المراكز الأمريكيةخدمة مراكز الأبحاث العالمية

مؤسسة راند: استراتيجية الصين الكبرى ترجح دخول واشنطن وبكين في منافسة طويلة الأمد

عرض- فردوس عبد الباقي

نشرت مؤسسة راند الأمريكية للأبحاث والتطوير في يوليو الماضي تقريرًا بعنوان “استراتيجية الصين الكبرى” يوثق ويحلل المشروع الذي قدمه نائب رئيس أركان الجيش الأمريكي بعنوان “المنافسة الأمريكية الصينية طويلة الأجل”. استهدف المشروع المذكور مساعدة الجيش الأمريكي على فهم القدرات النسبية للجيشين الأمريكي والصيني في السنوات الخمسة وثلاثين القادمة. وتم توجيه هذا التقرير لمجتمع الأمن القومي خاصة المخططين والاستراتيجيين. 

أشار التقرير إلى دخول البلدين في منافسة طويلة الأمد نابعة من احتمالية عدم انسحاب أي منهما من الشؤون العالمية في المستقبل المنظور، ولأن كل بلد ينظر إلى الآخر كمنافس مهم، ويشكك بقوة في أفعال ونوايا الآخر. يسعى التقرير لاستكشاف ما قد تنطوي عليه المنافسة الأمريكية الصينية حتى عام 2050 عبر التركيز على تحديد وتوصيف وتحليل الاستراتيجية الصينية الكبرى بجوانبها الاقتصادية والدبلوماسية والعلمية والتكنولوجية والأمنية، وتقييم مدى نجاح الصين في تنفيذ هذه الاستراتيجية على مدى العقود الثلاثة المقبلة.

أشار التقرير إلى أن هناك العديد من التعريفات للاستراتيجية الكبرى، وقد تبنى التقرير تعريف مفاده أن “الاستراتيجية الكبرى هي العملية التي تربط من خلالها الدولة الغايات طويلة الأجل بوسائل تحت عنوان رؤية شاملة ودائمة لتعزيز المصلحة الوطنية”. هذا يعني أن الاستراتيجية الكبرى ليست مجرد شعار أو قائمة أمنيات، وأنه لا تتم صياغة مثل هذه الاستراتيجيات في فراغ. على الأغلب تتشابك الاستراتيجية الكبرى للقوة العظمى مع المنافس المُتصور أو الفعلي. قد يكون التنافس عبارة عن نزاعات متعددة وخلافات مستمرة والتهديد باستخدام القوة، ويمكن للدول المتنافسة أن تتعاون في كثير من الأحيان في المسائل ذات الاهتمام المشترك، أي أنه لا يؤدي حتمًا للحرب رغم وجود التنافس.

استراتيجية كبرى أم خطط وطنية؟

كان هناك إصرار من باحثين أمريكيين على أن الصين لا تمتلك استراتيجية كبرى، لكن الواقع يُظهر أن الاستراتيجية الوطنية أكثر تفصيلًا من الحديث عن استراتيجية كبرى، ويمكن الاستدلال على استراتيجية كبرى من دراسة مجموعات من وثائق السياسة مثل استراتيجية الأمن القومي وخطب كبار المسؤولين. تتطرق الاستراتيجية الوطنية لجميع جوانب السياسة الوطنية تقريبًا، ولها خصوصية أكبر وتركز على المدى المتوسط ​​بدلًا عن المدى الطويل. 

تشمل الاستراتيجيات الصغرى خططًا خمسية، على سبيل المثال فهي تشمل الحفاظ على الاستقرار الداخلي والتماسك الاجتماعي، وتعزيز السيطرة المركزية للمؤسسات المدنية للحزب الشيوعي الصيني، وتعزيز الدبلوماسية الفعالة، والحفاظ على النمو الاقتصادي والازدهار، وتعزيز جهود العلوم والتكنولوجيا، ورفع مستوى وتحسين الفعالية القتالية لجيش التحرير الشعبي.

حدد باحثو العلوم العسكرية الصينيون بتفصيل الأنواع الأربعة المختلفة للصراعات التي يجب على الصين الاستعداد لمواجهتها في المستقبل، وذلك في الكتاب الأبيض للدفاع لعام 2013، وهي: حرب دفاعية واسعة النطاق وعالية الكثافة ضد دولة مهيمنة تحاول إبطاء أو إنهاء صعود الصين، حرب واسعة النطاق نسبيًا وعالية الكثافة ضد الانفصاليين ضد قوات استقلال تايوان، العمليات المضادة للدفاع عن النفس على نطاق متوسط إلى صغير ومتوسط إلى منخفض الكثافة في حالة النزاعات الإقليمية أو إذا امتد عدم الاستقرار الداخلي للجيران عبر الحدود الصينية، عمليات صغيرة الحجم ومنخفضة الحدة تهدف إلى مواجهة الهجمات الإرهابية والحفاظ على الاستقرار.

رأى التقرير أن متطلبات التنفيذ الناجح لهذه الاستراتيجية تقتصر على الإدارة الروتينية للنظام السياسي والحفاظ الفعال على الاستقرار الاجتماعي. ووصف التقرير تلك الاستراتيجية بأنها “التجديد القومي”، وتتمثل أهدافها المركزية في خروج الصين –تحت قيادة الحزب الشيوعي- بشكل تتمتع فيه بحكم جيد ومستقر اجتماعيًا ومزدهر اقتصاديًا ومتقدم تقنيًا وقوي عسكريًا بحلول عام 2050. 

يعتمد نجاح استراتيجية الصين الكبرى على مجموعة متنوعة من الديناميكيات التي ستتم على مدى مجموعة من الآفاق الزمنية. فعلى المدى القصير، سيكون السياق السياسي المحلي هو الأكثر اهتمامًا، وعلى المدى المتوسط، ستحظى المجالات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية باعتبار أكبر، وعلى المدى الطويل، ستظهر أهمية باقي الديناميكيات مثل العلم والتكنولوجيا والعوامل الديموجرافية والعوامل البيئية. أي أنه كلما طال الأمد الزمني، يزداد عدد الديناميكيات التي تؤثر على تنفيذ أفضل الخطط والبرامج في الصين.

سيناريوهات القوة الصينية بحلول 2050

وجه التقرير سؤالين أساسيين هما: كيف ستبدو الصين بحلول عام 2050؟ وكيف ستبدو العلاقات الأمريكية الصينية بحلول عام 2050؟ وفقًا للإجابة عليهما، وضع التقرير مجموعة من السيناريوهات المستقبلية المحتملة للصين في منتصف القرن الحادي والعشرين، وما يتولد عنها من المسارات للمنافسة بين الولايات المتحدة والصين على المدى الطويل.

السيناريو الأول هو انتصار الصين في تحقيق استراتيجيتها الكبرى، والثاني صعود الصين عبر نجاحها في تحقيق العديد من أهداف استراتيجيتها الكبرى، وليس كلها. السيناريو الثالث يتمثل في ركود الصين بسبب فشلها في تحقيق أهدافها طويلة المدى، أما السيناريو الرابع هو تحطيم الصين بسبب المشاكل التي تُحاصرها وتهديد وجود الحزب الشيوعي. 

وضع التقرير أربعة عناصر لكل سيناريو يتم التحليل على أساسها، هي التوقعات العامة لتنمية الصين وقدرتها على تحقيق أهدافها، والظروف المحلية والأجنبية المحددة المطلوبة لحدوث السيناريو، ونتيجة السيناريو من حيث تأثير الصين في العالم، وعواقب السيناريو بالنسبة للولايات المتحدة.

خلص التقرير إلى أن أي سيناريو من الأربعة يمكن حدوثه بعد ثلاثة عقود، لكن رجح التقرير حدوث سيناريو نجاح الصين لأنها تفترض هامشًا ضئيلًا للخطأ وغياب حدوث أزمة كبيرة بين الآن وعام 2050، لكنه افتراض غير معقول. من ناحية احتمالية انهيار الصين، إن كان من المحتمل حدوثه فهو لن يحدث الآن في ظل إثبات القيادات الصينية لمهاراتها في التنظيم والتخطيط والتغلب على الأزمات والتكيف مع تغيير الظروف.

أشار التقرير إلى أنه بحلول عام 2050 قد تشهد الصين مزيجًا من النجاحات والإخفاقات، مما يجعل السيناريوهات الأكثر معقولية إما الصعود أو الركود. 

هناك عدد من العقبات التي تهدد بعرقلة جهود بكين الدبلوماسية. الأول هو عدم التوافق بين خطاب وفعل الصين، فعلى الرغم من وعود بكين بـ “عالم متناغم” و”مربح للطرفين”، يبدو أن الصين لا تتردد في استخدام الإكراه للحصول على ما تريد والحصول على أفضل ما يمكن من أي صفقة مع دولة أخرى. العقبة الثانية هي القيود المفروضة على وزارة الخارجية الصينية، فهي رغم مهنيتها وعالميتها وكفاءتها، لا تمتلك موارد كافية كي تلعب دورها الصحيح، وبات دورها مهمّشًا في صنع السياسة الخارجية.

مسارات التنافس الأمريكي الصيني

ذكر التقرير أن العلاقات الصينية الأمريكية ظلت باردة لبضعة عقود، لكنها بدأت في التحسن بعد زيارة الرئيس نيكسون للصين في 1972. بات هذا التقارب ممكنًا بسبب قيام ماو تسي تونغ وباقي القيادات الصينية بإعادة تقييم البيئة الأمنية التي حددت أن الاتحاد السوفيتي كان يمثل أكبر تهديد للصين وليس الولايات المتحدة. استمرت العلاقات إيجابية في الفترة المتبقية من الحرب الباردة خاصة بعد إقامة العلاقات الدبلوماسية في 1979. 

لكن لم يدم هذا التحسن طويلًا بسبب القمع الدموي للمتظاهرين المؤيدين للديمقراطية في 1989، وتم الاشتباه في أن الولايات المتحدة تآمرت ودعمت تلك الاحتجاجات للإطاحة بالحزب الشيوعي. وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي، ازداد قلق بكين وضاعفت من التصور الخاص بأن المصدر الرئيسي لتهديد الحزب الشيوعي كانت الولايات المتحدة. 

اعتبر التقرير أن هناك ثلاثة مسارات محتملة للتنافس في العلاقات الأمريكية الصينية، وتختلف حسب حدة الصراع ودرجة التعاون بينهما. فالمسار الأول تحت عنوان “الشركاء المتوازيين”، هو في الأساس عودة إلى حالة العلاقات الأمريكية الصينية قبل عام 2018. فقد عمل الجانبان في السنوات الأخيرة بالتوازي على مجموعة واسعة من القضايا الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية. ورغم أن هذا قد تضمن تعاونًا كبيرًا، إلا أنه في معظم الحالات لم يشتمل على تعاون أو تنسيق وثيق وواسع النطاق.

وفي حين أن التعاون بينهما في المستقبل يمكن أن ينطوي على مستويات أعلى من التعاون، لكن يبدو أنه أمر غير واقعي بسبب عمق انعدام الثقة المتبادل ومناخ المنافسة. ففي المجال الأمني، عملت كل من الولايات المتحدة والصين على معالجة التهديدات الأمنية غير التقليدية، كان ضمن هذه الجهود دوريات مكافحة القرصنة في خليج عدن واستخراج أسلحة الدمار الشامل من سوريا. من المرجح أن يحدث مسار الشركاء المتوازيين في حالة الصين الراكدة وربما الصين الصاعدة، على الأقل فيما يتعلق بالعمليات خارج المنطقة.

فيما يخص المسار الثاني، كان تحت عنوان “الاصطدام بين المنافسين” ويشير لوجود علاقة أكثر تنافسية، ومن المرجح أن يكون في هذا المسار الصين منتصرة وأكثر ثقة وحزمًا. ومع جرأة الجيش الصيني لطرد القوات الأمريكية من غرب المحيط الهادئ أو غيره، فتزداد احتمالات المواجهة والصراع.

أما المسار الثالث، فكان تحت عنوان “الاتجاهات المتباينة”، ويفترض أن البلدين لن يكونا في تعاون نشط أو صراع مباشر. ومن المرجح أن يكون هذا المسار ضمن سيناريو تحطيم الصين وانشغالها بمشكلات داخلية متزايدة. 

اعتبر التقرير أن تحديد الأهداف الاستراتيجية للصين يوفر الأساس للنظر في المجالات التي يجب أن تركز عليها الجهود والسياسات في سياق المنافسة بين الولايات المتحدة والصين على المدى الطويل، خاصة وأن السيناريوهات الخاصة بانتصار أو صعود الصين تمثل أكثر السيناريوهات المستقبلية تحديًا للجيش الأمريكي. في كلا السيناريوهين، يجب على الجيش الأمريكي أن يتوقع زيادة المخاطر التي تتعرض لها بالفعل القوات المتواجدة في اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين، وهو ما يتطلب تحسين جاهزية قدرات القوات المشتركة وإبراز نقاط القوة في المنطقة. يتطلب هذا من الجيش الأمريكي بذل جهود لتحسين الوحدات والقدرات الرئيسية المحددة للجسر الجوي المتوفر والجسر البحري لإحضار الجنود إلى القتال بسرعة أو إلى نقطة مشتعلة بسرعة قبل اندلاع القتال. 

يتضح من استراتيجية الدفاع الأمريكية أن هناك حاجة للتركيز على ميزة تنافسية برية في أوروبا، لكن بروز التحدي الصيني يتطلب زيادة الاستثمار في القدرات المتواجدة بمنطقة المحيط الهندي الهادئ، لأنه من المرجح أن تتمكن الصين من التنافس في جميع مجالات الصراع بحلول منتصف 2030.

وضع التقرير مجموعة من القدرات التي يجب أن يستغلها الجيش الأمريكي، منها: الدفاعات الجوية المتنقلة المتكاملة، أنظمة إطلاق الصواريخ المتعددة المدى وتعزيز الألغام المنتشرة، وأنظمة الإنذار المبكر الخفيفة والمتنقلة للكشف عن أنظمة الطائرات بدون طيار والصواريخ بعيدة المدى، وقدرات الاستطلاع والحماية وإزالة التلوث من المواد الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية، والخدمات اللوجستية الاستكشافية.

علاقات الصين بمحيطها الإقليمي

أشار التقرير إلى أن القيادة الصينية باتت واضحة في أهدافها الاستراتيجية، لكن روايتها بأنها تريد تحقيق مكاسب لها ولغيرها من الدول ليست دقيقة في عدد من القضايا. فهناك أهداف تتعلق بالمصالح الصينية والنمو الاقتصادي والقيادة الإقليمية والعالمية في تطور البنى الاقتصادية والأمنية، والسيطرة على الأراضي المطالب بها. 

يدرك قادة الصين أنه في العديد من الحالات، تضع هذه الأهداف البلاد في منافسة وصراع محتمل مع الولايات المتحدة وحلفائها، لكنها تحاول اكتساب ميزة تنافسية وحل التهديدات الناشئة عن تلك المنافسة دون عرقلة الأهداف الاستراتيجية الأخرى، خاصة ذات البعد الاقتصادي. تسعى الصين للسيطرة على الاتجاهات والتطورات الإقليمية والسيطرة على التغييرات التي تطرأ في منطقة آسيا والمحيط الهادئ دون تأجيج التصورات الخاصة بـ”التهديد الصيني”.

تشعر القوى العظمى في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، ولا سيما اليابان والهند، بقلق بالغ إزاء تشدد الصين بشأن النزاعات الإقليمية واستعدادها لإظهار القوة القسرية. رغم ذلك، أظهرت الصين مهارة ثنائية “في تخفيف الإحباطات” حول تكتيكات القوة الصينية و”الشراكات غير المتكافئة” من خلال “مصادقة النخب السياسية” في بلدان مختلفة و”استغلال الانقسامات السياسية”.

تؤطر مبادرة الحزام والطريق جهود السياسة الخارجية لإدارة شيء ليشمل جميع الجوانب الدبلوماسية والاقتصادية الصينية تقريبًا، عبر تطوير شبكة ضخمة من الطرق والسكك الحديدية وخطوط الأنابيب والقنوات، والممرات البحرية التي تربط الصين ببقية العالم. يستهدف ذلك توسيع نفوذ الصين في جميع أنحاء العالم، وتصوير صعود الصين على أنه مفيد وغير مهدِّد للدول الأخرى.

بالنسبة لجيش التحرير الشعبي، فإن هناك رغبة صينية كي يصبح أكثر فعالية وقدرة قتالية في القرن الحادي والعشرين، وبناء على ذلك تم وضع خمسة مسارح أساسية. تستهدف قيادة القوة المركزية حماية قيادة النظام في بكين. تركز القوات الأربعة المتبقية على المهام والمسؤوليات الجغرافية، يستهدف الجزء الشمالي التعامل بشكل أفضل مع الحالات الطارئة في شبه الجزيرة الكورية؛ والجزء الشرقي يصبح أكثر استعدادًا لمعالجة قضية تايوان، والجنوبي يعمل على إدارة تحديات جنوب شرق آسيا، خاصة تعزيز سيطرة الصين على بحر الصين الجنوبي؛ أما القيادة الغربية تستهدف تعزيز القدرة على مواجهة التهديدات المنبثقة من وسط وجنوب آسيا.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى