الذراع الحزبي لتنظيم الإخوان، وذلك عبر ما سُمّي التحالف الديمقراطي من أجل مصر، رغم وجود الحزب الإخواني وحزب النور السلفي قبل أن يخرج النور من التحالف اعتراضًا على قلة عدد مرشحيه.

ضم التحالف الديمقراطي من أجل مصر من اليسار الاشتراكي كلًا من حزب الأحرار الاشتراكيين وحزب مصر العربي الاشتراكي وحزب العمل الاشتراكي الذى غير اسمه إلى حزب العمل المصري، ومن اليسار الناصري حزب الكرامة بقيادة حمدين صباحي والحزب العربي الديمقراطي الناصري الذى انسحب لاحقًا لقلة عدد مرشحيه داخل التحالف، ومن التيار الليبرالي حزب غد الثورة بقيادة أيمن نور وحزب الحضارة بقيادة وزير الثقافة الأسبق محمد عبد المنعم الصاوي وحاتم عزام، وشارك حزب الوفد الجديد في اجتماعات التحالف الأولى قبل أن ينسحب بسبب قلة تمثيله في قوائم التحالف.

وللمفارقة فإن شباب تنظيم الإخوان قد أسسوا حزب التيار المصري وقام الحزب بقيادة قائمة الثورة مستمرة في انتخابات 2012 فتحالف مع شباب الإخوان من اليسار التقدمي حزب التحالف الشعبي الاشتراكي بقيادة أبو العز الحريري ومن التيار الليبرالي حزب مصر الحرية بقيادة عمرو حمزاوي وجورج إسحاق والمستشار أشرف البارودي والكاتب خالد الخميسي، إلى جانب حشد شباب ائتلاف شباب الثورة والائتلافات الثورية التي خرجت من ميدان التحرير من تيارات الوسط إلى أقصى اليسار في دخول طوعي لشباب يناير 2011 إلى بيت الطاعة الإخواني!

وحينما أتت ثورة 30 يونيو 2013 وأسقطت النظام الإخواني، معلنة انتهاء العصر الذهبي للأحزاب الدينية، أصبحت الأحزاب المدنية أمام سؤال “ماذا بعد الحقبة الفاشية” التي سيطرت على الأحزاب المدنية ما بين عامي 1977 و2013 بشكل ناعم، ثم بشكل مباشر وقبلت الأحزاب المدنية من الوسط لليسار الانضواء طواعية تحت سيطرة مكتب إرشاد تنظيم الإخوان.

وأصيبت الأحزاب المصرية بالارتباك على ضوء غياب “الكفيل الإخواني” منذ 35 عامًا، وبدأ المراقبون يبحثون عن تجارب مماثلة في كتب التاريخ لتجاوز الأحزاب والنخب المدنية مرحلة الأحزاب الفاشية، وكانت تجربة ألمانيا الغربية عقب سقوط الفاشية النازية هي الأقرب لتجربة الأحزاب المدنية المصرية عقب سقوط أحزاب الفاشية الدينية.

ماذا جرى في ألمانيا الغربية عقب سقوط الحزب النازي؟

بعيدًا عن فكرة أن حزب العمال الاشتراكي أو الحزب النازي كان في السلطة، وتسبب في هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية ووقوعها تحت الاحتلال الأمريكي والسوفيتي والبريطاني والفرنسي، وما تلى ذلك من قيام ألمانيا الغربية بديلة عن الاحتلال الامريكية والبريطاني والفرنسي وألمانيا الشرقية تحت وصاية الاحتلال السوفيتي، وقوانين اجتثاث النازيين من كل ركن في الدولة الألمانية، إلا أن الحياة الحزبية الألمانية الغربية تحمل دروسًا هامة للنخبة المصرية.

إذا كانت الأحزاب المدنية المصرية تعاني من دوار ما بعد سقوط الفاشية الدينية فإن تجربة الأحزاب المدنية الألمانية عقب سقوط الفاشية النازية مليئة بالدروس.

وكان الدرس الأول هو عدم انغماس تلك الأحزاب في تحالفات طويلة الأجل مع حزب الزعيم النازي أدولف هتلر كما فعلت الأحزاب المصرية مع تنظيم الإخوان، ولاحقًا حينما تم حل الحزب النازي فإن الأحزاب المدنية الألمانية لم تنتظر المدد والعون من فلول النازيين أو النازيين الهاربين في الخارج كما فعلت بعض الأحزاب المدنية التي تحاول عبثًا التواصل أو تجنيد فلول القواعد الانتخابية الإخوانية في الداخل، أو حتى التواصل مع إخوان الخارج في قطر وتركيا ما أدى إلى سقوط أكثر من شبكة تخابر، أعضاؤها ينتسبون إلى أحزاب مدنية ولكنهم ينفذون اجندة إخوانية وعلى اتصال بالإخوان الهاربين في تركيا وقطر.

التخلص من قواعد بيت الطاعة السياسي القديم كانت ميزة الأحزاب الألمانية، فسارع حزب الوسط الكاثوليكي إلى تجديد دمائه وإعادة التأسيس ليشكل الحزب الديمقراطي المسيحي الذي قدم لألمانيا أول مستشار ألماني ألا وهو كونراد اديناور الذي شكل الوزارة الألمانية أربع مرات، إضافة إلى المستشار هلموت كول والمستشارة أنجيلا ميركل.

أما الحزب الاشتراكي الألماني فقد أدرك أن سياسات هتلر ذات التوجه الاشتراكي قد أصبحت غير ذات شعبية في ألمانيا، وتم اجراء مراجعة فكرية أبحر خلالها الاشتراكيون من اليسار الماركسي إلى اليسار الليبرالي، وانخرط الاشتراكيون الالمان في العمل السياسي حتى قدموا لألمانيا زعامة بثقل المستشار جيرهارد شرويدر.

يتضح من تجربة ألمانيا الغربية ما بعد ألمانيا النازية وتفكيك الحزب النازي وخروج الحياة الحزبية والبرلمانية الألمانية من هيمنة الرايخ الثالث أن اهم التوصيات التي يمكن استخلاصها من السطور السابقة ما يلي:

1 – فك الارتباط والاتصال مع الفاشية الساقطة.

2 – إجراء مراجعات سياسية تسفر عن تغيير في السياسات.

3 – استبعاد الوجوه القديمة التي احترقت في السفن الغارقة، وتقديم وجوه جديدة.

4 – هيكلة السياسات والأيدولوجيات الحزبية وتقديم رؤى واقعية.

5 – النزول إلى الشارع عوضًا عن المكوث لسنوات في بيت الطاعة النازي في الحالة الألمانية والإخواني في الحالة المصرية.

6 – عدم التواصل أو انتظار أو توسل العون من بقايا وفلول الإرث النازي في الحالة الألمانية والإرث الإخواني في الحالة المصرية.

حصاد فقير لما بعد اسقاط الإخوان والحزب الوطني

في الحالة المصرية فإن الأحزاب المدنية التي تأسست في ظل قوانين 1977، أو السيولة التي جرت عقب يناير 2011 لم تستطع أن تترجم ثمار تفكيك التنظيم الإرهابي وحزبه، رغم أن ثورة 30 يونيو 2013 حررت الأحزاب المدنية من طوق الإسلام السياسي وبيت الطاعة الإخواني، ولكن عمق الاختراق الإخواني، وطول أمد الاعتماد الحزبي على تنظيم السمع والطاعة الإخواني أدي إلى انهيار داخلي في أغلب أحزاب ما بين عامي 1977 و2013، على ضوء حقيقة أن سقوط الإخوان قد أدى إلى سقوط الأجنحة الإخوانية داخل اغلب تلك الأحزاب.

والملاحظ أن تخبط الأحزاب المصرية عقب يناير 2011 ويونيو 2013 لم يكن سببه سقوط تنظيم الإخوان الإرهابي فحسب ولكن ايضًا كان حل الحزب الوطني الديمقراطي الذي هيمن على الحياة السياسية والحزبية والبرلمانية والوزارية المصرية طيلة ثلاثة عقود من الزمن قد أدى إلى تخبط الأحزاب المصرية التي كانت تضم بدورها بعض الأجنحة ذات الاتصال بالحزب الحاكم، أو لديها حسابات برلمانية وحزبية بنيت على أساس وجود الحزب الوطني الديموقراطي في الحكم.

سنة أولى ديمقراطية

وبالتالي فإن مصر اليوم تشهد “سنة أولى ديموقراطية” و”سنة أولى أحزاب” بعد تفكيك “ثنائية الحزب الوطني وتنظيم الإخوان”، وأن الحياة البرلمانية المصرية اليوم في مرحلة تأسيس لنخبة حزبية وبرلمانية وديمقراطية جديدة، وبالتالي فإن رفع سقف التوقعات يعد دربًا من دروب الخيال وعدم الواقعية حيال عملية ديمقراطية سوف تحتاج إلى دورة برلمانية ثانية وثالثة من أجل أن تنتج مشهدًا برلمانيًا وحزبيًا مستقرًا، شريطة أن تعمل الأحزاب مستغلة مناخ الحرية من أجل تأهيل الناخب المصري لكى يصبح على مستوي الأحلام والطموحات والتوقعات التي يعلقها على تلك الأحزاب الوليدة.

حق الانتماء إلى أحزاب الموالاة أو أحزاب المعارضة

يأتي ذلك في ظل قرار تاريخي للدولة المصرية عقب ثورة 30 يونيو 2013 بإنهاء ظاهرة حزب الحكومة والوقوف على مسافة واحدة مع كل الأحزاب والحركات والمستقلين، وان تترك الدولة المصرية الحرية الكاملة للأحزاب للتمركز في معسكر أحزاب الموالاة أو أحزاب المعارضة، في ظاهرة سياسية جديدة لم تعرفها مصر من قبل، خاصة وأن سيطرة الإخوان واليسار على صناعة الوعي والثقافة المصرية طيلة أربع عقود قد مسحت من قاموس المصريين السياسي حقيقة أن كافة الأنظمة الديموقراطية تضم ظاهرة أحزاب الموالاة أو التي ترى أن الظرف الوطني القائم يستلزم تأييد الحكومة في البرلمان، دون أن يقترن ذلك بأن تكون تلك الأحزاب لها الأغلبية البرلمانية أو حق تشكيل الوزارة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى